محمد عدنان البخيت: منعت 80 إسرائيليا من دخول «مركز الوثائق والمخطوطات» وما كتب عن لندن أكثر مما كتب عن العالم العربي

حجم الخط
3

عمان ـ «القدس العربي»: ضمن برنامج «ذاكرة إنسان» الذي أطلقه منتدى الرواد الكبار في العاصمة الأردنية عمان، أقام المنتدى طاولة مستديرة لتكريم المؤرخ والمفكر محمد عدنان البخيت.
الندوة التي أدارها فيصل غرايبة، تحدث فيها كل من هند أبو الشعر وجورج الطريف، وربما أهم ما عُرف عن البخيت سعيه المتواصل للاستفادة من الوثائق التي تكشف الوقائع التاريخية المهمة في كافة مجالات الحياة، وأهمها الدراما حتى تكون مصدرا لتسجيل التاريخ، كما هو حال فقدان الكثير من التسجيلات الإذاعية والتلفزيونية القديمة التي أضاعت فرصا ثمينة في دراسة التاريخ الأردني.
بداية الحديث كانت مع هند أبو الشعر، التي قدمت شهادة بعنوان «محمد عدنان البخيت وذاكرة بلاد الشام»، حيث تبدأ ذاكرة البخيت من ماحص التي وضعها في قلبه ووجدانه، وتمتد إلى عمان وبيروت وتنتقل إلى لندن لتعود إلى ماحص وعمان، لكنه ظّل شاميّ الهوى بامتياز، وهذه الذاكرة التي يلوذ فيها الآن كبار الأكاديميين في العالم تستحق التقدير والاحترام.
وأضافت: «في حديثي عن البخيت لا بد من أن أوظف أدواتي البحثية بموضوعية، وسأتوقف عند مجموعة من المفاصل، أولها اهتمامه بوعي تام ومقصود بكلّ بلاد الشام، وهو بذلك كان يؤسس لخط مدروس ومبرمج، ويمكن القول بأنه شاميّ بامتياز في كلّ توجهاته البحثية والفكرية.
ثانيا: انطلق البخيت من محليته ابتداء، وكانت أول دراساته في مرحلة الماجستير في الجامعة الأمريكية ببيروت تنقل الدراسات التاريخية نحو المحلية، حيث كانت الدراسات التاريخية التي تبنتها جامعة دمشق تنحصر في حواضر بلاد الشام «دمشق وحلب وحماه «، ولا تعطي للأطراف الاهتمام المطلوب، وكان هذا قصورا في القراءة التي لا يمكن إلا أن تكون شاملة، لأن أطراف بلاد الشام كانت فاعلة ومؤثرة بموازاة الحواضر، وربما كان البخيت هو الذي وازن بين التاريخ المحلي وتاريخ بلاد الشام ككل».
شكلّ جمع الوثائق والمخطوطات – بحسب أبو الشعر – هاجسا فعليا للبخيت منذ بدايات استقراره للعمل بالجامعة الأردنية، ويبدو أنه كان على بينة من أن نجاح البحث في تاريخ بلاد الشام يعني بالدرجة الأولى توفير الوثائق والمخطوطات للباحثين، ومع فتح أولّ باب للدراسات العليا في قسم التاريخ في الجامعة الأردنية كان «مركز الوثائق والمخطوطات» هو الجهد العظيم الذي جسدته جهوده في جمع وتصوير وفهرسة الكثير من السجلات الرسمية والوثائق الخاصة ببلاد الشام، منذ عام 1972.
ومن الأمور التي كان للبخيت الأثر الكبير فيها، توجيهه طلبته إلى دراسة تاريخ بلاد الشام في العهدين المملوكي والعثماني، ولكن بمنهجية عالية ومن خلال توفرّ المصادر الرئيسة وأهمها السجلات العثمانية التي فتحت أمام الباحثين من خلال مركز الوثائق والمخطوطات والدراسات المملوكية مثل، مملكة غزة ومملكة صفد وقضاء الخليل، ومن ثم نحو الدراسات العثمانية في القدس في القرن السادس عشر، والقدس في القرن الثامن عشر، غير أنه مع مطلع التسعينيات من القرن الماضي توجه مع طلبته للحفر بعمق في قصبات شرق الأردن في العهد العثماني، وتحديدا في عهد التنظيمات، وعلى رأسها سجلات الطابو والتسوية، وسجلات المحاكم الشرعية، وكتب الرحلات والصحافة المعاصرة التي تبدأ مع عام 1876.
وفي زمن عمله في عمادة البحث العلمي، تبين أبو الشعر أن البخيت أشرف على مجلة «دراسات» الجادة، وكان أفضل ما قدمه نشر قوانين آل عثمان التي نشرها المرحوم خليل ساحلي أوغلو مترجمة، كما ساهم في نشر مجموعة ممتازة من الكتب عن طريق عمادة البحث العلمي في الجامعة الأردنية ومنها، كتب المرحوم كامل العسلي المؤلفة والمترجمة عن القدس.
من جانبه قدم جورج طريف ورقته بعنوان «محمد عدنان البخيت العلامة الإنسان»، لافتا نظر الحضور إلى أن أكثر ما استرعى انتباهه حول شخصية البخيت رده على سؤال كان قد طرحة العلامة قسطنطين زريق عليه «هل لديكم تاريخ في الأردن؟» وأجابه برسالة الماجستير التي كانت حول مملكة الكرك في العصر الايوبي.
ويؤمن طريف بأن أكثر ما يميز البخيت أكاديميا وباحثا قربه من طلابه الذي كان يحرص على أن يضعهم في صورة ما يجري حولنا من أحداث، سواء داخل الوطن أم خارجه؟ خصوصا ما يتعلق بالقضية الفلسطينية القضية المركزية، ولعل ذلك ما كان حافزا له في جمع وتصوير كل ما له علاقة بتاريخ فلسطين من وثائق وملفات ومخطوطات وسجلات أراض ومحاكم شرعية، خاصة ما تعلق منها بالقدس حرصاً منه على المحافظة على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني على ترابه الوطني.
وفي نهاية اللقاء أشار البخيت إلى أن ما تفضل به الزملاء لم يكن إلا نتيجة للتربية والنظام الجاد الذي نشأنا عليه في الأردن في الضفتين، ولم يكن للواسطة دور، وكل الاختيارات والابتعاث للخارج كانت تتم بالتنافس. وأقول هنا ليست هناك جامعات منهارة أو تعليم منهار، بل إدارات منهارة.
وتابع، «تعددية الكتابة التاريخية، يعود للحرية السياسية والبحثية، خصوصا أن كتابة تاريخ البلاد العربية متعثر». ونحن في الأردن متهمون زورا وبهتانا دوما، في حال أن الواقع مختلف تماما، ففي عام 1987 كلفني الملك الحسين بإعداد مؤتمر عن فلسطين، سألني حينها ماذا تريد؟ وأجبته «أريد استضافة الشخصيات الممنوعة من الدخول إلى الأردن ومنهم أحمد صدقي الدجاني وأسعد عبد الرحمن، واستقبلهم الملك وعددهم 80 شخصا».
في بادرة أخرى رغبت تصوير السجلات الخاصة بمدينة القدس الموجودة في تركيا، لكن تكلفتها كانت عالية جدا، وحينما علم الملك الحسين بذلك طلب تصويرها جميعها وتابع الأمر بنفسه وتكفل بالنفقة. نحن لا نستطيع أن نلغي سايكس بيكو، لكننا نستطيع أن نؤكد انتماءنا إلى الحرف العربي من خلال كتابة وتدوين ما يجمعنا «الحضارة والتواريخ والنقوش والعادات، منبرا يتوافد عليه الباحثون»، إلا أننا لا نستقبل أي باحث من إسرائيل فأحد المتنفذين جاء لي بوفد من 80 إسرائيليا ومنعتهم من دخول «مركز الوثائق والمخطوطات» وحينما واجهني بوجود معاهدة سلام، اجبته أن المعاهدات شيء والمبادئ الوطنية أمر آخر مختلف تماما، كوني كنت أحد المشاركين في تلك المفاوضات. قسطنيين زريق يقول، «العرب من أكثر المتحدثين عن تاريخهم ومن أقل الموثقين له»، ذلك صحيح فما كتب عن متر مربع في لندن أكثر مما كتب عن أي دولة عربية.
يذكر أن البخيت نال الدكتوراه في التاريخ الإسلامي من أكاديمية الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن، وحاز وسام الحُسين للتميز والعطاء من الدرجة الأولى وجائزة الدولة التقديرية في حقل العلوم الاجتماعية، وميدالية جامعة أنقرة، ووسام القدس للثقافة والآداب والفنون من فلسطين، ودرع تكريم اتحاد المؤرخين العرب، وترأس اللجنة الدولية التابعة لليونسكو التي أشرفت على إعداد كتاب «تاريخ الإنسانية من القرن السابع الميلادي حتى نهاية القرن الرابع عشر الميلادي».

آية الخوالدة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية