مدلول مؤتمر فيينا: إنهاء «داعش» وإخوته يتقدّم الحل السياسي

حجم الخط
0

■ لا غلوّ في القول إن واشنطن وموسكو توافقتا، أخيراً، على أن خطر تنظيم «الدولة الإسلامية- داعش» داهم وشامل، وأنه يتهددهما كما العالم أجمع.
تطوران مهمان حملاهما على التسليم بهذه الحقيقة، وبضرورة توليد إرادة مشتركة وتفاهم استراتيجي لمواجهة مفاعيلها: تعاظم قدرات «داعش»، بما هو محور «الإسلام الجهادي» ورأس حربته، وصمود سوريا في وجه استغلال واشنطن وحلفائها الإقليميين لـِ»داعش» وإخوته لإسقاط نظامها السياسي وتفكيكها إلى كيانات مذهبية وإثنية بالتزامن مع عملية مماثلة في العراق.
موسكو أدركت باكراً قوة «داعش» وشمولية خطره، فسعت لحمل واشنطن على الكفّ عن استغلاله في مخططها المعادي لسوريا، واتخذت لهذه الغاية خطوة وقائية لافتة بموافقتها على نزع أسلحة سوريا الكيميائية لتحقيق هدفيـن استراتيجيين: إجهاض ضربة أمريكية وشيكة وموجعة لسوريا عام 2013 من جهة، وتفادي إمكانية وقوع تلك الأسلحة المدمّرة في ايدي «داعش» أو غيره من التنظيمات الإرهابية من جهة أخرى، ذلك أن الاستخبارات الروسية كانت قد تأكدت من أن «داعش» استخدم سلاحاً كيميائياً ضد الجيش السوري في محيط مدينة حلب، كما في محيط مدينة دمشق، وأنه لن يتورع في قابل الأيام عن استخدام السلاح الكيميائي وغيره من أسلحة الدمار الشامل ضد روسيا وأمريكا وسائر أعدائه، إذا ما اقتضت مصالحه الإستراتيجية.
واشنطن كانت تدرك هذه الحقيقة، لكنها تباطأت في مصارحة حلفائها الإقليميين بها، آملةً أن يتمكّنوا من إسقاط دمشق قبل أن تجد نفسها (أمريكا) مضطرةً إلى إنهاء تعاونها الظرفي مع «داعش» والمباشرة في مواجهته جدّياً. هذا يفسر عدم فعالية الغارات المسرحية التي شنتها طائرات «التحالف الدولي لمواجهة الإرهاب»، طيلة أشهر وسنوات، على مواقع «داعش» في سوريا والعراق، كما تهديد أمريكا لـِ»الحشد الشعبي» بقصف وحداته المقاتلة، إذا ما حاولت مساندة الجيش العراقي في هجومٍ (كان) مقرراً لاسترداد مدينة الرمادي من براثن «داعش».
مع توسع «داعش» في شرق سوريا (تدمر) و»جبهة النصرة» في غربها (إدلب) قدّرت موسكو أن احتمال انتصار تنظيمات «الإسلام الجهادي» لا يشكّل خطراً على وحدة سوريا ونظامها وسيادتها فحسب، بل على أمن روسيا القومي أيضاً، ذلك أن روسيا الاتحادية دولة تعددية تضم جمهوريات إسلامية يتعاطف بعض مواطنيها مع شعارات «الإسلام الجهادي»، ويشارك بعضهم الآخر في الحرب التي تشنها «داعش» و»النصرة» وغيرهما في سوريا والعراق وعليهما.
أكثر من ذلك، سرّبت موسكو للإعلام تقديرات استخبارية مفادها أن «داعش» بصدد استعمال أسلحة كيميائية ضد أعدائه في سوريا والعراق. قبل ذلك، كان الرئيس فلاديمير بوتين قد صرح خلال استقباله رؤساء استخبارات بلدان رابطة الدول المستقلة في موسكو «بأن الإرهابيين يستغلون الشرق الأوسط كقاعدة لتدريب مقاتلين جدد قبيل إرسالهم إلى مناطق أخرى لزعزعة الاستقرار فيها. يجب رفع مستوى التعاون بين الدول في هذا المجال واعتماد الأساليب الأكثر فعالية ووضع مقاربات موحدة لتحقيق الأهداف المحددة».
في الواقع، كان بوتين قد بدأ، قبل أسابيع، بوضع أفكاره وخططه موضع التنفيذ بتكثيف حضور روسيا برياً وجوياً وبحرياً في سوريا، وبمباشرة سلاحها الجوي غارات هادفة ودقيقة على مواقع «داعش» و»النصرة» في شمال البلاد وغربها، وصولاً إلى مواقعهما في محافظتيّ درعا والقنيطرة في جنوبها. مدلول هذه الحملة الروسية المتعاظمة داخل سوريا أن موسكو عازمة على حرمان التنظيمات الإرهابية مواطئ قدم ومواقع أرضية يمكن اتخاذها قواعد للتدريب والتجهيز ومنطلقات لشن هجمات مدمرة لا تقتصر على سوريا والعراق، بل تمتد إلى بلدان مجاورة وربما إلى روسيا تحديداً.
أدركت واشنطن، بعد طول لأيٍّ ومخاتلة، أن الحضور الروسي في سوريا ليس من شأنه ترجيح ميزان القوى لمصلحة الرئيس بشار الأسد فحسب، كما قالها صراحةً رئيس هيئة أركان الجيوش الأمريكية الجنرال جوزف دنفورد، بل من شأنه أيضاً توليد تداعيات تهدد حضور أمريكا ونفوذها في الشرق الأوسط. وعليه، ليّنت واشنطن موقفها ودعت حلفاءها الأطلسيين والإقليميين إلى التسليم بأن الإرهاب هو الخطر الأكبر الذي يهدد الجميع، وأن مواجهته بجدّية هو الأولوية الأولى في هذه المرحلة المترعة بالحروب والاضطرابات من ليبيا إلى اليمن مروراً بمصر وسوريا والعراق وفلسطين.
معنى مؤتمر فيينا، إذن، هو إقرار أطراف الصراع، ولو بدرجات متفاوتة، بأن الخطر الاكبر والأدهى هو الإرهاب وأن إنهاء «الدولة الإسلامية»، بما هي محوره ورأس حربته، يتقدّم الحل السياسي الذي سيكون، بطبيعة الحال، مدار مفاوضات وتجاذبات لمدة طويلة مشروطة بالزمن المطلوب لاقتلاع تنظيمات الإرهاب من سوريا واستعادة وحدتها الجغرافية والسياسية، لكن ذلك لا يمنع ممثلي النظام والمعارضة من التفاوض في فيينا منتصفَ الشهر الحالي، من أجل التوافق على دستور جديد للبلاد وانتخابات.
بهذا المعنى تكون سوريا، رغم غيابها عن مؤتمر فيينا، الرابح الأول من انعقاده بما ينطوي عليه من مدلولات سياسية واستراتيجية. غير أن ذلك لا يعني أن الصراع سوف يهدأ وأن وتيرة الاضطرابات في عالم العرب سوف تتلاشى. بالعكس، ثمة جبهات في هذا البلد او ذاك ستبقى مشتعلة في سياق أغراض ومصالح، إقليمية ودولية، يراد تحقيقها على حساب قوى محلية تحاول هي الأخرى استخلاص حصتها في حمأة المساومات والمقايضات الجارية لإعادة رسم خريطة تقاسم المصالح والنفوذ في الشرق الأوسط الكبير.

٭ كاتب لبناني

د. عصام نعمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية