■ التعاطف الذي سجلته الصحافة ووسائل الاعلام، مع الرئيس السابق حسني مبارك، بعد ظهوره في الجلسة التي تسبق النطق بالحكم، وخطابه البليغ الذي القاه وهو يظهر بصحة وعافية، وقدرة على الخطابة لا ينقصها الحماس ولا الصوت الجهوري، لا ينفي وجود حقيقتين، يخرج بهما أي قارئ للمشهد السياسي، ومشهد المحاكمة، أولاهما انلهذا التعاطف ما يبرره، باعتبار انالرئيس المخلوع، توقف في خطابه الدفاعي، عند محطات في حياته لا أحد يجادل في صدقها، مثل دوره الفاعل في حرب اكتوبر، ومواقف أخرى جاء على ذكرها في السياق الوطني والعسكري تحسب له لا عليه. والحقيقة الثانية، التي تمضي بموازاة الحقيقة الأولى دون انتنفيها أو تتعارض معها، رغم انها تمثل جانبا سلبيا في دفاعه، مفادها انبلاغة اللغة وقوة الأداء وحسن صياغة الخطاب، لا تغطي الآثام التي ارتكبها نظامه، والتي كانت مبررا لتفجر ثورة 25 يناير وخروج الشعب في مختلف ميادين مصر يشتبك بقوى الامن المدججة بالسلاح، والمدعومة بالخبرة الطويلة في منازلة المتظاهرين، وذات الكثافة البشرية، بمختلف مؤسساتها السرية والعلنية التي تم استنفارها لحماية النظام، ولكن الشعب هو الآخر نهض مستنفرا كل قواه ليصنع إعصارا لا مجال لانيقف أمامه أي جهاز أمني، معبأ بأبخرة الغضب التي اكتنزها لعدة عقود، ثم انطلقت مصحوبة بلهب البراكين وحممها، حتى أطاحت بالنظام ورموزه، ونقلتهم في أيام قليلة من قصور الحكم، إلى زنازين السجون.
لم يولد هذا الغضب من فراغ ، ولكن من ممارسات وسياسات كارثية، وقصور فاضح في أداء الدولة وأداء الحكومة وأجهزتها، يتمثل في عدة محاور لعل أبرزها تزييف للانتخابات، في أغلب دورات البرلمان، الذي كان يتم بكثير من البجاحة والفجور، ودون اعتبار لكرامة المواطن وصوته ورأيه، ولم يكن هذا التزييف خافيا عن الشعب ولا عن الصحافة. وكان رسام الكاريكاتير الراحل حجازي قد اخترع شخصية امرأة تشرف على الانتخابات أسماها «نزيهة» ليجعل هذا الرسم متوافقا مع التعبير الحكومي «انتخابات نزيهة» ساخرا من حقيقة التزييف، والتزوير فيها، وأوردت قصة وفيلم عمارة يعقوبيان، شخصا معروفا في الحراك السياسي المصري، وهو يرسم شكل الأرنب لمن يريد من رجال الأعمال ضمان كرسي في البرلمان، ليستفيد من الحصانة الديبلوماسية في تهريب الأموال والسلع. ورسم الأرنب معناه ان ثمن الكرسي مليون، وقد يرسم أكثر من أرنب، إشارة إلى ان ثمن الكرسي، عدد من الملايين. ومحور الفساد الثاني هو تسيد طبقة رجال الأعمال، وما خالط هذا التسيد من فساد وإجرام، ضاقت به حتى أجهزة الدولة التي منحت صلاحيتها واختصاصاتها لبعض رجال الأعمال، مثل منح مجموعة من هؤلاء الرجال مسؤولية إدارة الانتخابات في آخر دورة من دورات مجلس شعب، ولعل لهؤلاء التجار الكبار ميزة ان خلقوا رواجا تجاريا وعمرانيا، ولكن حجم الفساد والسرقات والاستلاء على المال العام فاقت أية فوائد يمكن ان يجنيها الشعب من نشاطهم التجاري.
وتمثل مجموعة كلنا خالد سعيد استنفارا شبابيا وشعبيا لمواجهة فساد أكبر وأعظم في الجهاز الأمني الذي ارتكب، بحجة حماية النظام، من الفواحش والانتهاكات والجرائم ما غطى على كل ما تقوم به العناصر الشريفة في الأمن من حماية للمجتمع ضد العصابات والمتطرفين وأهل الإرهاب الإسلامي السياسي. والشهيد خالد سعيد، الذي مات تعذيبا، تحت أيدي الشرطة، مثل أوج هذه الانتهاكات التي استفزت الضمير الإنساني في مصر وفي العالم أجمع.
انه قصور في الإداء، ويذكر له ان سجله في انتهاك حقوق الإنسان لم يكن اطلاقا يصل إلى واحد من مئة من سجل حكام عرب كانوا مجايلين له من بينهم بن علي والقذافي، وقد سقط أحدهما قبله بعدة أيام، هو زين العابدين بن علي، وسقط الثاني وهو القذافي قتيلا بعده بأيام.
ومقارنة بهما وبطغاة عرب رحلوا قبلهما مثل الأسد وصدام والنميري، فان سجل حسني مبارك يخلو تماما من جرائم اغتيال المعارضين التي كان يفاخر الطغاة الآخرون بارتكابها، ماعدا حالة أو حالتين لم يثبت انه كان وراءهما، إحداهما كانت اختفاء واغتيال رضا هلال، بينما بلغ رقم الضحايا الذين أمر طاغية ليبيا باغتيالهم أرقاما تصل إلى الآلاف في بلد قليل السكان أساسا جاء لحكمه ولم يكن تعداده يصل إلى ثلاثة ملايين نسمة.
وشخصيا كنت استطيع لو وصل إلى المحاكمة ان أرفع ضده قضية بالقتل العمد لثلاثة من عائلتي، وخمسة من أصدقائي أذكرهم لأن كل متابع للشأن الليبي يعرفهم ويعرف الظرف الذي اغتالهم فيه الحاكم الليبي، يعرف هذا المتابع ان صديقا وزميلا في الصحافة والإعلام هو محمد مصطفى رمضان طاله رصاص الغدر في المركز الإسلامي بمدينة لندن وهو يخرج من صلاة الجمعة، وطال الرصاص نفسه صديقي الأعز الكاتب والمحامي محمود نافع في مكتبه في العاصمة البريطانية نفسها.
أما الصديق الناشط السياسي عامر الدغيس فقد أخذ من بيته للتحقيق وأعادوه في اليوم التالي قتيلا برصاص الغدر في طرابلس، وصديقي وزميلي في صحيفة (الاسبوع الثقافي) محمد سليمان القائد، تمت تصفيته مع ضحايا المجزرة التي طالت الفا ومئتين وتسعة وخمسين شهيدا، قتلوا في لحظة واحدة في ساحة سجن أبو سليم، عن طريق كتيبة حرس القيادة، ثم صديق خامس صحافي معروف هو محمد هلال، الذي بلغ بهم الأجرام، ان أقفلوا عليه الزنزانة بالإسمنت وتركوه يلاقي مصيره موتا فيها، كما قال بذلك شهود السجن. وكانت حركة «كفاية» المصرية رسالة واضحة للنظام انه استنفد عمره الافتراضي وان سياسة التأبيد في الحكم التي تنجم عنها المفاسد، وتنبت مناخا لظهور الفاسدين، يجب ان تنتهي، باتجاه انتخابات رئاسية حرة نزيهة.
ولكن النظام بدل ان ينصت لهذه النواقيس التي تحذر وتنذر تمادى في غيه وفي استهزائه بأصوات المعارضين، وجعل من توريث منصب الرئيس إلى الابن جمال مبارك، حقيقة من حقائق الواقع السياسي. وهو لا يقول الحقيقة عندما ينكر في خطابه في المحكمة انه لم يكن يسعى إلى توريث ابنه، فقد نشأ حراك سياسي في أعلى مراتب السلطة، يدير البلاد بهذا الاتجاه، وكأن الشعب قطيع يسلمه الأب لابنه، أو مزرعة من مزارع رقيق الأرض يورثها الابن بمن عليها من بشر عند غياب الأب.
٭ كاتب ليبي
د. أحمد إبراهيم الفقيه