محمد عساف ومجموعة أغانيه الأولى: تحدي البقاء في القمة

محمد عساف أصبح أسيرا لنجوميته وصنع منه المعجبون أسطورة تكاد تكون غير واقعية. هو إنسان بسيط وعاش حياة بسيطة مع أناس بسطاء يعيشون مأساة المخيم الذي يعاني من الحروب والحصار والقهر والوجع اليومي. أكبر أمنية لدى أبناء جيله هو أن يمر يوم بدون قصف أو اغتيال أو انفجار. أن يعدي النهار ويعود من البحر أو المدرسة أو الحقل دون أن يسمع صوت أزيز أو دوي أو هدير. محمد خرج من هذه البيئة مسلحا بحلم كبير وهذا الحلم تحقق مرة واحدة. وجد نفسه بعد شهر أو أقل في قمة النجومية وبريق الأضواء وفلاش الكاميرات التي تكاد تصيب عينيه بنوع من الغبش المؤقت فلا يعود يرى شيئا. من مخيم خانيونس إلى كأس العالم ومن التنزه على شاطئ بحر غزة إلى أهم عواصم ومدن العالم وجماهيره الملايينية تفتح قلوبها له وتستقبله بالورد والزغاريد. عساف شكل ظاهرة غير مسبوقة. تحول إلى أسطورة بين ليلة وضحاها. الفرق بين عساف وبين معظم الفنانين، إن لم يكن كلهم، أنه قفز من مظلة وحط على قمة الجبل. لقد بدأ مشواره من الذرى. لم يتدرج خطوة خطوة يتعثر وينهض ويتطور ويرتقي ويواجه التحديات ويتغلب عليها كما فعل الآخرون من عبد الحليم حافظ إلى فيروز ومن أم كلثوم إلى فريد الأطرش وغيرهم. عساف بدأ من القمة والتحدي الذي يواجهه الآن كيف سيبقى فيها. كيف يستطيع أن يبقى في القمة بل وكيف يطور هذه القمة فينطلق بها إلى أعلى؟ ونؤكد أننا واثقون بقدراته وإمكانياته الهائلة إذا ما توفرت له الشروط الأخرى وخاصة اللحن الجيد والكلمات المناسبة.
أبدأ بهذه المقدمة كي أمهد لطرح بعض الملاحظات على شريط محمد عساف الأول والذي يضم مجموعة من إحدى عشرة أغنية جديدة بالإضافة إلى أغنتين سبق وغناهما واحدة من التراث الفلسطيني (يا حلالي يا مالي) وواحدة خصصها لكأس العالم بالبرازيل (يالله شوت). كما أود أن أؤكد أنني أطرح هذه الملاحظات كمستمع لأنني لست ناقدا فنيا ولا أفهم في مقامات الغناء والسلالم الموسيقية التي تحاول المغنية «أحلام» أن تذكرها نوعا من إستعراض لثقافتها الموسيقية فأتعاطف مع المغني الذي لا يعرف عن ماذا تبحث أحلام. ولكني سأكون صادقا ودقيقا قدر ما يسمح به فهمي لإدراج هذه الملاحظات.
لا شك أن محمد عساف في جميع هذه الأغاني يثبت مرة أخرى أنه يملك صوتا ذا خامة قوية وجميلة يستطيع أن يرتقي من سلم إلى سلم ويهبط ويعلو وينخفض ثم يعود يحلق في الأعالي بكل خفة وسهولة. وقد تألق جمال صوت عساف في كل هذه الأغاني. لكن هذا لا يعني أن كل الأغنيات جاءت بنفس المستوى ونفس الروعة. وكنت أحس أن عساف يحاول أن يتلمس طريقا معينا يتبعه في هذه الأغاني. لكن الأغاني كانت متنوعة ومتباعدة ولم تكن على نفس الروعة والجاذبية. ولا نستطيع أن نتعرف فيها على الشخصية الحقيقية لعساف وكأن بعثرة هذه الأغاني كانت تعكس بعثرة الملحنين والكتاب حيث كان ينظر كل واحد منهم إلى عساف من زاويته هو ويريد أن يحمل عساف مدرسة الملحن أو أسلوب الكاتب. وبما أن الملحنين والكتاب من خلفيات وثقافات منوعة جاء الشريط منوعا ولم يستطع أن يطرح للجماهير «الشخصية المميزة للفنان الذي سيتميز بها دون غيره ويعرف بها».
لقد كانت أغنية «ورد الأصايل» واسطة العقد في الشريط. ولو لم يكن في الشريط غيرها لكفاه بذلك فخرا. إنها الأغنية الأقرب إلى قلب عساف. وقد أحسسنا به وهو يغنيها من قلبه وبأحاسيسه ليذكرنا من هو ومن أين جاء وعلى أي الخطى يسير. تستطيع أن تحس الانسجام العالي بين كلماتها الرائعة ولحنها المميز ثم جاء الصوت الهدار ليزيدها تألقا وقوة وتأثيرا. ثم مهرها بموال يهز كيان المستمع لقوته وروعة أدائه.
من الملاحظ أن الشريط يحتوى ألوانا من الأغاني المصرية واللبنانية والفلسطينية . وهناك أغنية باللهجة العراقية بعنوان «يا بنية» جاءت في منتهى الجمال والإتقان. ولا يشك أحد أن المغني ليس عراقيا «عن أم وأب». كما أن النغمة السريعة تنسجم أكثر مع طبيعة عساف وكأني به لا يريد هذه الأغاني البطيئة التي تفيض حزنا ولوعة، ولكنه يفضل أن تكون أغانيه مليئة بالحركة والحيوية والقفزات المتلاحقة. وهم ما ميز أغنية «يا حلالي يا مالي» والتي زاد من روعتها صور المخيم الذي ينسجم مع شخصية عساف فيجد نفسه بين أبناء بلده يحمل همومهم ويحولها إلى فن راق يقرب أبناء المخيم من ملايين القلوب التي تشاهد الأغنية.
لقد وجدت أن أغنية «لوين بروح» تعكس صورة عن عساف وأجيال مثل عساف الذين يصلون في مرحلة ما من حياتهم إلى حافة اليأس والضياع ولا يعرفون في أي إتجاه يسيرون. لكن كل ما يبحثون عنه موجود حولهم ويمرون عنه دون أن يشاهدوه إلى أن يأتي المطر رمزا للفرج فيملأ الدنيا بالخير ويعيد الضائع إلى طريقه واليائس إلى وعيه وكأني به يحض الشباب والشابات على عدم الوقوع في تلك الحالة من اليأس بل أن يتلمسوا طريقهم نحو الخلاص والحرية والنور والخير.
لا أخفي أنني أعجبت بمعظم أغاني الشريط الأول لكن ليس بنفس المستوى. وكنت أتمنى لو حذف منه أغنيتان على الأقل واحدة منها «من الشبه أربعين». والتي، كما أحسست، غير مقنعة لا من حيث الكلمات ولا من حيث اللحن حتى عنوان الأغنية ينقصه شيء من الغنائية.
ملاحظات ختامية
هذا هو شريط محمد عساف الأول. ولا يظنن أحد أن مجموعته الأولى ستلغي إعجابنا بأغانيه الأولى التي تمثله وتنبع من قلبه وتهز مشاعر البلاد كلها عندما يعلي الكوفية ويلحقها بجفرا وعتابا ودحية، ثم يسافر مع الطير الذي يحوم فوق بلدان فلسطين واحدة واحدة. مسؤولية عساف أن يرتقي بنا وبذوقنا كي نصل من الوعي الفني لمثله والآخرين. ومسؤوليته أيضا أن يقدم لنا الفن الراقي دائما لأنه موجود على القمة ولا يليق به إلا أروع الأغاني وأحلاها لحنا وأعذبها كلمة. إننا نعرف تماما أن الانسجام مع الفن يحدده كل شخص حسب ذوقه ووعيه لكن الأغنية الراقية كجواز السفر، تجتاز كل الحدود وكل الأعمار وكل المشارب والأمزجة. ولا يخشى محمد من تقديم أغان وطنية، تؤمن له جمهورا أعرض وتأثيرا أوسع، فالأغنية الوطنية الملتزمة تسحب السيف وتنزل إلى الميدان وتقاوم، وكم نحن بحاجة إلى أغنية تعبئ الجماهير على الصمود ومقارعة الخصوم.
محمد يتلمس في هذا الشريط شخصيته وهويته الفنية. الوقت ما زال في بداية النهار وأمامه عمر مديد وإنجازات عديدة لا تحصى. الكتاب والملحنون الآن يبرزون شخصياتهم على حساب عساف بل إنهم يفصلون الأغاني على مقاساتهم هــــم. ولا بـــد في نهاية المطاف أن يتعــــرف عساف على الملحن الحقيقي والكاتب القريب من قلبـــه وينطلق بعدها من قمة الجبل إلى عنان السماء. وذلك اليوم ليس ببعيد.

عبد الحميد صيام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية