عمان ـ «القدس العربي»: لا يتقصد المواطن الأردني عثمان الدقس إثارة كل هذه الجلبة التي حصلت عندما طالب كمواطن بحق بسيط له يتمثل في ان لا يسمح لابنته الصغيرة وهي في الصف الأول الابتدائي بالاختلاط داخل الصف بمراهق من اللاجئين السوريين تحشره السلطات الأردنية في الصف نفسه.
يوميا يراجع مئات السوريين مديريات التربية والتعليم في مختلف محافظات المملكة على أمل تمكين أولادهم من تلقي العلم والدرس في مدارس القطاع الحكومي. تلك خطوة رغم بعض مظاهر الانزعاج الاجتماعي منها تبدو ضرورية بالنسبة للمجتمع الدولي وان كانت تثير في بعض الأوساط الاجتماعية الأردنية هواجس مستجدة حول جدل المكونات وتحديدا بعنوان الاستعداد لمرحلة إقامة طويلة الأجل بالنسبة للمكون السوري تحديدا.
السلطات الأردنية لا تعترف تماما بشهادات المراحل الصفية التي تصدر أو يحملها معهم اللاجئون الباحثون عن مدرسة في الأردن، فمعايير تمكين طلاب المكون السوري من تلقي العلم بعد اختبارات وقياسات فنية متعددة تسمح بإدماج أبناء اللاجئين وبناتهم في مدارس الحكومة مع إعادتهم إلى صفوف خلفية في الكثير من الأحيان وعلى أساس ان المنهج الأردني يتفوق على نظيره السوري.
هنا حصريا تكمن مشكلة المواطن في لواء مليح جنوبي مدينة مأدبا الذي أثار الجلبة. فقد اعترض الرجل على الزج بطلاب سوريين ذكور بعمر 12 عاما في الصف الاول والثاني حيث فتيات أردنيات لا تزيد أعمارهن عن ثمانية أعوام. قال الدقس انه لا يمكنه الموافقة على مثل هذا الاختلاط الضار ووفقا لصحيفة «عمون» المحلية تم الافراج عن الرجل المعترض بعد توقيفه من قبل الحاكم الإداري إثر الازعاج الذي أثاره لمديرية التربية والتعليم في المنطقة.
مثل هذا الموقف يمكن اعتباره مؤشرا على حجم التعقيدات التي تستوطن الآن في عمق المجتمع الأردني بعنوان اللاجئين والوافدين، حيث تشترط الجهات الممولة دوليا ادماج اللاجئين السوريين في سوق العمل ومدارس التربية والتعليم والمجتمع وحيث بدر عن مسؤولين بارزين في الماضي القريب من بينهم رئيس الديوان الملكي الدكتور فايز الطراونة ما يفيد بان اللجوء السوري في الأردن سيطول.
رغم اعتراض الكثير من الفئات الاجتماعية على الزحام الناتج عن وجود المجتمع السوري خصوصا في سوق العمل الخالي من الوظائف أصلا إلا ان بعض الحلقات المثقفة في أوساط القرار العليا تتحدث بين الحين والآخر ليس فقط عن إقامة طويلة للمكون السوري في المملكة.
ولكن وهذا الأهم أيضا عن خطوات تساعد في تمدين المجتمع وإعادة إنتاج ميزان القوى فيه.
وهو ما تشعر به عمليا نخب ناشطة في أكثر من مكان تتحدث عن ادماج سياسي مقصود لا يمكنه ان يكون عفويا للإيقاع الاجتماعي والمكوناتي السوري في الكثير من المناطق شرقي وشمالي المملكة وتحديدا في مدينة المفرق التي يقال ان نسبة الوجود السوري فيها زاد تماما من حيث العدد عن نسبة المواطنين من سكانها وهو ما يحصل في بعض القرى في مدن مثل اربد والرمثا وعجلون شمالي المملكة.
حتى في عمان العاصمة يفرض المكون السوري ايقاعه في العديد من المفاصل وبصورة لا يمكن نكرانها، فقد تقدمت محلات صناعة وبيع الحلويات السورية على شقيقاتها الأردنية وسيطرت تماما على السوق في العاصمة عمان خصوصا في مجال المناسبات العريضة. في الوقت نفسه احتلت مطاعم الغذاء والطعام السورية الشارع الشهير بالمطاعم غربي العاصمة اضافة لانتشار غير مسبوق لعشرات المحلات التجارية السورية وفي مختلف القطاعات بما في ذلك الديكور والمنتجات الغذائية والأقمشة وصناعة الألبان والأجبان التي لا تعتمد على كلفة الإنتاج وتدار في البيوت.
في طبيعة الحال يضفي مثل هذا الوجود نكهة مستجدة على الحياة العامة في الأردن ويؤسس لمنحنيات لا يمكن الاستهانة بها في مجالات التكوين الاجتماعي وهو الأمر الذي يدفع بعض الاوساط لإظهار الحماس لمثل هذا التنويع الذي يخفف من حدة التعبير المحافظ والكلاسيكي في أوساط المجتمع.
لكن هذا الحماس تقابله تجمعات من المواطنين والمناطق مرتابة وقلقة خصوصا في ظل المهارة التي يظهرها ويتميز فيها الوافد السوري وأيضا في ظل انتقال بعض تناقضات المجتمع السوري إلى الأردني بما في ذلك ظهور معدلات جرمية جديدة بصورة تسبب أو ينتج عنها المزيد من الضغط والاعباء على المؤسسة الأمنية. تصمت أجهزة الدولة وكبار الساسة فيها عن الحديث في هذا الموضوع الحساس إلى حد كبير رغم التوافق على ان الاستثمار السياسي في ملف اللجوء السوري أخفق بصورة مرجحة في تمثيل مصالح ومكاسب حيوية للأردنيين.
وترحب دوائر تعتقد أو تتصور انها مستنيرة بالتنويع والتلوين الناتج عن المكون السوري في عمق المجتمع الأردني.
في المقابل لا ترحب أوساط اجتماعية محافظة بالأمر وترتاب فيه دون ان تقول السلطة بشفافية ما الذي تخطط له أجندتها في هذا الإطار؟
بين ارتياب الصف الاجتماعي وحماس بعض النخب الليبرالية يتعامل اللاجئ أو المواطن السوري في الأردن بذكاء وصبر شديدين مع الواقع الموضوعي على أمل اتضاح الصورة في وقت لاحق وحسم المشاكل العالقة بما فيها تلك المعنية مباشرة باحتمالية عودة اللاجئين السوريين بدلا من توطينهم.
فصائل المعارضة تتراجع في حماة وتخسر أغلب مواقعها
هل وصلت إلى طريق مسدود في الشمال السوري؟
منهل باريش
«القدس العربي»: خسرت المعارضة السورية المسلحة معظم المناطق التي سيطرت عليها على المحور بين بلدتي محردة والقمحانة في ريف حماة الشمالي، فيما ثبتت نقاطها في صوران ومعردس.
وتراجع «جيش العزة» عن نقاط سيطرته في خطاب والشير والمجدل بعد قصف جوي روسي كثيف، شنته قاذفات السوخوي، إضافة إلى قصف بالبراميل التي تحتوي مركبات الكلور العضوي، ما أسفر عن مقتل عدد مقاتلي الجيش الحر وإصابة العشرات. كذلك استهدف القصف مشفى اللطامنة الجراحي، والذي تشرف عليه منظمتا أطباء بلا حدود وسامز (الجمعية الطبية السورية الأمريكية)، ببرميل يحوي «الكلور»، ما أدى إلى استشهاد الدكتور علي الدرويش، أحد ابرز أطباء ريف حماة الشمالي.
وعزا الناطق العسكري في جيش العزة، النقيب مصطفى معــراتي، سبب التراجع إلى «ضربات السلاح الكيميائي، والدعم اللامحدود من قبل الطيران الحربي الروسي بشكل لا يحتمله العقل، بمئات الغارات».
وأضاف في تصريح لـ «القدس العربي» أنه «تم التراجع إلى قاعدة الانطلاق الأساسية بهدف إعادة تجميع القوى والوسائط وإعادة الانتشار من جديد على المحاور تحضيرا إلى المعركة من جديد».
وأشار معراتي إلى الخسائر الكبيرة التي ألحقتها فصائل الجيش الحر بقوات النظام والميليشيات الشيعية المساندة له، وقدر اجمالي عدد مقاتلي النظام الذين سقطوا في معارك ريف حماة الشمالي بنحو 600 قتيل، «إضافة إلى تدمير 7 دبابات وعدد من الرشاشات الثقيلة والمتوسطة، والسيطرة على 5 دبابات وعدد كبير من الأسلحة وكميات من الذخائر المتنوعة، كقذائف الدبابات والمدفعية».
في السياق، اصطدمت «هيئة تحرير الشام» بمقاومة عنيفة في بلدة قمحانة، مركز «الشبيحة» الأساسي في محافظة حماة، إلى جانب قرى وبلدات سهل الغاب. وفشلت «الهيئة» في كسر خطوط الدفاع الأولى رغم استخدامها العربات المفخخة على عدة محاور، ويعتبر جبل زين العابدين (شرق قمحانة) العائق الرئيسي في تقدم مقاتلي «الهيئة» ودخول البلدة، حيث ترصد المدفعية والدبابات كل آليات المعارضة المتحركة شمال وغرب البلدة.
مدفعية النظام في جبل زين العابدين ساعدت في استعادة التلة الغربية لبلدة قمحانة، والمعروفة باسم «النقطة 50» بعد أيام من سيطرة المعارضة عليها. ومع طرد مقاتلي هيئة تحرير الشام من هذه النقطة أمنت قوات النظام المحور الغربي للبدة، وأبعدت شبح خنقها ناريا من الجهتين الشمالية والغربية.
السبب الثاني، في فشل السيطرة على قمحانة، هو تمركز قواعد الصواريخ الحرارية في كل النقاط الاستراتيجية والحيوية على مداخل البلدة والأبنية المرتفعة، حيث استهدفت تلك القواعد بمئات الصواريخ كل آليات وعربات المعارضة.
وتضاف فرق القناصة المنتشرة في كل مكان، والتي رصدت كل الأجسام المتحركة في جبهة إلى المعارضة، إلى أسباب فشل تلك المعركة.
الاختبار العسكري
وشنت قوات النظام والميليشيات الشيعية هجوما على معردس انطلاقا من تل العبادي وكامل الجهة الشرقية. وسيطرت عليها عدة أيام قبل أن تعود «هيئة تحرير الشام» إلى استعادتها، بعد تفجير عدد من العربات المفخخة ونصب كمائن في خطوط الإسناد، أدت لمقتل العشرات من مقاتلي قوات النظام.
ويشار إلى أن معركة ريف حماة الشمالي هي الاختبار العسكري الأول لـ«الهيئة» منذ تشكلها نهاية كانون الثاني/يناير الماضي. وينظر إلى نتائج هذا الاختبار بعدم الرضا، كون «الهيئة» المشكلة تضم أعدادا كبيرة من المقاتلين يتجاوز الـ15،000 وتملك إمكانيات عسكرية هائلة، بينها عشرات الدبابات وعربات ال بي ام بي، ومئات المدافع والرشاشات الثقيلة إضافة إلى الأعداد البشرية، وخصوصا الاقتحاميين أو ما صار يعرف بـ«قوات النخبة»، المدعومة بـ«كتيبة الاستشهاديين» من سائقي العربات المفخخة.
غربا، فشل «جيش النصر» و«حركة أحرار الشام الإسلامية» و«فيلق الشام» في تحقيق أي اختراق على الجبهة الغربية الممتدة من قلعة المضيق غربا، إلى كرناز المقابلة، وصولاً إلى بلدة السقيلبية.
عدم تحقيق انتصار استراتيجي في ريف حماة وخسارة الأرض وعدم التمسك بها بعد تدخل الطيران الروسي، أصبح واقع حال وسمة أغلب المعارك التي قامت بها المعارضة وخسرتها منذ بدء التدخل الروسي نهاية 2015. ومنذ ذلك التوقيت عندما خسرت الفرقة الساحلية الأولى كامل جبل الأكراد، واستعادت قوات النظام وميليشيا صقور الصحراء ومغاوير البحر كامل منطقة جبل التركمان، في ما يعتبر استعادة كامل محافظة اللاذقية، مع استثناء بلدات قليلة.
وتضــاف هزيـــمــة حـلـــب الاســتــراتيجية لتصبح عنوان التحول بعد عام على التدخل الروسي إلى جانب النظام السوري، إضافة إلى الخسائر العسكرية التي تلت هزيمة حلب سياسيا، متمثلة في أستانا، وكذلك عسكريا في وادي بردى وحي الوعر الحمصي.
صعوبة تحقيق أي تغيير في الخريطة العسكرية، وفشل المعارضة في تحقيق أي اختراق على الصعيد العسكري في جبهاتها مع النظام، وعدم مقدرتها على بناء شراكة دولية مع الولايات المتحدة الأمريكية او الأردن، واختصار دورها على طرد تنظيم «الدولة الإسلامية» من منطقة «درع الفرات» كل هذه الأسباب تجبر المعارضة على التفكير بمخرج جدي لمستقبل الصراع مع النظام، وكيفية انعكاسه على الحل السياسي في ظل وجود الحليفين الروسي والإيراني، وغياب دور عربي وأوروبي حاسم.