تونس ـ «القدس العربي» ـ من عبدالدائم السلامي: الحضارةُ، كل تاريخ الحضارة البشرية، حِجاجٌ بليغٌ؛ لكأن الإنسان لا يقنع بحقيقة أمرٍ ما من أمور تواصله مع الآخر إلا متى كان ذاك الأمر محمولاً في خطة خَطابية، يذهب الباحث البلجيكي شاييم برلمان، صاحب كتاب «الإمبراطورية البلاغية»، إلى كونها تستهدف «حفز المتلقي، وإنْ بشكل مُضْمَرٍ، على الاقتناع بما هو معروض عليه أو تعزيز اقتناعه به، وذلك بالاتكاء على مرجعيات ثقافية واجتماعية وسياسية ونفسية وغيرها». فالحِجاج، من هذا المنظور، إنما هو نتيجة لتلك العلاقة التي تنشأ من امتزاج الجدل بالبلاغة في مقامات تواصلية معيشة، تُراعى فيها حالات المتلقي النفسية والاجتماعية والوجدانية. غير أن الدراسات العربية المتصلة بالحِجاج البلاغي ظلت تلامس منه مظاهره المنجزة في الأدب، ولم تبلغ جوهره الفني، وهو أمر تنبه له الباحث المغربي محمد مشبال في كتابه الموسوم بـ«في بلاغة الحجاج: نحو مقاربة بلاغية حجاجية لتحليل الخطاب» الفائز بجائزة الشيخ زايد في دورتها الأخيرة ضمن فرع الفنون والدراسات النقدية. ويُعد هذا الكتاب على حد قول صاحبه «محاولة لتقديم البلاغة باعتبارها منهجا في تحليل النصوص الحجاجية انطلاقا من استراتيجياتها الخطابية التي عدها أرسطو الوسائل الأساس لصناعة الحجاج؛ وهي استراتيجيات اللوجوس والإيتوس والباطوس».
بلاغة الجدل
توزع كتاب محمد مشبال، وهو الأكاديمي والناقد المغربي الذي يترأس حاليا فرقة البلاغة وتحليل الخطاب في كلية الآداب في جامعة عبد المالك السعدي في تطوان، على قسمين: يتضمن القسم الأول قضايا عامة ذات صلة ببلاغة الحجاج، سواء على مستوى تحديد مفهومها وعلاقاتها ببلاغة الأدب، أو على مستوى رصد جملة من المبادئ التأويلية التي تستخدمها بعض المقاربات البلاغية المقترحة لتحليل الخطابات والنصوص. أما القسم الثاني فقد كان مجالا لتقديم هذه الاستراتيجيات الثلاث مرفوقة بتحليلات نصية، هذا بالإضافة إلى فصل أخير عالج فيه الباحث بلاغة الوجوه الأسلوبية من منظور حجاجي دقيق. وفي هذا الشأن، يذهب محمد مشبال إلى القول إنه وإلى وقت قريب «كان استخدام هذا اللفظ المركب: «بلاغة الحجاج» أو «البلاغة الحجاجية»، من الأمور التي إنْ لم تُدرَكْ على وجهها الذي ينبغي إدراكها به، فإنها على الأقل لم تحظ بالاهتمام والتقدير اللذين تقتضيهما معرفة عميقة متجذرة في التاريخ ومرتبطة بشؤون الناس ومتشعبة في علوم ومعارف مختلفة: المنطق والفلسفة وعلم السياسة والسيكولوجيا وعلم الأخلاق». ويلاحظ الباحث أن الصمت الذي خيم على أفكار شاييم برلمان حول البلاغة الحجاجية لم يُقدر له أن يتبدد إلا بعد ظهور كتابه بثلاثة عقود من الزمن، وتحديدا منذ بدايات التسعينيات، على الرغم من ظهور كتابات انخرطت في بلاغة الحجاج قبل هذا التاريخ؛ منها محاولات كيبيدي فارغا (1970) ورولان بارت (1970) وكتاب مارك أنجينو (1982) وغيرها، وإنْ ظلت هذه المحاولات معزولة وغير مؤثرة، ولا يمكن أن تلفت النظر في سياق مفتون بالنظرية الأدبية وبمناهج النقد الأدبي التي بلغت ذروة تطورها في الستينات والسبعينات. وفي هذا السياق يشير محمد مشبال إلى أنه «علينا أن نفهم لماذا أصرت جماعة مو على تأسيس بلاغة جديدة (1970) غير عابئة بالبلاغة الجديدة الأخرى التي كان برلمان قد أعلن ميلادها الجديد قبل ذلك بأزيد من عقدين من الزمن (1958)؛ فلم يكن منظورها البلاغي المشبع بالأدب، ليساعدها على رؤية الأمور كما يجب أن تُرى؛ فبلاغة برلمان بالنسبة إليها لا تتعدى أن تكون سلاحا في الجدل، أنشأها صاحبها في سياق فلسفي اقتضى منه مناقضة تصور العقلانية التجريبية للحقيقة، الذي قاد إلى إدانة البلاغة، وَوَضْعَ تصور عقلاني بديل يقوم على مفهوم الاحتمال لا اليقين؛ أما البلاغة الجديدة التي حملتها الجماعة على عاتقها، فإنها تندرج في سياق مختلف؛ إنه سياق النظرية الأدبية واللغة الشعرية والبحث عن بديل جديد للأسلوبية؛ فموضوع بلاغتها الجديدة الأدب أو الأدبية، وموضوع بلاغة الحجاج الجدل».
الحِجاج والدرس الأدبي
بعد أن بحث محمد مشبال ظاهرة البلاغة الحجاجية في الثقافة الغربية، عاد إلى بحث حضورها في الثقافة العربية، ووقف في ذلك على أنه «لم يكن وضع بلاغة الحجاج في الثقافة العربية – في هذه الفترة وقبلها – مختلفا عن الوضع الذي أشرنا إليه في الثقافة الأوروبية تحديدا، مع تباين واضح يتمثل في أن الثقافة العربية لم تتعرف بلاغة الحجاج إلا مع الألفية الجديدة؛ أي بعد أن كانت قد ترسخت وانتشرت في الثقافة الأوروبية، بل تطورت تطورات مذهلة، بينما ظلت الكتابات البلاغية الحجاجية عندنا محصورة في فئة قليلة من الباحثين، ويكاد الدرس البلاغي المهيمن في المؤسسات التعليمية والبحثية درسا تقليديا يربط البلاغة بالأدب والحجاج بالمنطق.
ولا حاجة للتذكير هنا بالمحاولة الرائدة لأمين الخولي التي سعى فيها إلى تجديد البلاغة، ولكن على حساب بلاغة الحجاج التي اقترنت في وعيه بالمنطق الذي أفسد البلاغة والذوق والقيم الجمالية الإنسانية». واتكاءً على ذلك دعا محمد مشبال إلى ضرورة «أن نقرأ كتابات مصطفى ناصف وجابر عصفور ولطفي عبد البديع وحسن عبد الله، وكل من سار على منوالهم في إعادة قراءة التراث البلاغي العربي القديم. لقد كانت قراءاتهم بقدر ما تسعى إلى إنتاج معرفة بلاغية أدبية جديدة بوسائل الأسلوب في الأدب، ومنها ما اصطُلح عليه بالصورة البلاغية، كانت هذه القراءات توجه بذريعة الدفاع عن جمالية الأدب، طعنات قاسية لبلاغة الحجاج، غير مدركة لحقيقة مهمة، وهي أن مفهوم الحجاج البلاغي ليس هو الاستدلال المنطقي، وأن الأدب الذي دافعوا عنه لم يكن عاريا من الحجاج، وأن البلاغة العربية القديمة التي تصدوا لإعادة صياغتها، لم تكن خالصة الوجه للأدب بالمفهوم النقي الذي كان يجول في خاطرهم؛ لقد أجروا فصلا قاسيا بين البلاغة والحجاج، كما أجرته جماعة «مو» عندما آثرت وضع بلاغة برلمان في زاوية ضيقة حتى يسهل عليها تجاوزها لتأسيس مشروعها الذي اعتقدت أنه يشاكل عصرا مأخوذا بفتنة النظرية الأدبية، بيد أن هذا المشروع كان أضيق من أن يرسخ مكانا له في سياق كان يؤذن بتحولات نظرية عميقة؛ سواء في النظرية الأدبية نفسها، أو في اللسانيات، أو في حقول مجاورة».
وعلى تنامي الدراسات المهتمة بظاهرة البلاغة الحجاجية، فإنها ظلت ذات منزع نظري، «لا نكاد نظفر فيها بكتابات تطبيقية تتناول النصوص بالتحليل إلا نادرا. ولعل هذا الأمر أن يرسخ فكرة أن البلاغة ـ في الأصل ـ نظرية في القول البليغ وليست أدوات ومبادئ تأويلية للنصوص والخطابات الحية».
ولعل هذا الأمر هو ما حفز محمد مشبال على الانفتاح بجهده البحثي على هذه البلاغة، وذلك «استجابة لعاملين متداخلين؛ أولهما، انحسار الاهتمام العام ببلاغة الأدب مقابل تزايد الاهتمام ببلاغة الحجاج والنظريات الحجاجية اللسانية والمنطقية.
ثانيا، تزايد الاهتمام العام بأنواع الخطابات العمومية والتواصلية العادية. لكن من جهة ثالثة، أستطيع القول إن اهتمام الباحث بتحليل أنواع من الخطابات النثرية العربية القديمة كان عاملا حاسما في انفتاحه على بلاغة الحجاج التي تملك الكفاية المنهجية لتحليل أنماط مختلفة من النصوص ذات الغرض الحجاجي».