إن نشر قاذفات روسية في المطار الإيراني العسكري همدان وتنفيذ طلعات يومية من هناك نحو اهداف في سوريا هو حدث تأسيسي في التاريخ الإيراني. فلم يسبق أن سمحت إيران أبدا بمرابطة قوات أجنبية على أراضيها. وتعكس هذه الخطوة عمق فشل نظام آيات الله في الحاق الهزيمة بمعارضي الأسد في سوريا دون مساعدة روسية وقيود القدرة الروسية لحسم الحرب حتى الان. ونحن نجلس على حدود مناطق القتال ونحتك بها.
ان فهم الخطوات الروسية يستدعي عودة إلى اتفاق مولوتوف ـ ريبنتروف في آب 1939، قبل اسبوع من اندلاع الحرب العالمية الثانية. وكان للاتفاق قسمان: الاول ـ اتفاق عدم اعتداء بين القوتين العظميين ـ وكان علنيا؛ والثاني، السري، يتضمن تسوية لتقسيم وسط أوروبا إلى مناطق نفوذ بين الاتحاد السوفييتي والمانيا. في الخطوة الاولى غزا الجيش الاحمر والفرمخت الالماني بولندا، اضعوها بسرعة، أجروا مسيرة انتصار مشتركة والغوا استقلالها. وبعد عشرة اشهر من ذلك الغي وجود ثلاث دول ـ استونيا، ليتوانيا وليتا ـ وقانون سوفييتي قضى بأنها لم تكن موجودة على الاطلاق. الوقود الذي وفره الاتحاد السوفييتي للجيش الالماني سمح له باستكمال احتلال غرب اوروبا. رئيس وزراء بريطانيا، تشرتشل، قدر في حينه في خطاب في البرلمان بأن سقوط بريطانيا في ايدي النازيين هو امكانية واقعية. ولولم يخطئ هتلر ويفتح الحرب ضد الاتحاد السوفييتي في 1941 لكان ممكنا ان يكون انتصر في الحرب العالمية.
بعد عشرات السنين من انتهاء الحرب كان محظورا في روسيا ذكر الاتفاق. وفقط في العام 1989 اتخذ مؤتمر خاص عقد هناك قرارا بشجب الاتفاق، ولكن هذا بقي سرا ولم ينشر إلا في 1992. ثمة أهمية خاصة لموقف الرئيس الروسي من الاتفاق: في 2008 شجبه بوتين في لقاء أجراه مع ثلاثة رؤساء بلدان البلطيق، قال فيه ان الاتفاق لم يعكس موقف الشعب الروسي وكان «ليس أكثر من موضوع خاص بين ستالين وهتلر».
غير الرئيس الروسي رأيه قبل سنتين ـ حين برر تصفية استقلال بولندا بدعوى انها كانت جديرة بالعقاب على افعالها. والعقاب الذي تم اختياره ـ الموت السياسي. في المؤتمر الصحافي الذي عقده مع المستشارة الالمانية ميركل قبل نحو سنة، استكمل بوتين مسيرة اعادة الاعتبار لاتفاق مولوتوف ـ ريبنتروف بقوله ان الجهد الروسي لاقامة جبهة موحدة ضد المانيا فشلت في الثلاثينيات. ولهذا فقد كان الاتفاق منطقيا «لضمان أمن الاتحاد السوفييتي».
ان مبادئ اتفاق مولوتوف ـ ريبنتروف حية ترزق اليوم ايضا، وكذا طرق العمل الروسية اياها. فالخطوات الروسية الأخيرة في الشرق الاوسط تتضمن رفعا مستمرا للحاجة إلى ضمان «مناطق نفوذ»، وتأكيد السيطرة في مجالات جغرافية وسلطوية. عمليا، تريد روسيا تجديد الوضع الذي كان قائما حتى 1973، حيث كان لها نفوذ كبير في العراق، في سوريا، في ليبيا وفي حركات تحرر مختلفة، بما فيها الفلسطينيين. وهو يريد أن يعود لان يكون مورد سلاح كبير لدول أساس في المنطقة، وخلق وضع يكون فيه صوت سياسي يجب مراعاته في كل موضوع أو نزاع في الشرق الاوسط.
بوتين هو فنان نادر في استخدام كل رافعات القتال الاستخباري ـ الدهاء، الخداع الاستراتيجي، التضليل والاستخدام المتوازي للعلني والخفي. حتى الان كانت نجاحاته اكبر من اخفاقاته. ليس صعبا ان نفهم ما هي مصالحه الأمنية في منطقتنا وكيف يعمل على ضمانها. معروف أقل للجمهور كيف تحفظ المصلحة الأمنية لإسرائيل في غداة انتشار طائرات توبولوف في همدان الإيرانية. مرغوب فيه إلا نتفاجأ.
أفرايم هليفي
يديعوت 18/8/2016
صحف عبرية