اسبانيا دولة فريدة من نوعها. فرغم الصعوبات والتعقيدات اليومية مازالت الحياة فيها نعمة إلهية. وخير دليل على ذلك هو أن هذا البلد، عكس الكثيرين، يملك كماً هائلاً من الرموز الذي تمثل رونقها الخاص. فإسبانيا هي سحر الأندلس، ملتقى الشرق بالغرب، مركز مصارعة الثيران، مراقص الفلامنكو، أكلاتها المشهورة، الاحتفالات اليومية في الأماكن العامة والخاصة، متاحفها العملاقة، البلد ذو المناخ الخلاب الجاذب للملوك، الأمراء، رجال المال وتجار المخدرات والسلاح. وفوق كل ذلك بلد دوري مباريات كرة القدم الأكثر سخونة ومتابعه في العالم.
إن صح القول، هذا البلد سوف يكون كذلك، حسب آخر الاستطلاعات العينية، أول بلد أوروبي تنجح فيها النزعة الأنفصالية الناتجة عن تصميم إقليم كتالونيا، وعاصمته برشلونة، الاستقلال عن وطن كان معظم تاريخه جزء لا يتجزء منه. هذا ما سوف يحسم تحديداً يوم 27 سبتمبر من خلال الانتخابات المحلية التي ستقام وتعلن نتائجها الفاصلة فوراً.
انتخابات ينظر إليها جانب، البرشلوني، على انها استفتاء مجازي سيحمل في طياته رغبة التعبير، أو عدم الرغبة، في تكوين دوله مستقله، في حين يعتبرها الجانب الآخر، مدريد، واحدة من العديد من الانتخابات الحرة في بلد تعود على الديمقراطية، بعدما عانى من جراء ظلم الديكتاتورية والتشتت الإقليمي.
ما يمكن أن يحصل بعد هذه الانتخابات يمكن أن يعيد إسبانيا إلى نفطة الصفر، نقطة التشرذم الذي عانى الكثير من تبعياته. على ما يبدو ان لعنه دولة الطوائف المرتبطة بحقبة الأندلس، التي مقتها الإسباني كما العربي، سوف تطل برأسها من جديد، رغم المجهود الهائل الذي قامت به الطبقات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية والدينية، تحت القيادة الملكية، ليبقي هذا البلد، كما تتمنى الغالبية العظمى، متماسك، متضامن ومتناغم.
هذا البلد المتنوع في كل شيء يواجهه حالياً تحد انفصالي حقيقي، بعد المجهود الجبار الذي قام به سابقاً الملوك الكاثوليك ولاحقاً ملوك البربون من أجل توحيدة تحت شعار الصليب وراية المصلحة المشتركة، بعد أن كان مشتتاً نتيجة الأطماع السياسية التي لم تراع يوماً نتائج النزعات الإقليمية والحدود الاعتباطية. حينها الكل كان يريد أن يتوج ملكاً، أميراً أو وزيراً. فعلاً التاريخ يعيد نفسه، تحت مسميات ثقافية، لغوية، عرقية وتاريخية جديدة. هذا التحدي الخطير يصعب تخيل أبعاده الجغرافية والسياسية، ليس فقط على المستوى المحلي وإنما كذلك على المستوى الإقليمي والعالمي.
فعلاً سيكون حدث الانفصال، إذا وقع، حد فاصل بين الحاضر والمستقبل. بل وثغرة هامة في التاريخ الأوروبي المعاصر.
الجميع، في إسبانيا، أوروبا والعالم سيتابع بجدية نتائج الانتخابات ومجرى الأحداث مثل ما يتابع بشغف أي مبارة كرة قدم بين ريال مدريد وبرشلونة. الاختلاف يكمن في أن الخاسر من المبارزة السياسية القادمة ليس هذا أو ذاك النادي، وإنما وطن جامع مشكل من (17) إقليم، تمكنت من التوافق حسب دستور وافقت عليه الغالبية العظمى (1978). دستور يعتبر أحدث عقد سياسي، اجتماعي، قانوني واقتصادي أوروبي. دستور يهدف إلى تشكيل وبقاء دولة القانون والإقاليم المتنوعة متماسكة وديناميكية. دستور تبلور بعد ما عانى البلد واحدة من أشرس الحروب الاهلية التي أحدثت في مدريد وبرشلونة كماً هائلاً من الموت والدمار، الذي مازالت آثارهم عالقة في نفوس الأجيال الأقرب سناً لتلك الحقبة المنبوذة (1936-1939).
هناك من يعتقد بأن السياسي الإسباني، المنهمك دوماً في تجزئة الوطن والممقوت شعبياً، لا يملك ذاكرة تاريخيه. ففي لحظة النشوة، الاقتصادية بالتحديد، ينظر هذا إلى المستقبل من منظار ضيق. تراه ينسى، أو يتناسى، العمل الدؤوب الذي قامت به كافة المكونات الاجتماعية، ذات الثقافات واللغات المتنوعة، من أجل تجاوز محن الماضي والنظر للمستقبل من منظور المقدرات المشتركة ذات الأفاق التي لا مثيل لها أوروبياً، بل وعالمياً.
الغريب هو أن رغم هذه المقدرات لم يتمكن أحد حتى الآن من أبداع حلول وسطية للأزمة الكتالانية، أو العمل حسب تلك التي تتحدث عن تشكيل دولة كنفدرالية يملك حسبها كل إقليم صلاحيات كاملة. هذا الحل تنادي به القوى الاشتراكية. العقدة تكمن في أن الانفصاليين لا يريدون التفاوض سوى على الاستقلال. على كل الاحوال، أياً كانت نتائح الانتخابات فان الأمور لن تعود إلى ما كنت عليه سابقاً. الجميع سوف يجبر على تقديم تنازلات درماتيكية للخروح من حالة التشنج الذي وصلت له البلاد نتيجة التجاذبات الانفصالية-الوحدوية.
مختلف القيادات، بما فيها العسكرية، تحاول التعامل مع التحدي الكتالاني بحكمة، حتى لا تفلت الأمور من اياديها. وهي تعي بأن باقي الأقاليم ونسبه كبيرة من سكان كتالونيا يقفون بجانبها. لذا تشعر بقوة رغم تصاعد وتيرة التحدي الكتالاني التدريجي. يقفون بجانبها لانهم لا يريدون أن تدخل البلاد دوامة التشتت وعدم الاستقرار، خاصة بعد المحنة الأقتصادية التي مازال يعاني من تبعايتها الكثيرون.
الكل يعلم، وهذا ما يخشاه الجميع، بأن أي خطوة كتالانية نحو الأمام سوف تفرط مسبحة الدولة، التي لم يكن يوماً من السهل جمعها على كلمة سواء. وسوف يكون لها تأثير شبيه بتأثير وقوع أول حجر من حجار الدومينو. بمعنى، فور إعلان نتائج الانتخابات، هذا إن نجحت النزعة الانفصالية، سوف تقوم أقاليم أخرى، بالتحديد الباسك، بخطو نفس الخطوة، أي انتخابات ثم انفصال. وهنا فعلاً تكمن ذروة الخوف العام.
الدول الأوروبية، وكذلك الولايات المتحدة، صرحوا علانية رفضهم التام لأي خطوة أنفصالية كتالانية عن الإطار الجامع وتمسكهم بوحدة أرض وشعب إسبانيا. هذا الموقف ناتج عن فكرة أن أوروبا الموحدة هي كتلة لا تقبل التجزئة. المشكلة تكمن في أن الدول تتأقلم، في لحظة، ما مع الواقع القائم، لذا يجب عدم أخذ مواقفهم المسبقه محمل الجد، رغم اهميتها الاستعراضية. مبدئياً هذه الدول وغيرها على يقين بأن انفصال كتالاونيا سوف يجلب الكثير من التبعيات، كون بين أركانها أقاليم تتمنى الاستقلال. هذه سوف تنظر لما يمكن أن يحدث في إسبانيا، إن حدث فعلاً، كمرجعية سياسية يحتذى بها. هنا يكمن خطر هذه الانتخابات خارجياً، خاصة بالنسبه للدول المجاورة. خطر يمكن أن تكون له امتدادت فعلية إن لم يتم التعامل معه بحذر. دول مثل فرنسا، ايطاليا، بلجيكا، المغرب، الجزائر، تعلم بأن تفتت إسبانيا، هو مقدمة لمشاكل سياسية وعرقية جدية في بلادهم.
القريب من الحدث يلاحظ بأن كثيرا من الاحزاب السياسية، خاصة اليسارية المحلية المؤيدة للانفصال، لم تع بعد، بقدر ما يعي المحيط الداخلي والخارجي، خطورة ما يمكن أن يحدث حال نجح التجمع الأنفصالي الكتالاني المشكل حول قوى اليمين من فرض أجندته على إرجاء الوطن.
أمام تمسكه بمواقفه التي لم تحجمها الضغوطات السياسية، القانونية والاقتصادية المركزية، لم يبق أمام الأحزاب الوحدوية، اليمنية والاشتراكية سوى تحريك الناخب المتردد المتواجد في الوسط والذي لا يملك موقفا سياسيا واضحا لكي يحسم نتائج الانتخابات القادمة، انطلاقاً من فكرة أن الخروج من تحت العباءة الإسبانية لن يجلب الرخاء والحرية، كما يصور الأنفصاليون، وإنما سيعكر إجواء حياة وطن يعشق الفرح والمرح. وطن يتدفق فيه ندير الوجدان بشغف وأنسياب.
٭ كاتب فلسطيني
د. ناصر عبد الرحمن الفرا