لندن ـ «القدس العربي»: تحولت محاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها المخرج السوري المعارض للنظام محمد بايزيد إلى فضيحة بعد أن تبين أن القصة بأكملها مفبركة وعارية عن الصحة، كما اشتعلت شبكات التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام بالحديث عنها، في الوقت الذي أثارت هذه الفبركة غير المسبوقة الكثير من الأسئلة حول كيفية تعاطي وسائل الإعلام العربية مع الأحداث وعدم تحققها من صحة ما يصلها من أخبار.
وكان المخرج التلفزيوني الشاب محمد بايزيد الذي يقيم في الولايات المتحدة قد ادعى أنه تعرض لمحاولة اغتيال في أحد شوارع اسطنبول في تركيا، وذلك بعد فترة وجيزة من مقتل المعارضة السورية عروبة بركات وابنتها الصحافية حلا بركات في شقتهما في اسطنبول، وهو ما أثار حالة من الفزع والرعب في أوساط المعارضين السوريين في تركيا، حيث انهالت الاتهامات على النظام السوري بأنه يلاحق معارضيه في الخارج بعد أن أجهز عليهم في الداخل.
ما أثار الشكوك
وأصيب بايزيد بجراح من جراء طعنة سكين نُقل على إثرها إلى المستشفى في اسطنبول، وذلك مساء الثلاثاء العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي خلال زيارة له إلى تركيا، لكن المفاجأة أن بايزيد غادر تركيا في اليوم التالي فور خروجه من المستشفى ليتبين لاحقاً بأنه لم يتقدم بأي بلاغ للشرطة التركية بشأن محاولة اغتياله واكتفى بالإعلان عن محاولة الاغتيال عبر حسابه الشخصي على «فيسبوك» وبمساعدة من أصدقائه، وهو ما أثار الكثير من الشكوك حول الواقعة، حيث أنه كتب على حسابه انه في غيبوبة وأنه بحاجة لمتبرعين بالدم وزعم أن الذي كتب التدوينة هو أحد أصدقائه، ثم رفض التواصل مع الأمن التركي بما أثار مزيداً من الشك حول الواقعة.
وحسب الكثير من المتابعين في ذلك الحين، فان بايزيد كان قد زعم قبل سنوات أنه تم اعتقاله من قبل قوات النظام السوري، وأعلن عن الأمر بالطريقة نفسها، إذ زعم بأن جهاز الكمبيوتر الخاص به كان بحوزة أحد الأصدقاء والذي قام بدوره بالإعلان عن الحادثة من خلاله ومن خلال حسابه على «فيسبوك».
وفور الإعلان عن محاولة اغتيال بايزيد في تركيا الشهر الماضي انشغلت العديد من وسائل الإعلام العربية بتداول الخبر، وأفردت قناة «العربية» السعودية التي تبث من دبي مدة طويلة في تغطية الحادثة، فيما تدافعت العديد من وسائل الإعلام الإماراتية للحديث عنها أيضاً، في الوقت الذي قال فيه كثير من المعارضين السوريين المقيمين في تركيا أن حالة من الرعب دبت في أوساطهم في أعقاب إعلان بايزيد عن استهدافه، خاصة وأن الأخير كان في اسطنبول من أجل المشاركة في مؤتمر شبابي عربي يشارك فيه أيضاً عدد كبير من المعارضين والنشطاء السوريين.
تفاصيل الحادث
وفي التفاصيل التي نشرها بايزيد على صفحته على «فيسبوك» ثم قام بحذفها لاحقاً لأسباب غير معروفة، فان المصور السوري سلامة عبدو أعلن عن تعرض المخرج محمد بايزيد لمحاولة الاغتيال، وكتب المصور عبدو هذا الإعلان من صفحة المخرج بايزيد على «فيسبوك».
وقال عبدو في البوست الذي حذفه بايزيد لاحقاً: «قبل قليل تعرضتُ أنا وصديقي المخرج محمد بايزيد إلى محاولة اغتيال في اسطنبول، أصيب محمد بطعنة في منطقة الصدر اخترقت جسمه وخرجت من الطرف الآخر وقمت بإسعافه وهو الآن في غرفة الطوارئ. حضرت الشرطة التركية، وقمتُ بتزويدهم بتفاصيل الحادثة ومكانها ولا أستطيع أن أذكر تفاصيل أكثر الآن للضرورة الأمنية، أكتب هذا البوست من هاتف محمد».
كما طلب عبدو من أصدقائه عبر صفحته الرسمية على «فيسبوك» التبرع بالدم لبايزيد، مشددا على أن طلبه هذا يتعلق فقط بالأصدقاء الذين يعرفهم شخصياً.
كما عبرت زوجة بايزيد سماح صافي عن حزنها الشديد من محاولة اغتيال زوجها، وكتبت عبر صفحتها على «فيسبوك»: «الخبر على حساب حبيبي للأسف صحيح وقد تعرض للأسف لمحاولة اغتيال بالطعن في تركيا وهو الآن في المستشفى. أدعوا لأقوى الرجال الغالي روحي ونور عيني محمدي بالصبر والقوة والصحة والعافية والشفاء».
المحاولة المفبركة.. انكشفت
وبعد أسابيع قليلة تبين أن قصة محاولة الاغتيال برمتها كانت مفبركة، وأن عملية الطعن رغم أنها حدثت بحق إلا أنها كانت مرتبة سلفاً ومدبرة، وذلك حسب تسجيلات مسربة انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي وأحدثت ضجة واسعة في أوساط السوريين والعرب، لكن بايزيد عاد ورد على التسجيل معتبراً أنه ليس دليلا على كذبه وأن ما حدث له كان محاولة اغتيال بحق.
وأظهرت مقاطع فيديو انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي المخرج السوري محمد بايزيد وهو يتفق مع أحد الأشخاص على كيفية تنفيذ محاولة الاغتيال، بتفاصيل تتطابق مع ادّعاءات بايزيد ومرافقه سلامة عبدو، والتي نشرها على صفحته على «فيسبوك» أثناء سرده أحداث محاولة الاغتيال المزعومة.
أما الشخص الذي حاول بايزيد استمالته والاستعانة به فيُدعى محمد الهندي، وأراد بايزيد الاستعانة به في تخطيط وتنفيذ تمثيلية محاولة اغتياله، ولكنه قرر عرض الفيديوهات التي تُثبت استغلال بايزيد لتعاطف الجماهير مع الثورة السورية من أجل تحقيق مكاسب شخصية.
وتعرض الفيديوهات تسجيلات لمحادثات أُجريت خلال شهري أيار/مايو وحزيران/يونيو من العام الجاري، بين بايزيد الذي كان يتنقل بين الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية من جهة، ومحمد الهندي من جهة أخرى، لتنسيق محاولة اغتيال بايزيد، والتي يهدف بها، حسب قوله في إحدى المكالمات، إلى تمويل مشروع فيلمه الجديد «النفق».
وتشير إحدى المكالمات بين الهندي وبايزيد إلى نية الأخير تلفيق قصة إيذائه جسدياً من خلال أحد السيناريوهات المقترحة، والتي تتضمّن اختطاف بايزيد لفترة قصيرة، أو محاولة اغتياله إما بسلاح أبيض أو بسلاح ناري. يستقر القرار على السلاح الناري، والذي يقرر بايزيد أن يطلق عليه لفظ «كاميرا» للتمويه، ويقترح أن يتم شراؤه ونقله إلى إسطنبول من جنوب تركيا، حيث يسهل الحصول على سلاح ناري، من خلال شخص يستقل حافلة عامة، إذ لا توقف دوريات الشرطة الحافلات العامة.
بايزيد يرد
ورد بايزيد على الفيديوهات قائلاً إنها حديثة بعد الحادثة لصناعة فيلم شبيه بما حصل معي، وأضاف: «أكبر دليل على حداثة التسجيلات هو استخدامي لعبارة (الضرر الذي تعرضت له) وليس (الضرر الذي سأتعرض له)».
وتابع: «بعد الحادثة تواصل معي عدة أشخاص ليطلبوا مني سماع الأحداث وتحويلها إلى فيلم وثائقي أو درامي يساعدني في إيصال الرسالة التي أعمل عليها وجلبها لبقعة الاهتمام الإعلامي. أحد هؤلاء الأشخاص هو مدير إنتاج اسمه محمد الهندي، وتحدثنا طويلاً أنا والهندي حول تطوير هذه الفكرة وكيفية جعلها مؤثرة إعلامياً، وكل من يعرفني يعرف أنني أتحدث في السيناريوهات بصيغة المتحدث الذاتي وأتحدث باسم الشخصية لأنني أريد إعادة صناعة الحدث».
غضب واسع
وثارت موجة من الغضب على شبكات التواصل الاجتماعي في أعقاب ظهور التسجيلات المسربة التي تُظهر عملية الإعداد المسبق لمحاولة الاغتيال.
وكتب الناشط السوري والأكاديمي المعروف الدكتور يحيى حوى معلقاً على الموضوع: «أرجو أن لا يلومني أحد على حسن ظني طوال الوقت، فحسن الظن عندي هو أساس حياتي ولن أغير عادتي حتى لو اتهمني بعض الأحبة بالهبل.. ما عندي أي شي أقوله الآن غير: الله يسامحك يا بايزيد».
وأطلق نشطاء سوريون على «تويتر» الوسم (#أطالب_بمحاكمة_بايزيد) ودعوا إلى محاسبته على ما فعل، وتسببه بتخويف آلاف المعارضين السوريين المقيمين في تركيا، كما أطلقوا الوسم (#سقطت_ورقة_التوت) للحديث عن حقيقة محاولة الاغتيال المفبركة.
وكتب أحد المغردين: «يعني في وساخة إعلاميين.. بس زي اللي عملو محمد بايزيد بحياتي ما شفت». فيما علق الكاتب والشاعر ماهر شرف الدين بالقول: «مسرحية الاغتيال التي فبركها محمد بايزيد لنفسه.. تحوّلت إلى اغتيال حقيقي فعلاً!».
وكتبت مغردة أخرى: «والله أنا مستغربة انو الناس مستغربة من اللي عملو محمد بايزيد يعني واضح من أول يوم انو زلمة بيتسلق عالثورة».
وعلق الناشط ماجد عبد النور بتغريدة على «تويتر» قال فيها: «محمد بايزيد لو كانت محاولة اغتيالك وقتلك صحيحة لكانت أهون علينا مما فعلت.. ياللعار».