بيروت – «القدس العربي»: صالات بيروت وجمهورها على موعد قريب مع «سُلَم إلى دمشق» بعد استضافة الشريط في ختام مهرجان أيام بيروت السينمائية. حشد من كافة الأعمار والفئات كان في سينما «ميتروبوليس ـ صوفيل» ينتظر الرؤية السينمائية لصاحب «أحلام المدينة» مما يدور في بلاده. فمنذ بدأ التعبير بلغته الرمزية، وعبر ما يسمى بسينما المؤلف صار موقع فيلم «الليل» من المخرجين العرب المنتظرين والمميزين بمزاج تأملي تعبيري فيما يرغب تظهيره من أفكار. بهدوئه المقيم رحب بجمهور المهرجان، مُعبراً عن «رهبة» لأنه حيال حضور «جميل وهام» رهبة لا بد منها «حيال أي عمل ينتمي للثقافة». يؤكد صاحب «باب المقام» تفضيله لترك «الحدث يفصح عن نفسه قبل التعبير عنه… في سنة 2012 عجزت عن الصمت. لم أجد أمامي سوى مجموعة من الشبان، واستطعت معهم أن أحقق سُلّم إلى دمشق».
في «سُلّم إلى دمشق» مُسلمة أكيدة، وصلت بما يشبه المعلومة والتحية في آن، الشاب «سينما» على ضريح عمر أميرالاي وفي وضح النهار «انكسر الخوف.. طوفان يا عمر طوفان». فيلم من الوجوه الشابة، شخصيات مكسورة وخائفة، غالية في شخصية زينة، والاثنتان في خوف وتساؤل. أحلام الضابط السوري المتقاعد المتداعية. تكرار لمشاهد الليل والنهار. تساؤل عن سجون تُفتح حتى للفتية، آلاف في السجون والتهمة «رأي آخر». حسين يسكن في ظلال جريدة «الثورة» صفحاتها تزنر مسكنه الكائن في سدّة أم سامي، وكان له أن يعرف السجن ومآسيه. تندب أم سامي وطنها وناسه. ويبقى التطلع إلى زهرة النارينج المعروفة في الشام. ويبقى الأمل بقيامة سوريا انطلاقاً من رجاء القيامة التي كانت للسيد المسيح.
في بيروت كان هذا الحوار مع المخرج محمد ملص:
○ هل انكسر الخوف فعلاً أم زادت المخاوف في سوريا؟ بين مرحلة اعداد الفيلم والآن أليست التطورات مفجعة؟
• كسينمائي أقول بأن الخوف ليس صفة تتشابه. بالتأكيد قبل بدء الأحداث في سوريا كان هناك خوف. خوف غالباً ما كان يتصف ببعد شخصي. كلٌ كان يعيشه على طريقته، ووفق قدرته على التماس معه، أو التعبير عنه. بالتأكيد ومنذ بدء الأحداث في سوريا حتى اليوم يعيش الإنسان عدداً كبيراً من المخاوف. هي مخاوف مختلفة اختلافاً جذرياً. أتحدث عن تلمسي قبل وبعد لهذا النوع من الخوف. وعلى الأغلب يشكل الخوف بالنسبة لي مرجعية كافة أشكال التعبير السينمائي الذي حاولت صناعته على مدى الأربعين سنة الماضية. بتعدد وتنوع المخاوف، اليوم هي مختلفة وعميقة، وربما وجودية ومصيرية أكثر. الخوف اليوم على الوطن. نحن أبناء سوريا تربطنا علاقة خاصة بالوطن، وبخاصة الجيل الذي أنتمي له، وربما الجيل الذي سبقني. هذه «السوريا» نشأنا على القبول بها كبعد، وكمرحلة تاريخية لم تشكل بالنسبة لنا قناعة مطلقة، لكنها شكلت حضناً ووطناً يحمل في داخله طموحاً وسمواً. ووفق الأبعاد السياسية المتعددة التي حدثت في سوريا منذ بداية القرن حتى اليوم، نلاحظ أن الأجيال المتعددة والمختلفة، وبخاصة على صعيد الثقافة والأدب، وعلى صعيد الأحزاب الوطنية التي كانت، فهي راوحت بين سوريا في حدودها الجغرافية وفقاً لسايكس بيكو، أو وفقاً للبعد الأيديولوجي المختلف سواء القومي السوري، أو القومي العربي، أو الأممي الآخر. هذه الآفاق السياسية التي كانت حاضرة في سوريا وبالأخص في بدايات القرن الماضي، كانت متواجدة بأبعادها المتناقضة والمتصارعة. صراع بالمعنى الأيديولوجي الراقي، وليس الدموي. وبالعودة للأحداث، كانت معايشة هذا النوع من الخوف للجميع، لأن سوريا نفسها هُددت تهديداً جذرياً، استراتيجياً وقومياً. وبدا أن هذا التهديد قد أفرز أيديولوجيات وأفكارا من نوع آخر. بالتالي من الصعب الحديث عن وضع الخوف في الميزان. هل نقول كان أكبر؟ كان أعمق؟ لكنه هو أكبر وأعمق، ومتعدد ومتنوع أكثر. تشكل سوريا اليوم أساساً جذر الخوف لدى جيلنا، ولدى الأجيال الأخرى، بالإضافة إلى الخوف الأمني، والتهديد الأمني من أطراف مختلفة، وفي ظل هذه الظروف الصعبة أصبح يشكل الحضور الجوهري والأساسي الراهن. وليس غريباً عليّ أن يكون مشروعي المقبل بعنوان «الخوف».
○ تميز جديدك كعادة أفلامك بإيقاع هادئ بخلاف إيقاع الأحداث القائمة. هل هي دعوة للتبصر؟
• نعم. من جهة ما هي دعوة للتبصر. في البداية، كان رد الفعل أشبه بالأكشن المفقود. نستطيع القول أن سوريا عاشت زمناً طويلاً بلا حيوية الأكشن. إنما على صعيد التعبير السينمائي، فالتأمل والتبصر هو هدف العمل لديّ. وهو أصبح أكثر إلحاحاً مع بداية الأحداث. فالانجرافات شبيهة بتسونامي، بردود الأفعال وبتقليدها، وبالاندفاعات التي أفقدت القدرة على الرؤية والتبصر. لذلك أدعو للتبصر دون الإنجرار وراء الشعارات والأحلام الجميلة.
○ كم يمثلك الضابط المتقاعد وكم يعبر عن أحلامك المحطمة وبالتالي أحلام جيلك؟ ففي نظرته الجانبية هو شخصية تشبهك.
• كافة الشخصيات فيها من ذاتها، وفيها ما يشبهني، سواء كانت النسائية أو الشبابية. من مهماتي أن ألتقط في كل شخصية ما يجد صدى في نفسي، ليقول ما عاشه هو، ولكن ما أخترته أنا.
○ أن تكون مجمل شخصيات الفيلم في عمر الشباب فهل هي حكايات الحب في مواجهة الحرب؟
• نعم. حين بدأت الفيلم في عام 2012 كانت الأسئلة أوسع من الحدث. وكان قد ظهر ما يمكن تسميته بردود أفعال غرائبية علينا نحن كسوريين، في الوضع الطائفي والمذهبي وغيره. رغبت باستعادة ما كنا عليه من قبل، كي أحمي هذا القَبل، مع طموح للتغيير نحو مستقبل أفضل.
○ تابعنا في الفيلم 12 شاباً وشابة في بيت دمشقي نموذجي. هل لا تزال الحياة ممكنة كما في الصورة؟
• اليوم شيء وعام 2012 شيء آخر. الحمد لله سوريا موجودة. وكل ما تمت محاولة كسره، لم ينكسر. الإمكانية التي تسألين عنها أكثر صعوبة، وأكثر جروحاً. يمكننا القول أن الإمكانية اليوم، تشبه إمكانية من تعرّض لطعنات عديدة، وما زال يواجه.
○ للفن بمختلف تنويعاته وكذلك للأدب أن تكون له رؤيا مستقبلية. هل حملك خيالك الفني في لحظة لرؤية الحالة الدموية التي تعيشها سوريا الآن؟
• أبداً. لم نكن نتوقع أكثر مما كنا نحلم به، ألا وهو أن نرى سوريا التي نحب ونشتهي والتي نطمح إليها، وهي سوريا الحرة.
○ لماذا هذا الحيز الواسع للحظة التقمص؟
• هو سعي مني للربط بين الحاضر والماضي من خلال عشرين عاماً. وكذلك الربط بين طائفتين، لا أكثر ولا أقل. «زينة» و «غالية» تنتميان لطائفتين مختلفتين. وأردت أن تتقمص كل منهما الأخرى.
○ هل هي رسالة في مكان ما؟
• ليست رسالة للمستقبل، بل من الماضي.
○ وهل الأمل إذاً مفقود؟
• بل لا أريد نفي الماضي من أجل المستقبل. أريد الوصول إلى مستقبل يحمل من الماضي كل ما هو جميل.
○ رمزيات كثيرة عبق بها الفيلم وهي عادتك في أفلامك. هل ترى صرخة الحرية من أعلى السُلم ممكنة الآن وأين؟
• بعد كل ما حدث، لا مجال سوى أن تكون سوريا حرّة. هو نداء من جهة، وحُلم من جهة أخرى. باعتقادي ليس لسوريا أن تكون غير حرّة.
○ كم تُمثلك صرخة صاحبة المنزل «أم سامي» في استنكار ما يجري في سوريا؟
• ربما تمثل أمي؟ هي ردود فعل جداً عفوية، ولم تكن داخل النص. «أم سامي» ليس لها صلة سابقة بالتمثيل، وما قالته صادق وعفوي. هذا ما حدث أمامي، جذبني، فصورته.
○ الفيلم مشبع بالوجع فهل الأمل موجود في قيامة السيد المسيح وتعبير «المسيح قام حقاً قام»؟ أم هي رسالة تعايش؟
• لست حاملاً لرسالة بالمعنى الذي ذكرته. أحمل رسالة مَن نحن وماذا نريد. لهذا هي تتصف بالوجع. في قيامة السيد المسيح أمل. وبدون الأمل يصعب العيش.
○ مازلت تعيش في دمشق فلماذا هذا الخيار؟
• في الحقيقة استغرب طرح السؤال. أعيش في حال طبيعي. صحيح هذه الطبيعة تتعرض لمأزق، أزمة، اهتزازات وزلزال، لكني لم اختر البداية. ولست من اختار ولادتي في سوريا. فيها ولدت، وليس لي سواها للعيش.
○ هل تصبح معايشة الموت عادة؟
• يبدو أن هذا السؤال يجب أن يوجه لي شخصياً في هذا العمر.
○ ولماذا هذا العمر؟
• بعد تجاوز الإنسان للستين من العمر، لا شك بأن موضوع الموت يصبح من القضايا الحاضرة في عالمه الداخلي وفي أسئلته، وفي استعدادته للموت. لكن الموت الذي يحضر أكثر من السؤال حوله، يضعك فعلاً أمام مواجهة لهذا السؤال بشكل قد يوصل إلى احتماله في كل لحظة. وأكاشفك، بأن هذا الاحتمال مع لحظات من اليأس العميق الذي نعيشه يصبح أحياناً، أشبه بالأمنية.
○ أن تكون في دمشق وفي سوريا تحديداً وتعايش متاعبها فهل هذا يمدك بأفكار سينمائية كما «الخوف» الذي ذكرته كمشروع سينمائي مقبل؟
• حقيقة تسعدني هذه الأسئلة لأنها تنتمي إلى عالمي الراهن. كتبت في مفكرتي ما يفيد، بأن من يعيش في سوريا في ظل هذه الإنكسارات العديدة، يصاب بلعنة عدم القدرة على التفكير. على الخيال. وعلى توقع الإحتمالات. ولذلك يصبح الموت مشتهى. الحالة صعبة وقاسية لدرجة يصبح فيها التفكير في السينما أحد صفحات الحياة اليومية، وليس صفحة حاضرة وقوية لبناء مشاريع للمستقبل. هناك لحظات من اليأس التي تشعرك بعدم جدوى القراءة أو السينما. صحيح هي لحظات حاضرة، لكن يجب أن لا تطغى على كل ما أريد تحقيقه. ولهذا حدثتك عن مشروعي المقبل وهو «الخوف». وربما أستطيع التعبير عن الحالات التي تواجه الإنسان وجدانياً، وهو يعيش إحتمال الموت في كل لحظة مع سقوط قذيفة، أو أي شيء آخر.
○ بدون مهمات يومية تكون الأيام ثقيلة جداً فكيف يمر الوقت في دمشق؟ أنت المبدع الرافض لقفص يحد المشاعر والأفكار فكيف تحد الحرب من حركتك؟
• أشعر وكأنك قرأت مفكرتي الشخصية. في أحد أفلامي التي حققتها عن السجن في يوم مضى وهو فيلم «فوق الرمل تحت الشمس» تعمدت عبارة يقرأها أحد السجناء داخل السجن، وهي مأخوذة من نص للكاتب المصري يوسف ادريس ويقول فيها: «يسعى السجن إلى أن تكون الحياة وكأنها يوم واحد». لا أبالغ إن قلت لك رغم قسوة تلك الأيام التي أصبح عمرها أربع سنوات، أني في الكثير منها لم أكن أدرك أن علب الأدوية التي أتناولها كل صباح، على سبيل المثال، تفرغ سريعاً، رغم إحساسي بأني فتحتها بالأمس. مرّت كل هذه الأيام، وكأني أعيش يوماً واحداً. لكنه يوم كثيف وقوي، وتمدده الزمني نظراً لتشابهه، وقسوته وقلقه وكأنه يوم واحد. الواقع عكس ما يتردد بأن الأيام القاسية تمر بطيئة. هي ليست حكاية بطء وسرعة، بل في الخطر، وحين يداهمنا لسنوات، فالأيام تصبح وكأنها يوم واحد. فنحن نعيش الخطر نفسه، القلق والألم. يرتفع المنسوب دون أن يتغير النوع.
○ كيف تمّ تصوير الفيلم في دمشق؟ وهل واجهتكم مصاعب؟
• كانت مصاعب أساسية تمثلت في أن اللحظات التي تمّ فيها التصوير لم تكن للتصوير. كانت لحظات صراع عنيف دموي وقاسي. وكانت أحوال الشارع متوترة لدرجة كبيرة جداً. لذلك كان الخيار الدرامي بالنسبة لي أن نكرس الكثير من لحظات الفيلم للتصوير الداخلي، وهو لم يشكل بالنسبة لنا صداماً أو مواجهة مع الرقابة.
○ هل كانت أصوات الرصاص والإنفجارات والطائرات الحربية حقيقية أم مسقطة على المشهد؟
• كافة الأصوات المستخدمة في الفيلم مسجلة خلال لحظات التصوير، وتمّ استخدامها درامياً. في أحيان كنا نجبر على إعادة المشهد لأننا لم نكن نريد صوتاً يرافقه كما الطائرة.
○ هل سيعرض الفيلم في دمشق؟
• لا أعرف، ولا أعتقد.
زهرة مرعي