ليس من المبالغة في شيء القول بان محمد علي كلاي كان ايقونة متميزة على صعدان شتى، وبرحيله فقد العالم شخصية احترمها الجميع، كل لأسبابه. وقراءة حياة هذا البطل العالمي تفتح ابواب بحث حقبة متميزة من تاريخ الولايات المتحدة الامريكية. وتزامنت حياة محمد علي الشاب مع تطورات الاوضاع الامريكية، حركة السود الامريكيين من اجل المساواة، والنضال ضد التمييز العنصري، وتصاعد الوعي الشعبي بحقوق الانسان. كما انها حقبة نشوء الوجود الاسلامي في الولايات المتحدة. يضاف إلى ذلك انها الحقبة التي شهدت تصاعد الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي، التي كانت حرب فيتنام ذروتها. تلك الحرب وما صاحبها من اضطراب ذهني لدى قطاع واسع من اصحاب الفكر المتحرر ومعارضي مبدأ الحرب، كادت تعصف بالصعود الامريكي على الصعيد العالمي. بل يمكن القول ان تلك الحرب ساهمت في تحطيم كبرياء امريكا. وبقيت آثارها تضغط على النفسية الامريكية وتدفع الساسة للانزواء وتجنيب بلدهم التدخل في الصراعات الدولية اكثر من خمسة عشر عاما. ولم تتورط امريكا في حرب كبرى مباشرة الا في 1991 عندما خاضت الحرب الهادفة لاخراج القوات العراقية من الكويت. كان شبح الحرب الفيتنامية يطارد البيت الابيض والبنتاجون خصوصا مشاهد الهروب السريع من هانوي. محمد علي كلاي لم يكن معاصرا لتلك التطورات فحسب، بل عنصرا فاعلا فيها. وساعدته بطولته في الملاكمة وشخصيته المتميزة على مستوى الحديث والفكاهة والوعي والذكاء على ان يكون عنصرا فاعلا في مسار التاريخ الامريكي خلال حقبة الستينات، الامر الذي ما تزال آثاره مستمرة حتى اليوم.
فقد تميز عن الكثيرين في مجالات خمسة: مهارته الرياضية التي جعلته قادرا على الفوز في 56 مباراة دولية من مجموع 60 لعبها، ارتباطه بحركة الدفاع عن حقوق السود الامريكيين والنضال ضد التمييز العنصري، وانتماؤه الديني الذي اختاره طوعا ولم يرثه كما هم اغلب الناس، مهارته الكلامية وقدرته على التعاطي مع المواقف على شاشات التلفزيون باساليب شيقة شدت المشاهدين اليه عقودا، وموقفه الايديولوجي الذي دفعه لرفض المشاركة في حرب فيتنام، وهو شاب لم يتجاوز الثالثة والعشرين من العمر. انها مزايا قلما تجتمع في شخص واحد. ولذلك حظي بتقدير الكثيرين، وودعه العالم بما يليق به من حفاوة واحترام. ولو انحصرت مهارته بالملاكمة فحسب لما حظي بذلك. فما اكثر الملاكمين والرياضيين الذين يرحلون ويحظى رحيلهم بشيء من الاهتمام المألوف. اما ان ينشغل العالم بضعة ايام بالحديث عن شخص واحد، ويشغل شاشات التلفزيون اياما فهذه ظاهرة فاجأت الكثيرين ممن تابعوه على حلبة المصارعة في ريعان شبابهم. فالجيل الذي عرفه اصبح متقدما في العمر، لان آخر جولاته الرياضية حدث قبل ثلاثين عاما، وكان جسده آنذاك قد اثخن جراحا وعمره الاربعيني قد جاوز العمر المعتاد لمثل هذه الرياضة. كما ان جسده قد بدأ يشكو من آثار عقدين متواصلين من الملاكمة التي ساهمت في ابتلائه بمرض الباركنسون. وثمة انتقادات لمستشاريه ومديري اعماله الذين استمروا في انهاك جسده بالاسفار والفعاليات حتى بعد ان تمكن المرض منه. ولا ينسى الكثيرون مشهد افتتاح الدورة الاولمبية في اتلانتا 1996 التي أشعل بطل الملاكمة العالمي فيها الشعلة الاولمبية ويده ترتعش كالسعفة في مهب الريح. لقد كان مشهدا مؤلما يبعث على الشفقة والتعاطف والشعور بالاسى تجاه هذا الرجل الذي كان رمزا للبطولة والاقدام الذي لا يقوى الآخرون على منازلته في حلبة السباق.
كان محمد علي كلاي رجلا عظيما، عاش حياته وهو يشد انظار العالم، حتى بعد وفاته. والسمات الاربع التي ذكرت تمثل مقومات شخصيته. فالملاكم الذي استعصى على منافسيه وحطم ارقاما قياسية في الفوز سواء بالنقاط ام بالضربة القاضية، كان ملهما للكثيرين. وقد تحدث منافسوه في الحلبة بعد رحيله معبرين عن شعورهم بالصغر امامه. وظهر جور فريزر الذي هزمه محمد علي في واحد من اكبر السباقات بعد عودته للحلبة في 1971، ليقول انه كان يشعر بالعظمة كلما ذكر اسمه مرادفا لاسم محمد علي «انه لأمر اشعرني بالاعتزاز والفخر». كان فريزر يومها بطل الملاكمة العالمي، حاز اللقب في حقبة كان محمد علي ممنوعا فيها من المشاركة في اي سباق بسبب موقفه الشهير من الحرب الفيتنامية. مهارته الرياضة جعلته اكبر ملاكم في تاريخ تلك اللعبة، حيث كسب السباق في 56 حلبة وخسر خمس مرات فقط. وتميزت لياقته البدنية عن سواه من الملاكمين، فهو رشيق وسريع الحركة وكثير الكلام خلال الجولات التي يبدو في بعضها منهكا. كما منح نفسه لقب «الاعظم» في تلك الرياضة، فكان يسأل المشاهدين: من هو الاعظم، فتأتيه الاجابة «محمد علي». ويمكن القول انه منح الملاكمة عصرها الذهبي، وباعتزاله بعد خسارته المباراة الاخيرة مع تريفور بيربيك التي اقيمت في مدينة نيساو بجزر البهاما، كان قد اوشك على الاربعين من العمر. وباعتزاله اصبحت الملاكمة باهتة وأقل استهواء للمشاهدين.
اما الميزة الثانية فهي شعوره العميق بالانتماء للجالية السوداء واحساسه بضرورة المشاركة في الدفاع عن وجودها وحقوقها. وهنا اصبح الحديث عن محمد علي كلاي يستدعي التطرق لشخصيتين من اكبر رموز الحركة السوداء. فقد كان الدكتور مارتن لوثر كينغ ومالكولم اكس من كبار قادة الحركة المناهضة للعنصرية والهيمنة البيضاء. كان مالكولم اكس الاكبر سنا، وكان يتصدى بقوة للتفرقة بين الأمريكيين البيض والسود، ويحث السود على المطالبة بحقوقهم وعدم الصمت على ما يعانونه من ظلم وتمييز. ومن اقواله الشهيرة: إذا لم تكن على استعداد للموت في سبيل الحرية، فعليك أن تشطبها من قاموسك. وهو القائل: لا يستطيع أحد أن يمنحك الحرية، ولا يستطيع أحد أن يمنحك المساواة أو العدالة أو أي شيء آخر، فإن كنت رجلا فعليك أن تأخذها بنفسك. التقى به محمد علي في العام 1962 وتوطدت العلاقة بينهما حتى اصبح مصدر تاثير كبير على شخصيته سياسية وروحيا. هذا التوجه الثوري لدى مالكولم اكس جعله مستهدفا من قبل الكثيرين. فتم اغتياله في شباط/ فبراير 1965.
اما مارتن لوثر كينغ فكان احد دعامات الحركة السوداء من اجل الحقوق والمساواة. من أهم الشخصيات التي ناضلت في سبيل الحرية وحقوق الإنسان. أسس لوثر زعامة المسيحية الجنوبية، وهي حركة هدفت إلى الحصول على الحقوق المدنية للأفارقة الأمريكيين في المساواة، وراح ضحية قضيته. رفض كينغ العنف بكل أنواعه، وكان بنفسه خير مثال لرفاقه وللكثيرين ممن تورطوا في صراع السود من خلال صبره ولطفه وحكمته وتحفظه حتى أنهم لم يؤيده قادة السود الحربيين، وبدؤوا يتحدّونه عام 1965م.تعرف عليه محمد علي في 1962 وتواصل معه حتى دعاه لحضور احدى حلبات الملاكمة. كان الاثنان يشتركان في الايمان بضرورة الدفاع عن حقوق السود ورفض المشاركة في حرب فيتنام. غير ان كينغ كان متحسسا من منظمة «امة الاسلام» التي كان محمد علي ينتمي اليها. مع ذلك استطاع الرجلان التوافق على مبدأ النضال من اجل القضايا المشتركة. ويظهر مقطع فيديو ذو اهمية تاريخية الدكتور مارتن لوثر كينغ الذي اغتيل، هو ا الآخر في 1968 يقول فيه: ان كل شاب في هذا البلد يعتبر الحرب مرفوضة وغير عادلة. ومهما كان موقفكم من الدين الذي ينتمي اليه محمد علي فان علينا ان نعتز بشجاعته».
الميزة الثالثة هي انتماؤه الديني. فقد اعتنق الاسلام في 1964 بعد ان وافقت منظمة «امة الاسلام» على انخراطه في صفوفها، بعد فوزه على بطل الملاكمة العالمي آنذاك، سوني ليستون، في ذلك العام، وجدت زعيم المنظمة، أليجا محمد، في بطولته العالمية دافعا لاحتضانه. هذا يكشف ان الملاكم الشاب كان لديه عقل متحرك، يبحث عن الحقيقة ويرفض التبعية. فمنذ ان التقى مع مالكوم اكس اصبح لديه توجه نحو الدين والروحانية. ويبدو انه اعتنق الاسلام في 1964 بعد فوزه الكبير، وقام بتغيير اسمه من كاسيوس مارسيلوس كلاي إلى محمد علي كلاي. وقد ازداد التزامه الديني برغم بيئته وظروفه. وربما زادته فترة السنوات الاربع التي منع فيها من الملاكمة تعمقا في الاسلام، فاصبح جزءا من شخصيته. وفي العام 2001 تحول إلى التصوف وأخذ العهد على الطريقة النقشبندية.
اما ميزته الرابعة فقدرته الكلامية في الحوارات المباشرة وعلى شاشات التلفزيون. فهو يمزج بين الفكاهة والحقيقة، وبين الابتسامة والتهكم. وساعدته حيويته وروحه الرياضية على ممارسة سجالاته بتميز عن الآخرين، الامر الذي جعله محبوبا لدى من يعاشره او يسمع له.
اما الميزة الاخيرة فتتجسد برفضه للمشاركة في الحرب الفيتنامية. ففي 1967 استدعي للتسجيل والمشاركة في تلك الحرب ولكنه رفض ذلك معتبرا نفسه «رافض برادع الضمير». وقال: ان الحرب مناقضة لتعليمات القرآن. انني لا احاول تفادي الخدمة، ولكننا لا نستطيع المشاركة في اي حرب ما تكن بامر من الله ورسوله». ومن اقواله ايضا: انني لا ادخل في نزاع مع الفييت كونغ… لماذا يطلبون مني ان البس الزي واذهب عشرة آلاف ميل لالقاء القنابل والرصاص على اناس سمر في فيتنام، بينما السود في لويفيل (مدينته) يعاملون مثل الكلاب ويحرمون من ابسط الحقوق». يعتبر ذلك الموقف من اهم مواقفه السياسية والانسانية، فقد ساهم في تحريض الكثيرين على الامتناع عن الخدمة. وهذا ما جعل شخصيته متميزة اخلاقيا وانسانيا.
بعد هذا كله، فهل من المبالغة القول ان محمد علي كلاي كان احد عظماء القرن الماضي؟
٭ كاتب بحريني
د. سعيد الشهابي