مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين في لبنان… يبحث عن هوية

حجم الخط
0

بيروت – سارة حطيط: ليس من السهل التنقل في مخيم شاتيلا، إحدى المخيمات الفلسطينية التي تقع جنوب العاصمة بيروت. الزواريب ضيقة، لا تصلها النور حتى في ضوء النهار. أبنية متلاصقة بعضها بعضا بنيت بشكل عشوائي. أسلاك كهربائية متداخلة ومتدلية فوق رؤوس المارة. مخيم يتسم بالفوضى والحرمان، جمع الفلسطينيين بعد النكبة وأضحى وطنا لهم، إلى حين العودة. لكن بعد مرور 69 عاما، يجمع السكان الأصليين على عبارة واحدة: «أهل المخيم، راحوا. الكل هون صار غربية».

إلى الشتات

من دون شك، كان من الصعب الوصول إلى من عايش زمن النكبة ولا يزال صامدا بين «دهاليز» المخيم. إلا إن هناك، بين الأزقة المهمشة، يسكن عبدالله طالب صالحاني. رجل تسعيني، يحمل ذكريات من فلسطين. «أنا من البصة، قضاء عكا، كنت أملك أرضا صغيرة وأستعد للخطوبة لكن أتوا إلينا وأجبرونا على الرحيل».
يقول صالحاني، قبل أن يسترجع ماضيا مبعثرا: «وقف فوزي القاوقجي، قائد جيش الإنقاذ إلى جانب شكيب وهاب، في وسط البصة. وبدأوا يبثون رسائل تخويف وترهيب بين أبناء البلدة طالبين من الجميع الخروج، وإلا الوضع سيصبح أسوأ مما هو عليه». يصمت للحظات، من ثم يتابع بصوت مرتفع: «جيوش تواطأت على فلسطين، باعت فلسطين. قالوا: إرحلوا لإسبوع واحد، فقط. رحلنا لسنوات طويلة، وأصبحت العودة حلما».
بعد فلسطين، توجه صالحاني إلى جنوب لبنان، حيث مكث ثلاث سنوات من ثم انتقل إلى مخيم شاتيلا عام 1951. «اجتمع الفلسطينيون في هذه البقعة، إتقنت مصلحة بناء المنازال، بعد أن كنت فلاحا في البصة. عمرنا هذا المخيم، الذي كانت أرضه رملا وأبنيته عبارة عن تخشيبة». لا يكف عن ذكر فلسطين بين الحين والآخر، فيدخل مسرعا إلى منزله ثم يعود حاملا رزمة من الصور، ينظر إليها وملامح الحزن تغطي تجاعيد وجهه، ويشير: «هذا هو الشارع الذي ولدت فيه أنا مازلت أذكر فلسطين، أما أولادي وأحفادي لا ذاكرة عن وطنهم». إلا أنه لا ينكر حبه للمخيم بل يعبر عن إستيائه من الوضع في شاتيلا: «لم يعد المخيم كما كان. أصـبح بـقعة تـجار المخـدرات لا تحوي إلا الغربية، أي الغرباء الـذين لا يمّـتون إلى فلسـطين بصـلة».
ومعاناة صالحاني لا تقف عند حدود المخيم، بل بكلمة يرددها طوال الوقت، وتختصر مأساة ترافقه منذ 66 عاما: «إنني لاجئ، وسأبقى لاجئا. أتعتقدون من السهل عليّ أن أكون لاجئا؟ «.

فلتان ومخدرات

ليس بعيداً عن منزل صالحاني، يجلس مجموعة من الشبان كانوا يستمعون إلى حديث «الختيار»، ويرسمون الدخان المتصاعد من النرجيلة. وسام شاكر، واحد منهم، ويرفض ما يُقال حول النزوح والطلب بإخلاء فلسطين لمدة أسبوع مع وعود بالعودة. ويعلّق قائلا: «لو كانت المعركة، كما يذكرون الكبار في السن وكل فرد عايش النكبة، لما بقي فلسطيني واحد داخل الأراضي. أنا لا أصدق كلامهم، وأراهم جبناء، نحن شعب جبان، لو كنا عكس ذلك لما هربنا من فلسطين».
شاكر البالغ 41 عاما، إهتماماته لا تصل إلى حدود فلسطين. بل كل ما يريده إصلاح المخيم. «الشوارع لا تصل إليها الشمس، وحتى الأبنية ملتوية. تم بناء المخيم بطريقة عشوائية وكأننا أشباه بشر، رمونا داخل مساحة ضيقة وجردونا من حقوقنا، الأسلاك الكهربائية على الطرقات فوق رؤوسنا، كما نسير والمجارير تفوح في الشوارع». ويعيد سبب هذا الوضع المتردي إلى المسيطرين على المخيم، ويوضح: « عندما إستلمت الفصائل الفلسطينية، وفتح الإنتفاضة المخيم تحول إلى مستنقع مقزز».
ويتابع غاضبا:» كان المخيم مركزا للصمود ومنبع الشهداء، أصبح مكانا للفلتان وتجارة المخدرات». يقاطعه رفيقه: «الكل مطمئن البال هنا، فلا وجود للدولة وممنوع على السلطات اللبنانية الدخول إلى المخيم، لذا تكثر تجارة المخدرات والتعاطي وليس هناك من رادع». ففي ظل كل هذه الأزمات لا يزال هناك إجماع على وجود دخلاء في المخيم، ويوضح شاكر :»أصبح الفلسطينيون أقلية في هذا المخيم. فمع وجود الأزمة السورية لجأ عدد كبير من مخيم اليرموك إلى شاتيلا، كما أتى لبنانيون سكنوا معنا، حتى هناك جنسيات بنغلادشية وأثيوبية». وينهي:» أصبح المخيم بلا هوية».

وافدون جدد

في شاتيلا، عدد لا يستهان به من السوريين، وأغلبيتهم لجأوا بعد اندلاع الثورة في سوريا. أحمد منصور واحد منهم، يسكن في «شاتيلا» منذ 6 سنوات، بعد أن أتى من مخيم اليرموك. في بادئ الأمر لم ير أن مكانه المناسب في مخيم شاتيلا. «شعرت أنني غريب، والمخيم لا يشبهني. صحيح أنني لاجئ فلسطيني سوري من اليرموك، إلا أننا كنا متساويين مع السوريين هناك، والمخيم كان نسخة عن الأراضي السورية. على عكس مخيم شاتيلا».
يقول الشاب العشريني قبل أن يتابع: «ولكن بعد فترة وجيزة، بدأت أتعلق بمكاني الجديد، تلك الأزقة الضيقة، البيوت الهشة، الفوضى. كل ذلك أصبح جزءا مهما من حياتي، صح ولدت في اليرموك، إلا أنني أكبر في شاتيلا وأعيش هنا».
أما وضع فادي بزي، يختلف عن منصور. فلم يأت هربا من الحرب السورية، ولا تهجيرا من فلسطين. بل لجأ بزي، الشاب اللبناني الذي يعمل في فوج الإطفاء في الضاحية الجنوبية لبيروت، مع عائلته إلى مخيم شاتيلا بسبب تردي الأوضاع المادية. «كنا نسكن في الضاحية، ولكن لم يعد بإمكاننا تسديد إيجار المنزل، وبما أن خالتي تمتلك منزلا في شاتيلا فقررنا المكوث هنا، دون تكبد أي مصاريف اضافية». لا يفكر بزي بالتخلي عن المخيم، ففي هذا المكان وجد ما كان مفقودا في الخارج. « لا أشعر أنني غريب، فليس لدي أصدقاء سوى من المخيم»، يوضح قبل أن يضيف: «لقد إعتدت على المخيم، وأحببته بكل مساوئه ومزاياه، ولا أعتقد أنني سأرحل».

مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين في لبنان… يبحث عن هوية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية