ودع العالم بأسره أول أمس الجمعة شخصية فريدة، عندما وارت مدينة لويفيل الصغيرة في ولاية كنتاكي الامريكية، جثمان الاسطورة محمد علي الثرى، فهو لم يكن نجم الملاكمة الشهير فحسب، بل كان ناشطاً حقوقياً وصاحب أراء سياسية مؤثرة، بل حتى رآه البعض كوميدياً يمتع بتصريحاته وعباراته وأقواله.
لن أتناول في هذه المقالة حياته الرياضية، ولا توجهاته الدينية، وتاثير الاسلام عليه، ولا حتى أبرز صداماته، ان كان مع غرمائه الملاكمين أو مع حكوميين ونافذين بيض البشرة، بل سأركز على حدثين في حياته تركا أثراً كبيراً في حياة هذه الشخصية الفذة.
عندما كان محمد علي في الثانية عشرة من عمره، وكان يعرف حينها باسم كاشيوس مارسيلوس كلاي جونيور، وكان من عائلة متوسطة الحال وميسورة، تعرض لموقف صعب، فعندما ركن دراجته أمام محل تجاري، خرج ولم يجدها، فاشتاط غضباً، ولم يعرف ماذا يفعل، خصوصاً أن والده سيؤنبه وقد يبرحه ضرباً على اهماله، فبدأ يسأل من حوله، حتى دله أحد المارة على أن رئيس الشرطة المحلية موجود في البناية المجاورة، حيث يدرب مجموعة من الصغار والفتيان على ممارسة لعبة الملاكمة، فتوجه علي الصغير اليه وهو غاضب، يسأله كي يساعده على استعادة دراجته، مشدداً على انه عندما يقبض على السارق فانه سيبرح ضرباً، فاقترح عليه رئيس الشرطة، الذي يدعى جو مارتن، بان يكون مستعداً للقتال بصقل مهاراته من خلال الملاكمة، فأعجبته الفكرة، وانضم الى النادي، ليتدرج ويصبح بطلاً غير تقليدي بأسلوبه وطريقة لعبه، التي وصفها مدربه لاحقاً أنجيلو دندي بان «كل ما يفعله هذا الفتى من أساسيات اللعبة خطأ لكن النتيجة النهائية تخرج مبهرة». في اشارة الى أن اسلوب علي بخفض ذراعيه عند اللعب وعدم حماية الوجه وسوء التمركز والاعتماد على الحركة السريعة لم تكن تقليدية لكنها أثمرت نتائج رائعة.
الواقعة الثانية التي تركت أثراً كبيراً في حياة الاسطورة، كانت في العام 1960، عقب فوزه بالميدالية الذهبية في أولمبياد روما، حيث عندما عاد الى مدينته لويفيل، والتي كانت تشتهر بعنصرية قاطنيها البيض ضد غيرهم من السود والسمر، فانه اعتقد عقب انجازه وتحقيقه لقباً لبلاده، فانه أصبح فوق نزعات التمييز والتفرقة العنصرية، فجلس مع صديقه في مقهى مخصص لأصحاب البشرة البيضاء، وطلب فنجان قهوة، ليفاجأ بالرد: «نحن لا نخدم السود (النيغرز)»، فترسخت في رأسه فكرة بغض البيض، والذي أصبح لاحقاً يعبر عنها صراحة وبصوت عال، ربما قادته الى الشعبية الجارفة.
تخطئ كثيراً من صحفنا ومواقعنا بذكر اسمه «محمد علي كلاي»، وكأنه أصبح مركباً، بل يعكس مدى جهلنا بقصة هذا الاسطورة، الذي تنازل عن أسمه «العبودي» واختار اسماً حرا، حتى أنه أبرح 3 من منافسيه لويد ضرباً، كونهم أصروا على مناداته «كاشيوس كلاي»!
أخيراً مقولة بسيطة لعلي تلخص حياته، عندما سئل كيف يريد أن يتذكره العالم، فقال: «أن يتذكروني بانني رجل دافع عن حقوق ناسه، واذا كان هذا كثيراً، فليتذكروني ملاكما بارع، ولن أغضب اذا لم يذكروا كم وسيماً كنت»!… وداعاً علي.
خلدون الشيخ