كنت، فيما مضى وذات ألق للبرنامج نفسه، كنت من متابعي برنامج «كلام نواعم».. منذ بداياته وطاقم عمله القديم، الذي تبقى منه فقط السيدة فائقة الرقة منى أبو سليمان واللماحة المعتقة رانيا برغوت.
البرنامج كان يفترض أن يكون نسخة معربة عن برنامج «ذا فيو» الأمريكي الشهير، والذي تقدمه أيضا أربع سيدات يناقشن قضايا نسائية وأسرية ومجتمعية، لكن مرور الزمن على البرنامج وسنن «أم بي سي» المتغيرة دوما، حسب الأجندات السياسية والمزاجية أحيانا غيرت في سيدات البرنامج، وأنا شخصيا أفتقد فرح بسيسو، الفلسطينية السورية المبدعة في التمثيل والتقديم والحوار الذكي الهادىء واللاذع في الوقت نفسه.
الحلقة الأخيرة من «كلام نواعم» الأسبوع الماضي، تابعتها بدافع الفضول، وقد فقدت شغفي بالبرنامج، لأتفاجأ بفقرة فيه تستضيف سيدة اسمها ريهام، صفتها أنها «مدربة أنوثة»!! أي والله.. هكذا تم تقديمها وكانت الفقرة كلها عن هذه المعرفة والعلم الجديد الذي صارت له مدربات!
أنا ممن يؤمنون بالعلم والمعرفة، وهذا يجعلني لا أشكك فقط في الشعوذة التقليدية وخزعبلات الغيبيات المعروفة في عالم الدجل، بل يجعلني أشكك في الدجل الحديث، الذي يتم تغليفه بصيغة علوم حديثة ومنها بعض ما يسمى بالتنمية البشرية، التي أعتبرها ساحة خصبة للنصب والدجل المعرفي، مع تأكيدي على وجود معرفة علمية فيها، لكن ليست إلى حد انتشار مراكز ومدربين ودورات تشبه الحضور عند عراف أو صانع حجب تقليدي.
وكذا كانت مدربة الأنوثة وحديثها الذي وسمته بشكل يوحي أنه معرفة حقيقية ولا أرى فيه إلا نوعا جديد من الدجل الذي تروج له برامج في الإعلام الحديث، قادرة على تشويه الأنوثة نفسها بتلك الفقرات.
مدربة للأنوثة لهون وصلنا؟ ربما عالمنا العربي بواقعه المخزي في حاجة ماسة إلى مدربي رجولة.
طاقة التلفزيون الأردني السلبية
ومن ذلك أيضا، ما يسمى «علم الطاقة»، الذي أفرد له برنامج «يوم جديد» الصباحي في التلفزيون الأردني (ما غيره الراعي الرسمي للميرمية)، فقرة مع اختصاصية في علم الطاقة، قدمت لها المذيعة بشكل احتفالي، وكان واضحا تماما حجم الهدوء الكثيف على وجه مدربة الطاقة وهي تتحدث وتبتسم بتكلف شديد لتوحي أنها كمصدر للطاقة الإيجابية قادرة على إنارة كل كشافات الأستوديو بطاقتها.
علم الطاقة، علم حقيقي، ومعرفة محترمة لها أصولها المنهجية في مختبرات في ألمانيا ودول أوروبا، وعلاقة العلم وثيقة بالفيزياء والفيزياء الحيوية وعلم الأحياء، وأنا أعرف خبراء في هذا العلم من الأردن لا يتشدقون بخزعبلات كالتي تبثها الفضائيات عادة، لتعبئة ساعات البث، كما في التلفزيون الأردني، الذي ارتأى في فقرات كتلك أن يقدم جرعات الإلهاء المفضي لغيبوبة العقل.
برنامج صباحي مثل «يوم جديد»، يحتاج طاقم إعداد محترف يقدم ما يعيشه المواطن الأردني المسحوق تحت وطأة همه اليومي.
بين محمد الدرة وشمعون بيريز
ومن ضمن برامج احتفاليات الفضائيات العربية، التي تبحث عن أي محتوى لترقص على إيقاعه، كانت الاحتفالية بمأساة الطفل الفلسطيني الأكثر شهرة، محمد الدرة، الذي اغتالته رصاصات احتلال قذرة وهو بين يدي أبيه، مرتعشين خائفين مختبئين من إطلاق نار، وصار الطفل أيقونة (وهو لو لم تقتله إسرائيل لكان اليوم شابا يافعا).
من بين البرامج اللافتة البرنامج الحواري الراقص على كل جرح «العاشرة مساء»، الذي يقدمه أبو حواجب جريئة وائل الإبراشي، صاحب الشيب الأكثر إثارة على الشاشة.
الإبراشي، لم يدخل في حوار مع والد محمد الدرة، بل كان يخوض تحقيقا خبيثا وحذرا، يحاول فيه وضع الكلام على لسان والد الطفل المكلوم، ويناور على الاستثمار في أعصاب الرجل وعصبيته.
حين تقول لضيفك الحزين، وغير المدرب على خبث الإعلاميين وتخاطبه بقولك إنك تشعر أنه (الضيف) مستاء جدا من أحداث جنازة شمعون بيريز، فهو صيد في المياه العكرة ومقال في غير المقام.
ما حدث في جنازة شمعون بيريز توضيحا، أمر مخز، وتساقط مدو للكرامة العربية لا خلاف، لكن أريد أن أفهم الرابط والقيمة المضافة في حشر تلك المسألة مع والد محمد الدرة، عبر الإيحاء فورا إليه وشحنه بالإجابة اللازمة، فالإبراشي شعر وأحس باستياء الدرة الشديد. ليس استياء وحسب بل استياء شديدا.
عيب يا إبراشي!
كواليس البرامج
ما لا أفهمه، هوس المذيعين والمذيعات تحديدا، باستخدام عبارة «تحت الهوا»!
فمثلا، تقول المذيعة لضيفها وللمشاهدين إنه والضيف في الاستوديو تحدثوا عن الموضوع «تحت الهوا» في إشارة إلى أن الحديث كان خاصا في الكواليس، وليس عاما على الهواء.
ماذا لو لسبب ما تقني بقيت المكرفونات شغالة وتبث لنا كل حدث ما هو تحت الهواء، خصوصا في مقابلات المسؤولين العرب؟
طيب، ماذا عن الحديث فوق الهواء؟
القذافي وفن الغرافيتي
وفي فقرة إخبارية تناقلتها الفضائيات العربية على نشرات أخبارها، فإن 76 فنان غرافيتي في العالم تجمعوا في العاصمة المكسيكية «مكسيكو» للرسم على جدران المدينة رسوما تحولها إلى حالة جمالية.
الغرافيتي فن جميل وله تاريخه السياسي، الذي بدأ بصرخات مجهولين على الحيطان، لتصبح الجداريات عموما حوار المدينة الداخلي، والذي قد يغضب السلطات في دول قمعية.
يحكى أن الديكتاتور الليبي معمر القذافي كان يجري لقاء مع صحافي غربي في الثمانينيات، وكان من بين أسئلة الصحافي أن طرابلس العاصمة، مدينة مشوهة بالكتابات على الجدران، كتابات لا معنى سياسي لها، بل أسماء أناس وقلوب حب، وأبطال سينما أو رياضة أو عبارات تأييد للزعيم الأوحد طبعا، ولاحظ الصحافي الغربي أن أي مواطن ليبي هو مشروع خطاط على حائط عام في الشارع.
القذافي التقط السؤال، ونظر نظرته المشهورة نحو السقف، ثم أجاب متصنعا كعادته الحكمة في الجواب: عد إلينا بعد ثلاثين عاما، وقد تجد الليبيين أمام الحيطان يمسحون كل ما كتبوه!
تقريبا، تحققت حكمة الديكتاتور الراحل، بعد ما يقارب ثلاثة عقود، مسح الليبيون الحيطان نفسها.. مسحوا طرابلس وباقي مدنهم.
إعلامي أردني يقيم في بروكسل
مالك العثامنة