مختلون عقليا في واجهة الفضاء العربي… وبرامج ومطربات يحثون على الإرهاب

بينما أستعد لكتابة المقال الأسبوعي، وعلى مسافة 24 ساعة من زيارة لمطار بروكسل أودع فيها أصدقاء يغادرون إلى فلسطين، تهزني الأخبار بانفجارات بروكسل، ولأن الحدث الآن لحظة كتابة هذه السطور لا يزال ساخنا والأخبار لا تزال تتوارد تباعا… فإنني سأتحدث عن فكرة حلقت فورا أمامي، وأنا أتابع نشرات الأخبار والـ»تويتر» ووكالات الأنباء، تتعلق بالإعلام العربي وفضائه المشغول بلزوميات ما لا يلزم، والتي بلا أدنى تردد، تتحمل مسوؤلية تفريخ الإرهابيين في مجتمعات ذات خصوبة عالية لاستنبات التطرف، ولا نتحدث هنا عن إعلام ديني متطرف يوجه رسائل مباشرة، بل عن إعلام متواطىء بصمته وسكوته عن معالجة هذا التطرف من خلال ترسيخ ثقافة إنسانية حقيقية بدلا من ثقافة ترفيه مشوهة ومقلدة لا ترقى إلى مستوى صناعة الترفيه حتى.
أفكار كثيرة تتوارد الآن في بالي، وأنا الذي كنت أستعد لكتابة مقال ساخر، يتحدث عن منتجات الفضاء العربي خلال أسبوع، لأجدني أرى في النقاط والأفكار التي أعددت لها ما يليق من سخرية، جزءا من مصيبتنا كمصدر للتطرف والإرهاب.

أحلام والإرهاب والفراشة

ما علاقة فنانة مثل أحلام مثلا بالإرهاب؟ سؤال بعيد عن التهكم والسخرية، أو حتى الإساءة المتعمدة لأحلام، وهي أصلا تسيء لذاتها بدون وسائط.
ببساطة، حين يصبح الإعلام العربي، والفضائي تحديدا، يعمل على قواعد ترف إنتاجي ضخم في برامج ترسخ عالما افتراضيا بعيدا عن واقع هموم المواطن العربي، فإن النتيجة ستكون في حاصل فرق تلك الهوة المتسعة، وتعني انعزالا لعدد أكبر من المتلقين، حيث يتجهون إلى أسهل بدائل تبرر لهم قهرهم ويأسهم.
لطالما تحدثنا عن ضرورة وجود إعلام ذكي، قادر على الوصول إلى عقل ووجدان المواطن العربي الغارق في غيبوبة القهر من الواقع، والحلم اليائس من غد أفضل، وطبعا هذا مرده بيئة دول قمعية ومحيط من الفساد السياسي والاقتصادي يحيط به.
تحت كل هذا القهر، وكل هذه التساؤلات العميقة والوجودية، يغرق الفضاء العربي ببرامج مترفة الإنتاج مثل برنامج أحلام الأخير، والذي تم إيقافه بعد أن فاق حتى توقعات منتجيه بحجم الغطرسة فيه، مما شكل مانعا لاستمراره، وهو ما يؤكد مرة أخرى أن وضع مختلين عقليا في واجهة الفضاء العربي لم يعد ترفيها بقدر ما هو تخريب متعمد، وإرهاب يستهدف الذوق العام.
ما هي القيمة المضافة مثلا، لوضع فنانة عادية جدا، على عرش ملكي، بديكور بالغ التكلف، ومتسابقين من شباب لديهم فراغ قاتل وخواء مدمر، مهووسين مرضيا بتلك الفنانة، التي لا تقل هوسا بذاتها المتضخمة بفعل الإعلام نفسه، وهو تضخم لا أسس فنية حقيقية له، فقط فقاعات الفضاء العربي لا أكثر، حتى أن طبيبا نفسيا أردنيا تحدث عن الحالة النفسية لأحلام بقوله: «دون أدنى شك فان أحلام أظهرت (دون الحاجة إلى فحص طبي مباشر) مزيجا غير صحي من سمات الشخصية النرجسية والشخصية الهستيرية»!
طيب، ما أثر ذلك على المشاهد المقهور؟ وأي علاقة لذلك بالإرهاب؟
هذا هو أثر الفراشة الذي لا يرى… هو بالضبط.

شواذ وعديمو الثقافة يديرون البرامج

فتعبئة ساعات البث الفضائي بهراء محض، وتضخيم هذا الخواء بديكورات باهظة الترف، يعني ببساطة تغييبا للوعي، وإمعانا في عملية محو المعرفة بعد عقود طويلة من جهود محو الأمية في العالم العربي.
حين، مثلا، أعرف عن طريق أصدقاء مشتركين، أن إعلاميا وقامة معرفية عالية مثل مروان صواف، يكاد لا يجد ساعة بث فضائية في محطات متوسطة، بينما أحلام ومحمد سعد وهيفاء وهبي يتم نثر الملايين حول سخافات يقدمونها برعايات ضخمة من مشايخ وأمراء، وأنا من جيل يتذكر كيف تحصن بوعي، ساهمت برامج مروان صواف في تشكيله، سواء بقراءاته السينمائية أو بتنميته لذائقتنا الموسيقية عبر اختيارات تفتحت عليها آذاننا لأول مرة عبر برنامجه «إذا غنى القمر» وقراءاته لتلك المقطوعات والمختارات، سواء في السينما أو المسرح العالمي أو موسيقى أو حتى فنون تشكيلية كان يفك لنا طلاسمها بسلاسة وتشويق ومتعة.
نعم..هذا مثال بسيط ومكثف يمكن القياس عليه بسهولة، يوحي كيف ساهمت الفضائيات العربية عموما بتشويه الوعي ومسخه، ليتشكل الفراغ الكافي لعتمة الجهل.

ما الذي يحصل في التلفزيونات العربية؟

وفي الحديث عن مبدعي الزمن الجميل، فإنني شعرت بفرح لأني تلقيت رسالة مودة من مخرج وممثل أردني عربي معتق بالمعرفة، وهو حسن أبو شعيرة.
كان أول الوعي بالتلفزيون.. وكنت طفلا مبهورا بالبطولات والأبطال.. وأول الأبطال.. كان «علي الزيبق».. ولأنه أول الأبطال.. والبطولات، رسخ في الذاكرة وفي مكنونات العقل الباطن.. بطلا لا ينسى.
كانت الدراما أيامها.. مبهرة على بساطتها.. لكنها مشغولة بعناية نصية.. وأدائية. وكان علي الزيبق – بطلي حتى اليوم- وقد أداه ببراعة الأستاذ حسن أبو شعيرة.
وحتى اليوم – وبتصور طفولي لا يكبر مع الأيام – ما زالت مخيلتي تستقطب صورة حسن أبو شعيرة حين يدور حديث ما عن بطل شعبي يقف في وجه الظلم. تماما كما وقف الأستاذ حسن أبو شعيرة في وجه هاني الروماني.. وبرومانسية شقية وجميلة أمام منى واصف. بعدها بسنوات كثيرة.
كان في دور «قطز» القائد المملوكي الشهير في مسلسل عن الظاهر بيبرس. ورغم أن المسلسل عن بيبرس، ورغم الأداء الجميل لزهير النوباني في الشخصية الرئيسة.. إلا أن بطل طفولتي..الزيبق، استطاع مرة أخرى أن يكون البطل الأوحد «قطز».
ولليوم.. لا أقرأ عن الأمير «قطز» إلا وأتخيل حسن أبو شعيرة.
كتبت الكلمات ذاتها أعلاه كتهنئة في عيد ميلاد الفنان الكبير، ليرد علي بوجع الكلمات، ردا غمرني بمودته، وأوجعني بصدقه عن مآل الفنان العربي الجاد، والملتزم، في زمن التفكك البنيوي للفنون، وصناعة ترفيه مشوهة غير قادرة على ترك أثر حقيقي خلفها، يقول فيه أبو شعيرة ضمن ما يقول: «.. لكن للأسف فإن هناك فوضى مهنية في أكثر مواقع الانتاج الدرامي والإعلامي وما عدت أشعر بذاك الأمن المهني، الذي كنت أتمنى أن أراه وألمسه في مجتمعنا الدرامي والإعلامي، ولَك ان تتخيل يا صديقي مالك أن نموذجك الفنان الزيبق وقطز الذي تحبه وتعتز به وتتغزل فيه يقيمه كممثل أو كمخرج حفنة ممن ليست لديهم القدرة على ذلك، أليست هذه كارثة مهنية بيئية قاتلة؟».

كاتب وإعلامي أردني يقيم في بروكسل

مالك العثامنة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية