محمود السمرة وثراء النفس

حجم الخط
0

 

ما جلست يوماً إلى الدكتور محمود السمرة أو قرأته في رائعة من روائع قلمه السخي إلا ومرت بخاطري حكمة المفكر المصلح الكبير سلامة موسى: «الكاتب العظيم يمكن أن يكون بعضه فيلسوفاً أو بعضه عالماً، أو بعضه أديباً، ولكن معظمه يجب أن يكون على الدوام إنساناً». وهذه الخصائص تتمثل في الإنسان الأديب الدكتور محمود السمرة.
في قرية الطنطورة الغافية على الشاطئ الفلسطيني المغصوب، والقائمة جنوب حيفا، ولد محمود وأكمل في مدرستها الصف الرابع وانتسب إلى الكلية العربية بالقدس ونال شهادة المترك الفلسطيني عام 1943 وشهادة الإنتر ميديت عام 1945، وفي هذا العام عُيّن مدرساً للغة الإنكليزية في ثانوية طولكرم حيث كان يدرس طلاب المترك الفلسطيني وأمضى في تدريسهم سنتين. وفي عام 1947 أرسل مبعوثاً على نفقة حكومة فلسطين إلى كلية الآداب في جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة اليوم) ونال شهادة ليسانس آداب عام 1950 وعين مدرساً للإنكليزية في المدرسة الثانوية بالكويت (1950 ـ 1955). وفي العام الأخير قصد لندن ودخل جامعتها ونال في آب (أغسطس) 1958 شهادة الدكتوراه في الآداب. وكانت الأطروحة التي قدمها لجامعة لندن بعنوان «أثر الحضارة الأوربية والإرساليات التبشيرية في الفكر السوري، 1860ـ 1916».
وفي أيلول (سبتمير) من عام 1958 بارح لندن إلى الكويت ليعمل في وزارة الإرشاد والأنباء، والتقى بالعالم الأديب الدكتور أحمد زكي في التخطيط لإصدار مجلة عربية تنفق عليها حكومة الكويت الشقيق، وأخيراً أسفر الجهد المشترك عن صدور أول عدد من مجلة «العربي» في كانون الأول (ديسمبر) 1958، وعين الدكتور أحمد زكي رئيساً لتحريرها والدكتور محمود السمرة نائباً له. وظل الدكتور السمرة يشغل نيابة رئاسة التحرير منذ صدور العدد الأول من «العربي» إلى أن ترك العمل فيها عائداً إلى الأردن. وخلال السنوات التي أمضاها في الإشراف على هذه المجلة الكبرى تولى فيها تحرير باب «كتاب الشهر»، بالإضافة إلى مقالات منوعة كانت تُنشر بقلمه بدون توقيع.
وفي صيف عام 1964 استقال الدكتور السمرة من عمله في «العربي» وعين أستاذاً مساعداً للأدب العربي في الجامعة الأردنية. وفي شهر تشرين الأول (أكتوبر) من عام 1966 رقي إلى درجة أستاذ للنقد والبلاغة في الجامعة الأردنية، وفي العام نفسه انتخب عضواً في مجلس الجامعة، وفي شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1967 عين وكيلاً لكلية الآداب في الجامعة الأردنية وما زال فيها على رأس عمله [التحرير: سوف يشغل السمرة عمادة كلية الآداب في الجامعة الأردنية خلال السنوات 1968-1973، ونائباً لرئيس الجامعة الأردنية 1973-1989، ثمّ وزيراً للثقافة في وزارة عبد السلام المجالي 1993، وكذلك في وزارة الشريف زيد بن شاكر، 1991 ـ 1993].
من الكتّاب العرب الذين تأثر بهم الدكتور السمرة، عندما كان يطلب العلم في الكلية العربية ببيت المقدس، الكاتب العربي الساخر إبراهيم عبد القادر المازني. ومن الكتّاب البريطانيين الذين تأثر بهم: رينيه ويليك في النقد، همنغواي في الرواية، تشيخوف في القصة القصيرة، وليام بليك في الشعر.
ونشر الدكتور السمرة عشرات المقالات  في كبريات المجلات العربية، وأول مقال نشره في مجلة «القلم الجديد» بعنوان «المأساة في الأدب الحديث»، وأول مقال نشره في مجلة «الأديب» قصة فلسطينية بعنوان «أقوى من الحب» وهذه القصة اختارها نفر من الأساتذة الأردنيين الذين تولوا تأليف كتب القراءة العربية للمعاهد التابعة لوزارة التربية والتعليم الأردنية، كما نشر مقالات في مجلة «العربي» ومجلة Middle East Forum.
وبالإضافة إلى المقالات والفصول النثرية التي دبجتها يراعة الدكتور السمرة، فقد قرض الشعر منذ كان طالباً في ثانوية حيفا، لكنه هجر النظم بعد عودته من لندن إلى أرض الوطن، وأمنية هذا المفكر الأديب أن يسعفه الوقت بفراغ ليعبر عما بنفسه في قصص تكون في مستوى فهمه لفن القصة.
من آثاره القلمية: كتب الدكتور السمرة عشرات المقالات في النقد والأدب والقصة، وأسفر الجهد الذي بذله في دنيا القلم عن تزويد الخزانة العربية بالمؤلفات والمطبوعات التالية: (1) مقالات في النقد الأدبي، طبع عام 1959؛ (2) القصة السيكولوجية، طبع عام 1960؛ (3) هنري جيمس، طبع عام 1962؛ (4) إرنست همنغواي، طبع عام 1962؛ (5) روائع التراجيديا، طبع عام 1964؛ (6) فن المسرحية، طبع عام 1965؛ (7) القاضي الجرجاني، طبع عام 1966.
ومن آثاره تحت الطباعة: (1) غريبون في بلادنا، (2) أدباء الجيل الغاضب، (3) قضايا نقدية.
والشعارات التي يحملها الدكتور السمرة في حياته تتلخص في هذه الكلمات:
ـ غناك في نفسك، وقيمتك في عملك،
ـ أعظم شيء في الدنيا هو الفكر، فهو الذي يستطيع أن يبتكر وينتج ما تعجز عنه كل المعدات والآلات الحاسبة مجتمعة، وحتى هذه ليست سوى نتاج من أنتجة الفكر الإنساني.
نموذج من نثره:
«في الرابع من كانون الثاني (يناير) 1960، توفي الكاتب الإنساني ألبير كامو، عندما اصطدمت سيارته بشجرة، وهو في طريقه إلى باريس، وبهذا صمت إلى الأبد الصوت الذي عبر عن قلق عصره أصدق تعبير.
ويبدو لي أن كامو هو واحد من أولئك المفكرين من أمثال تين وهربرت سبنسر الذين خلقوا لعصرهم، ومثل هؤلاء المفكرين عادة هم أكثر المفكرين تأثيراً في مجتمعاتهم. وهذا هو السبب في أن كتابات كامو تركت دوياً، واستحقت تقديراً، لأنها عكست روح العصر، وعبرت عنه. حتى ليذهب النقاد إلى أنه أكثر كاتب، بعد مالرو، يقبل الفرنسيون على كتاباته. وهذا هو السبب أيضاً في أن الجدل الذي دار حول انتاج كامو، والنقد الذي كتب عنه، يفوق ما كتب عن أي كاتب معاصر، حتى ليفوق ما كتب عن ت. س. إليوت.
لقد كان كامو متديناً دون دين، وسياسياً دون حزب (فقد ترك الشيوعية)، وفيلسوفاً دون فلسفة موضوعة (فقد انفصل عن الوجودية)، وكان مؤمناً عمق الإيمان بالإنسان الفرد وبالإنسانية، وبضرورة الكفاح من أجل العدالة والحرية. وكان مؤمناً منذ كتابه الأول، بأن مهمته في الحياة هي ألا يعيش في الخداع، وأن يجعل من نفسه الصوت الناطق باسم الإنسان المضطهد المظلوم. وأول خطوة يجب أن يخطوها الإنسان لتحقيق هذا المثل، في رأيه، هي أن يبدأ بنفسه، فيقول: إن أكثر معركة يجب أن يخوضها الإنسان، هي معركته مع نفسه.. معركة ينتصر فيها حب العدالة على شهوة الحقد، وتستسلم فيها الكراهية والعنف والتعصب الأعمى، لكل ما هو نبيل في الإنسان».
من أجل هذه الدعوة، ومن أجل الإنتاج الأدبي الرائع الذي صاغ فيه هذه المعاني، ودعا إليها بحرارة، نال جائزة نوبل للآداب. ونجد هذه المعاني كلها في إنتاجه كله.

مجلة «الأديب»، العدد 4، نيسان (أبريل) 1968

«أبو نظارة» الملثم

قبل أن يستقر الأديب والمؤرخ الأردني يعقوب العودات (1909 ـ 1971) على لقب « »، كان قد استخدم العديد من الأسماء المستعارة: «أبو ورجة»، «حماد البدوي»، «أبو نظارة»، «نوّاف»، «فتى مؤاب»، و»فتى البادية»… وفي سنة 1932، كما يروي بنفسه: «كنت أتنزه بمفردي على طريق السيل في مسقط رأسي، فلمحت بدوياً ملثماً على ظهر ناقة تسير به خبباً، والمحجن في يده ، فطربت لمنظر هذا البدوي الرائع وعزمت من توي على أن يكون هو توقيعي المستعار».
وعبر سلسلة مقالاته، التي اعتاد على نشرها في مجلة «الأديب» اللبنانية خصوصاً، خلال ستينيات القرن الماضي، يدين القارئ العربي لهذا بفضل تعريفه على عشرات الأعلام العرب، والفلسطينيين بصفة خاصة: من الحاج محمد أمين الحسيني وفارس الخوري وأحمد شاكر الكرمي وبندلي صليبا الجوزي وخليل السكاكيني وروحي الخالدي، إلى إبراهيم طوقان ومعين بسيسو وغسان كنفاني وجبرا إبراهيم جبرا وأنيس الصايغ… وتلك عروض لم تكن تكتفي بتلخيص حياة العَلَم «المترجم له»، حسب تعبيره، بل تقتبس شيئاً من كتاباته، ولا تعفّ عن اقتراح تثمين نقدي عام بين حين وآخر.
ولد العودات في الكرك، ودرّس نفسه بنفسه بعد أن رحل والده واضطرّ إلى العمل مبكراً لإعالة الأسرة. وكان تنقّله بين مهن مختلفة، ومدن عديدة، بين الأردن وفلسطين، قد زوّده بذخيرة في تبصّر نماذج البشر، وكذلك في استجماع المعلومات وإجادة توظيفها. وله أعمال كثيرة، بينها في القصة: «عرس مأتم»، وألوان على طبق»؛ وفي النقد والأدب والتراجم: «القافلة المنسيّة»، «ديك الجنّ الحمصي»، «شاعر الطيّارة فوزي المعلوف»، «عرار شاعر الأردن»، «الغواني في شعر إبراهيم طوقان»، «عيسى إسكندر المعلوف.. المؤرّخ الموسوعي»، «رسائل إلى ولدي خالد»، «من أعلام الفكر والأدب في فلسطين»، «من روّاد أدبنا المعاصر»، «إسلام نابليون»، «فتح الله الصقّال: الرائد الإنساني الكبير»، «الناطقون بالضّاد في أمريكا الشمالية».

محمود السمرة وثراء النفس

البدوي الملثم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية