محمد علي: الملاكمة وفييتنام والإسلام

حجم الخط
23

يصعب تلخيص حياة شخص بحجم الملاكم الراحل محمد علي، فخلال الـ74 عاماً التي قضاها على الأرض تجاوز هذا الرجل أقرانه بمراحل بحيث لم يعد الملاكمون الذين قاتلوه – بمن فيهم الذين فازوا عليه – غير تفصيلات تذكر بالعلاقة مع سيرته المليئة بالمفاجآت والأحداث، والأمر نفسه ينطبق على من مرّوا في حياته من زعماء وشخصيات إعلامية أو سياسية.
لقد تحوّل محمد علي إلى أحد الشخصيات التي لا يمكن فهم القرن العشرين من دونها، وحين تذكر شخصيات سوداء أخرى فهو يذكر ضمن عمالقة كباراً مثل مارتن لوثر كينغ ونلسون مانديلا ومالكولم إكس، أهم ناشطين في مجال الدفاع عن حقوق الانسان والنضال ضد العنصرية ورفض الحروب، وفي مجالات الرياضة، التي اعتبرته «رياضيّ القرن» حقّق محمد علي ما لم يحققه رياضيّ قبله بفوزه بلقب الوزن الثقيل في الملاكمة ثلاث مرّات.
غير أن إنجازاته الرياضية الكبيرة لا تفسّر وحدها هذه الصورة العملاقة للرجل فالرياضة كانت عمليّاً الشرارة التي بدأت شعلة صعوده الكبير، غير أن الرياضة نفسها تغذّت لاحقاً بمواقفه السياسية والأخلاقية التي كشفت معدن محمد علي وشكّلت ظلّه الذي امتدّ حول العالم.
أكبر هذه المواقف تتعلق بتحدّيه المباشر للمؤسسات الأمريكية، بداية من اعتناقه مذهب «أمّة الإسلام» وتغييره اسمه الذي صار «علامته» الخاصة وطريقته في التعبير عن حريته بالتخلّي عما اعتبره اسم العبودية الذي ورثه، ووصولاً إلى قرار رفضه الخدمة العسكرية في فييتنام.
الإسلام، بهذا المعنى، كان افتراقاً كبيراً عن أمريكا باعتبارها قلعة للبيض الأنكلوساكسون البروتستانت، وبذلك تكون انشقاقاً عن العرق السائد وتاريخه وعقيدته، وهو تحدّ سياسيّ عميق كان كافياً ليترك بصمته الهائلة على عوالم الرياضة والسياسة.
أكثر تعبيرات محمد علي بلاغة في كشف ما يعنيه اسمه الجديد له يمكن لمسها في مباراته مع إرني تريل عام 1967 والذي استخدم اسمه القديم كلاسيوس لإغاظته فقام محمد علي بوصفه بـ«العم توم» (وهي شخصية رمزيّة تمثّل السود المخلصين في تبعيتهم للبيض) وأطاح به وهو يسأله: «ما هو اسمي؟».
رفض الخدمة العسكرية في فييتنام تجاوز أيضاً تحدّي المؤسسات القانونية وسجّل موقفاً إنسانيّا وأخلاقيّا لا يقلّ في مغزاه الانشقاقي عن اعتناقه الإسلام وتغيير اسمه، ففي هذا الموقف أعلن محمد علي رفض وجوده في الجيش الأمريكي واصطفافه، عمليّاً، مع الفيتناميين الذين، كما قال وقتها «لم ينادوني يا زنجي ولم يسرقوني ولم يسحلوني أو يغتصبوا أمي أو أختي فلماذا أطلق النار عليهم؟» وتسجّلت كلماته حينها في ثقافة الشعب الأمريكي والعالم لأنها تعلن حقائق بسيطة وواضحة لا يمكن دحضها، ولم يفعل الحكم عليه بالسجن وسحب لقبه وحزامه منه غير تسجيل انتصار فرد واحد من أقلّية مهمشة ومضطهدة على مؤسسات دولة كبرى متغطرسة.
لكنّ الخاتمة العظيمة التي ختم بها محمد علي حياته كانت في أن إصابته بمرض باركنسون أعطته الوجه الإنساني الآخر الذي لا يحتاج إلى القوّة الجسديّة الفائقة وفيض التحدّيات للملاكمين والمؤسسات السياسية، بل إلى التموضع في العالم بصفته الإنسانية البحتة، وهو أمر جعله يتصالح مع نفسه ومع هويّته ومع العالم.
بكلماته هو: «المرض جعل الناس يهتمّون بي بشكل أعمق… أصبحت إنساناً أكثر… صرت مثل الآخرين وهذه منحة».
أحد استنتاجاته التي استخلصها من حالته المرضية كان إن «الأعظم» وهو اللقب الذي كان مصرّاً على انتزاعه وتكراره هي صفة الله وأن العظمة بالتالي هي في ترك بصمتنا على هذا العالم.

محمد علي: الملاكمة وفييتنام والإسلام

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية