مدينة الرمادي: سخط على الحكومة وإصرار على عدم السماح بدخول الحشد الشعبي

حجم الخط
2

 تحتل محافظة الأنبار ثلث مساحة العراق، ولها حدود جغرافية تشترك فيها مع ثلاث دول عربية، سوريا والسعودية والأردن، وفيها موارد نفطية مهمة مكتشفة لم يتمّ استغلالها. كما تحوي بعض مناطقها على خامات الذهب التي تمّ اكتشافها، ولم تستثمر حتّى الآن، وفيها خامات اليورانيوم في منجم الفوسفات، ومنها يدخل نهر الفرات عبر الحدود مع سوريا إلى باقي المحافظات وسط العراق وجنوبه. وتشكل الأنبار أهمية استراتيجية للتواصل البري، وتسهيل عملية انتقال المقاتلين والسلاح من وإلى شرق، وشمال شرقي سوريا، الذي تفرض الدولة الإسلامية سيطرتها على مساحات مهمة منه.
تعد محافظة الأنبار عاصمة للسنة في العراق، وتشكل الثقل العسكري للمسلحين الذين تصدوا للقوات الأمريكية. واليوم يواصلون عملهم المسلح في مواجهة القوات الأمنية العراقية، وقوات الحشد الشعبي، والصحوات العشائرية، وغيرها من القوات التي يساندها تحالف عربي دولي واسع تقوده الولايات المتحدة. وقد ظلت الأنبار معقلا للمسلحين، ومنطلقا للعمليات ضد القوات الأمريكية، كما أن غالبية التنظيمات الجهادية انطلقت من الأنبار، وفي مقدمتها، الدولة الإسلامية بنواتها الأولى المعروفة باسم جماعة التوحيد والجهاد التي كان يقودها الأردني أبو مصعب الزرقاوي. وظلت الأنبار تشكل معضلة للقوات الأمريكية التي فقدت السيطرة على مدينة الرمادي لعامين متتالين قبل أن يتم الإعلان عن الصحوات العشائرية خريف العام 2006، وتمكنها من إخراج تنظيم الدولة من مدن المحافظة.
أوائل العام 2014، سقطت عدّة أحياء من مدينة الرمادي بيد تنظيم الدولة، وبرزت الصحوات العشائرية، ومن بينها صحوة البو فهد والبو ذياب والبو عيثة والبو علوان والبو محل وغيرها للدفاع عن المدينة حتى الساعات الأولى من فجر يوم 15 آيار/مايو، حين شنّ تنظيم الدولة الإسلامية هجوماً مباغتاً على مركز مدينة الرمادي، أوقع عشرات القتلى في صفوف قوات الجيش والشرطة والصحوات العشائرية التي تدافع عن المدينة منذ عام ونصف، وقد أدى الهجوم إلى سقوط غالبية أحياء المدينة بيد التنظيم، وبعد معارك استمرت ليومين متاليين أعلن تنظيم الدولة السيطرة على مركز المدينة عصر 17 أيار/مايو.
قيام تنظيم الدولة بتوفير مستلزمات إدارة مدينة الرمادي، بمشاركة أبنائها، فور سيطرته على المدينة «جعل منه القوة التي تدافع عنهم دون الطمع في حكمهم، كما ينظر إليه اليوم، كما أن تعامل الحكومة الطائفية مع النازحين ساهم بشكل كبير بتقبل الناس للتنظيم، وانحيازهم له، إذ وفر لهم البدائل الممكنة، ومن بينها تأمين إسكانهم في بيوت غير متضررة، أو نقلهم إلى مدن غرب الأنبار، إضافة إلى المشاركة في إدارة المدن، وهي تجربة جديدة يخوضها تنظيم الدولة»، كما ذكر لـ«القدس العربي» النازح إلى مدينة القائم، مصعب العاني.
ووفق معطيات من داخل مدينة الرمادي، فان الكثير من الدلائل تشير إلى عمل جدي باتجاه إعادة إعمار المدينة، ورفع الكتل الكونكريتية التي كانت موضوعة حول المباني الحكومية الحساسة وبيوت المسؤولين الحكوميين، أو قيادات الصحوات وغيرهم، وفتح الطرق الرئيسية والفرعية المغلقة. كما أن»الوضع الأمني مستقر جدا، فقد اختفت نهائيا أصوات الاشتباكات أو قذائف الهاون، أو غيرها. لكن ما يعكر هذه الأجواء الأمنية هو القصف الانتقامي الذي تشنه الطائرات الحربية، أو قصف وحدات الجيش المتمركزة في ناحية الخالدية براجمات الصواريخ. والمدفعية بعيدة المدى»، حسبما أفاد علي زوبع الكبيسي، أحد تجار الخضروات في حديثه مع «القدس العربي».
ويضيف الكبيسي: «عموم الناس في الرمادي يرغبون بمزاولة عملها لخدمة أبناء المدينة، ومن يحكم المدينة ويحترم أهلها، ويوفر لها مقومات الحياة، لا خلاف لهم معه، وان كانوا يخالفون فكره أو توجهه، المهم عندهم أن يعيشوا بأمن وسلام، بعد معاناتهم الطويلة بسبب الاحتلال، وإفرازاته، ومن ثم على يد الحكومة، وسيطرة الصحوات، والصراع على النفوذ، والتنافس الأعمى بينهم على حساب الناس ومصالحهم».
من بين السياسات التي نجح تنظيم الدولة في استثمارها لصالح استراتيجياته في تحييد الأعداء المحتملين، أو كسبهم إلى صفه، بناء علاقات مع رؤوس العشائر المتنفذين في المحافظة، كما انه استطاع أن يستغل ساحات الاعتصامات لإبلاغ أبناء الأنبار برسائل محددة. ويقول أحد وجهاء مدينة الرمادي، الشيخ حامد العلياوي، في حديث خص به «القدس العربي»: «بعد خروج أبناء المحافظة إلى ساحات الاعتصام، حاول بعض شيوخ العشائر الالتفاف عليها، وكانت محاولاتهم مكشوفة، وثبت عدم تأثيرهم على الشارع في الرمادي، عندها صار التنظيم يوجه خطابه للمعتصمين في بيانات يوزعها بطرق سرية، وكلمات صوتية يخبرهم فيها بقرب عودتهم إلى المدن من جديد، وقد تواصل التنظيم مع وجهاء لم يتورطوا مع الصحوات، أو القوات الأمريكية، أو حتى الذين سبق أن تورطوا كان يعطيهم الوعود بالعفو عنهم إن لم يقفوا بوجهه، بينما كان يتوعد الآخرين الذين يصرون على قتاله، وبالفعل حين حاولت الحكومة اقتحام الساحات لأول مرة، ظهرت عجلات التنظيم، فهرب الجيش وتراجع، وحينها علمنا أن التنظيم يمتلك القوة للسيطرة على المناطق التي انسحب منها، فأعدنا النظر، وقطعنا نحن مجموعة من الوجهاء علاقتنا بالصحوات، وقررنا اتخاذ الحياد، وعدم الوقوف بجانب الحكومة هذه المرة».
وعن حقيقة الأوضاع في المدينة، والمقارنة بين سيطرة تنظيم الدولة عليها والفترة التي سبقتها، يقول الشيخ حامد العلياوي: «لا يمكن افتراض المقارنة بين الفترتين، الناس هنا مصانة كرامتهم، ومحفوظة أموالهم، وأعراضهم، وحتى الخدمات هي اليوم أفضل بكثير بسبب انعدام الفساد في أجهزة تنظيم الدولة، كان الجندي في قوات سوات لا يتردد في إهانة شيخ كبير أو ضرب شاب أو طفل، بل حتى النساء لم يسلمن من الإهانة والمضايقات».
أما الأكاديمي في جامعة الأنبار الدكتور حسام الجنابي، فقد تحدث إلى «القدس العربي» عن إخفاق الحكومة العراقية في الاستجابة لمطالب المعتصمين. وهو ما دفع بأبناء الرمادي للالتفاف حول تنظيم الدولة واحتضانه. فما يعني المواطن اليوم بعد أن أخفقت الحكومة في توفير الخدمات والأمن، هو من يوفر ذلك لهم «ولا يعنيهم هوية هذه الجهة واتجاهها الفكري، ولا قوتها العسكرية أو قدراتها القتالية. ففي صباح اليوم التالي لسيطرة تنظيم الدولة على الرمادي باشرت الكوادر الفنية التي استنفرها لحل مشكلة المياه، وتم ذلك خلال ساعات فقط رغم الطيران المكثف للتحالف الدولي. كما وفر الوقود لمالكي مولدات الطاقة الكهربائية، وشكل لجانا لتعويض المتضررين جراء العمليات العسكرية وغيرها من الأمور التي عجزت الحكومة العراقية رغم إمكانياتها الهائلة في تقديمها للمواطن العادي، فلماذا إذن يقاتل أبناء المحافظة تنظيم الدولة؟».
استطاع تنظيم الدولة تحطيم الصورة التي عكستها وسائل الإعلام من خلال بناء شبكة علاقات اجتماعية واسعة مع عشائريين وأكاديميين وكفاءات يتم إشراكهم في إدارة شؤون المدينة، «كما أن التنظيم أصبح يتفهم حاجات أبناء المدينة، ويحاول الاستجابة لها في توفير حياة كريمة، وعدم السماح للحشد الطائفي بالدخول إلى المدينة وتنفيذ أجنداته الانتقامية بتهمة الانتماء لداعش»، كما يختم الدكتور حسام الجنابي حديثه لـ «القدس العربي».
ومنذ أسبوعين، أعلنت الحكومة العراقية عن بدء عملية عسكرية كبرى لاستعادة مدينتي الفلوجة والرمادي، وفي حديث أجرته «القدس العربي» مع مصدر مطلع على سير المعارك في الرمادي، قال: «إن معارك الرمادي امتداد لمعارك الفلوجة والكرمة. فالدولة الإسلامية تتعامل معها كمعركة واحدة بالمعطيات، والنتائج، على عكس الحكومة العراقية التي تعامل كل جبهة على حدة، وهذا فشل استراتيجي يبين انعدام المهنية في مؤسسة الحكومة العسكرية، وهي تغفل واقع الترابط السكاني، والجغرافي، بين مدن الأنبار، وقراها، وهو واقع لا يمكن فصله بخطط عسكرية تشتت الجهد، فأهل الكرمة لا يعتبرون انفسهم مختلفين، أو منفصلين، عن أهالي القائم، بل معارك الأنبار كلها معركتهم الواحدة».
أما الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، عمر الفلاحي، فيقول في حديث خاص بـ «القدس العربي»: «ميدانيا يجد تنظيم الدولة نفسه مسيطرا وبشكل حيوي على مراكز المدن، ويحتفظ بخطوط الإمداد، بينما القوات المهاجمة تعاني من طول خطوط الإمداد، وتمر عبر مناطق صحراوية مكشوفة يسهل استهدافها. كما أن غياب عنصر المفاجأة، سيجعل الدروع والآليات صيدا سهلا للمدافعين عن المدن في الأنبار. فتنظيم الدولة الإسلامية لديه تجارب ناجحة بمواجهة ميليشيات الحشد الشعبي. كما أن لديه إخفاقات أيضا، مع التأكيد على أن التنظيم لم يفقد أية منطقة، أو مدينة استراتيجية، أصر على البقاء بها، والدفاع عنها، لذا نجد أن الكفة تميل لصالح تنظيم الدولة بكسب معركة الأنبار إلى الآن».

عبد الله العمري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية