مخاوف المحافظين المتشددين ورد الاعتبار

حجم الخط
0

رغم إقصاء مجلس صيانة الدستور الذي يسيطر عليه المحافظون المتشددون للكثير من الإصلاحيين، ومنعهم من الترشح في الانتخابات البرلمانية (مجلس الشورى الإسلامي) ومجلس الخبراء (الذي يَنتخب حسب المادة 107 من الدستور المرشدَ الأعلى للثورة، ويحق للمجلس حسب المادة 111 من الدستور نفسه خلعه إذا ثبت عجزه عن أداء واجباته أو فقد مؤهلا من مؤهلات اختياره) إلا أن الانتخابات التي جرت في السادس والعشرين من شباط/فبرايرالماضي أظهرت مدى تدني شعبية المحافظين المتشددين الرافضين لأي انفتاح على المجتمع الدولي وللاتفاق النووي الذي توصلت إليه حكومة حسن روحاني مع مجموعة 1+5 العام الماضي.
والنتائج النهائية لأول انتخابات تجري بعد الاتفاق النووي الذي وقعته إيران مع المجتمع الدولي في تموز/يوليو الماضي، أظهرت فوز قائمة «الأمل» التي تضم المعتدلين بمن فيهم الإصلاحيون والمستقلون والمحافظون المعتدلون والذين يدعمون الرئيس حسن روحاني صاحب النهج البراغماتي بغالبية المقاعد في المجلسين الشورى والخبراء. الأمر الذي عكس توجه الناخب الإيراني للتخلص من هيمنة المحافظين على المجلس التشريعي ومجلس الخبراء، ودعم حكومة روحاني المعتدلة للمضي قدما في تحسين الأوضاع الاقتصادية والانفتاح على المجتمع الدولي.

مشاركة المرأة

ولوحظ في الانتخابات التي جرت الأسبوع الماضي المشاركة الواسعة للنساء. حيث حطمن الرقم القياسي للمشاركة النسائية وتمكنت 14 مرشحة من الفوز في المنافسة مقارنة بالانتخابات النيابية السابقة. ونظرا لأن مصير 60 مقعدا سيحسم في الدور الثاني المقرر إجراؤه أيار/مايو المقبل، فمن المحتمل أن نشهد وصول المزيد من النساء للمجلس.
الدستور الإيراني يمنع المرأة من المشاركة في انتخابات مجلس الخبراء، إلا أن النتائج الحالية تعكس مدى تغير نظرة المجتمع الذي يوصف عادة بالمحافظ تجاه المرأة ومشاركتها الفاعلة في المجتمع. ويأتي هذا في الوقت الذي كان البرلمان السابق يصدر قرارات يعتبرها المجتمع ظالمة من بينها منع سفر المرأة دون سن الأربعين من دون موافقة ولي أمرها.

تطلعات المجتمع

الشباب دون سن الثلاثين يشكلون 60 في المئة من المجتمع الإيراني، وهذه الفئة العمرية كانت ولا تزال المشاركة الأوسع في التصويت في المنافسة الانتخابية، وتميل نسبة كبيرة منهم لمعسكر المعتدلين. ويتطلع الشباب لتحسين الظروف الاقتصادية السيئة أساسا بفعل العقوبات التي فرضت على بلادهم والعزلة الدولية بسبب برنامجها النووي وسياسات حكومة الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد في إدارة شؤون البلاد اقتصاديا.
ورغم أن الشباب غير متواجدين أصلاً في مراكز صنع القرار، وهم غائبون عن المجلسين، إلا أن هذه الفئة تطمح من خلال التصويت على من يتبنى حل مشاكلهم، كتحسين أوضاع البلاد الاقتصادية وكسب المزيد من الحريات الاجتماعية في ظل سيطرة المحافظين والحرس الثوري على أغلب مؤسسات الدولة الرئيسية.
فقد سعى حسن روحاني منذ توليه رئاسة البلاد في عام 2013 لتحسين الأوضاع الاقتصادية للمواطنين، ولهذا كان عليه التوصل لاتفاق مع المجتمع الدولي ينهي الأزمة النووية التي بسببها فرض مجلس الأمن عقوبات دولية كان لها الأثر السلبي على الاقتصاد وعلاقات إيران بالمتجمع الدولي. التشكيلة المتوقعة لمجلس الشورى المقبل ستكون مقربة من روحاني والمعتدلين إذا ما تحالف مع النواب المستقلين ونواب الأقليات الدينية لكي يشكل بها أغلبية برلمانية؛ الأمر الذي يتطلب دخول منافسة محتدمة مع المحافظين المتشددين والمدعومين من الحرس الثوري والمؤسسات الدينية. فروحاني كان مضطرا للدخول دائما في مواجهة مع المحافظين الذين كانوا يشكلون الغالبية في البرلمان السابق حتى من أجل التصديق على بعض وزرائه، ناهيك عن التهديدات المستمرة باستجواب الوزراء أو طرح الثقة فيهم.
ومنذ 2013 حاول روحاني جاهداً الحد من هيمنة الحرس الثوري على الشريان الاقتصادي ما أدخله في صراع مع مجلس الشورى في دورته السابقة الذي كان يسيطر عليه المحافظون المتشددون.
ومنذ فوزه في الانتخابات الرئاسية في 2013 والدخول في مفاوضات مع المجتمع الدولي لحل الأزمة النووية، والمحافظون لا يترددون في فتح جبهات جديدة ضد حكومته للإخلال ببرامجه وخططه التنموية والاقتصادية. ومع دخول كبرى الشركات العالمية للإستثمار في البلاد وإبرام صفقات تجارية ضخمة مع الدول الغربية فإيران ستُقبل في الفترة المقبلة على انفتاح أكبر غير مسبوق على الخارج، خصوصا وأن المجتمع بات مستعدا لهذا الانفتاح.
ويراهن روحاني على هذا الإنجاز الكبير لكي يقلب موازين القوى لصالح الإصلاحيين والمعتدلين، خصوصا في مجلس الشورى. ومن شأن ذلك أن يساعده في تمرير تشريعات وقرارات برلمانية من شأنها جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية في البلاد، وعلى إرساء سياسة إصلاحات اقتصادية واجتماعية قبل انتهاء ولايته الأولى في عام 2017.
فبالنظر لتركيبة المجتمع الإيراني سنلاحظ حدوث تغير جذري وكبير فيه، فالشباب يشكلون نسبة كبيرة من المجتمع وهم الأكثر تواصلا مع العالم الخارجي كغيرهم من نُظرائهم حول العالم في ظل انتشار وسائل الاتصال كالانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي التي ستوفر الأرضية الملائمة لهذا الانفتاح على الآخر بشكل لا يمكن تجاهله أو منعه.
وهذا ما يخيف المحافظين المتشددين. فخلال السنوات العشر الماضية، أي منذ تولي محمود أحمدي نجاد رئاسة البلاد في 2005 حتى الآن، والمحافظون المتشددون يسعون من خلال سيطرتهم على البرلمان السابق والسلطة القضائية إلى فرض المزيد من القيود على الحريات، ومن بينها الحريات الاجتماعية، وسعوا من خلال إصدار تشريعات برلمانية أو مطالبات قضائية لإجبار حكومة روحاني للامتثال لمطالبهم في حظر شبكات التواصل الاجتماعي بحجة نشرها للمفاسد الأخلاقية.

هل سيرد المحافظون الاعتبار لأنفسهم؟

من المعروف أن المحافظين المتشددين يلقون دعما لا متناه من المؤسسات الدينية والحرس الثوري بشقيه الأمني والاقتصادي، كما أنهم يمتلكون ترسانة مخيفة من وسائل الإعلام كالصحف ووكالات الأنباء والمواقع الإخبارية، ودعما من هيئة التلفزيون والإذاعة الوطنية، وبمجرد متابعة ما تنشره وسائل الإعلام تلك يوميا سنرى مدى حجم الهجوم المتواصل الذي يتعرض له المعتدلون وموالوهم بمن فيهم الإصلاحيون.
فوسائل الإعلام هذه تستهدف الفئات المحافظة في المجتمع دائما لتحريك مشاعرها، مستعينة بالمعتقدات الطائفية أو القومية أو المتعلقة بالفكر العقائدي الثوري للجمهورية الإسلامية في محاربة الغرب لتحريك أنصارها في مواجهة منتقديهم.
بالإضافة إلى هذه الأساليب، يمتلك المحافظون أيضاً القدرة على تحريك أنصارهم ممن يوصفون بالقوى الخارجة عن السيطرة، والتي يستخدمها المحافظون المتشددون كورقة ضغط ضد معارضيهم ولشغل الرأي العام المحلي ببعض القضايا من أجل تبرير أهدافهم، والتي كان آخرها الهجوم الذي تعرضت له البعثة الدبلوماسية السعودية في مدينتي طهران ومشهد مطلع العام الجاري والذي تسبب في قطع العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران على خلفية إعدام المملكة رجل الدين الشيعي نمر باقر النمر.
ومن المرجح أن يستخدم المحافظون المتشددون تلك الأساليب إذا ما خسروا سيطرتهم على المجلسين من أجل خلط الأوراق وخلق المزيد من المشاكل لحكومة روحاني. فعلى سبيل المثال وخلال جولات فريق المفاوضين الإيرانيين مع مجموعة 1+5 حاول المحافظون المتشددون التأثير بشكل سلبي على المفاوضات من خلال الاتهام المتكرر لوزير الخارجية محمد جواد ظريف بالخيانة أو استجوابه مرارا في مجلس الشورى، كما أنهم حشدوا أكبر عدد من أنصارهم المعارضين لأي تقارب مع الغرب في إقامة مسيرات شبه يومية ضد المفاوضات، وكان يشار إليهم بظاهرة «القلقون على مصير الثورة» أو «دلواپسان».

روحاني وتحديات الانفتاح

منذ اندلاع الأزمة الدبلوماسية مع السعودية وقيام الأخيرة بقطع علاقاتها مع إيران، وعلى إثره قامت بعض الدول الخليجية بقطع العلاقات أو خفض التمثيل الدبلوماسي، سعى روحاني جاهدا لإعادة فتح قنوات للحوار مع العالم العربي وبالأخص دول مجلس التعاون، مع إلتزام القليل من التحفظ على الأقل أمام الرأي العام الداخلي الذي لا يزال المحافظون المتشددون يشحنونه ضد أي شيء يتعلق بالسعودية.
ومع سيطرة المعتدلين على المجلسين سيتمكن روحاني من خفض مستوى الضغوط التي كانت تمارس عليه من قبل المحافظين المتشددين في مجلس الشورى في دورته السابقة في كل ما كان يتعلق بالعلاقات الخارجية آن ذلك، لهذا بات من الطبيعي أن يمهد هذا الطريق أمام روحاني لتحسين العلاقات مع دول المنطقة، خصوصا وأن المنطقة تعاني من أزمات طاحنة من أبرزها الأزمة السورية والعراقية واليمنية.
توصل إيران للإتفاق النووي مع القوى العظمى ورفع العقوبات الدولية عليها مهد الطريق أمام روحاني لتحسين علاقات بلاده مع المجتمع الدولي، وفتح خطوطا اقتصادية مع العالم لجذب الكثير من الاستثمارات. ووجود برلمان معتدل سيعزز جهود الرئيس الإيراني في التواصل مع المجتمع الدولي ورسم صورة مختلفة عن إيران إبان فترة أحمدي نجاد، كما يرغب روحاني في إعادة العلاقات الدبلوماسية المقطوعة مع السعودية وإزالة العقبات من أجل لعب دور فاعل في المنطقة وحل الكثير من الأزمات التي باتت تهدد دولها.

فاضل مُندني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية