«مدينة الصور» و«صداقة النمر» للعراقي لؤي حمزة عباس… أشكال المتاهة في البنية السردية للرواية العراقية الراهنة

حجم الخط
0

تبدو المتاهة ثيمةً وموتيفاً وشكلاً واستعارةً، ملازمةً لشعرية الرواية العراقية الراهنة، إذ نرى أشكالها تعود بثبات وإصرار في الكثير من كتاباتنا الروائية الحاضرة، بحيث من الممكن القول إن كل شيء أصبح متاهة أو مظهراً من مظاهرها وتجسيداتها.
في رواية اليوم، الكتابة متاهة والحكاية متاهة والذاكرة متاهة والفضاء متاهة والهوية متاهة، ربما لأنّ هذه الأخيرة، بوصفها إطاراً سرديا حداثياً فرضته تعقيدات الحياة وأنتجته روح العصر وأفرزته طبيعة الواقع المعيش، تتراءى للروائي العراقي المعاصر كأحد المجازات الأكثر قدرة على تمثيل خراب العالم، والاستجابة لواقع مختلف، معقد، محفوف بالمخاطر، تتقاطع مساراته وتتفرع سبله وتضيع نهاياته. من وجهة النظر هذه، تبدو المتاهة قالباً سردياً ودلالياً متعايشاً مع شعرية السرد الروائي العراقي المابعد حداثوي، يجد فيه الكاتب العراقي المادة الأولية المفيدة لتدمير وتخريب وتجاوز قوانين السرد، والدلالة التقليدية التي طالما تغنت بها الرواية العراقية الكلاسيكية. ليس من الصادم بعد الآن أن تكون المتاهة أكثر من أسطورة، بل شكلا وموضوعا يقدم نفسه في سردياتنا المعاصرة كموتيف إجرائي يصوغ ويحدد، عن طريق قدراته الشكلية والمجازية الكامنة، المادة السردية والدلالية للمنطق الداخلي للنص التخييلي.
إذا كان الأمر كذلك، يصبح واجباً طرح السؤالين التاليين: كيف تحولت المتاهة من موضوع إلى بنية شكلية؟ وكيف يعبر الروائيون العراقيون عن شعورهم بالبلبلة والقلق تجاه واقع عصي على الاختراق؟ بعبارة أخرى: إذا كانت المتاهة قد أصبحت مظهراً يحكم الديناميك الداخلي للتخييل الروائي لمجمل نصوصنا الراهنة، كيف تعبر عن نفسها وما الذي يميزها؟ ليس من اليسير الإجابة على هذين السؤالين، من دون الاستناد إلى تحليل معمق للنصوص المختارة، يتضمن تحديد الأشكال الموضوعاتية، السردية، الدلالية التي تنتشر بها المتاهة في ديناميك النص الروائي العراقي الراهن، ذلك أن المتاهة شكل ذو أبعاد متعددة، وبصفتها تلك لا يمكن الإحاطة بها إلا عن طريق تسليط وجهات النظر عليها من كل جانب. سيقتصر اهتمامي، داخل هذا المقال، على استعراض شكل واحد من أشكال المتاهة في روايتي الكاتب لؤي حمزة عباس «صداقة النمر» و»مدينة الصور»، وهو ذلك المتصل بالفضاء المديني، تاركاً ما لم أتمكن من التطرق إليه في الوقت الحاضر إلى مناسبة أخرى.

أشكال المتاهة

للمتاهة ثلاثةُ أشكالٍ من الحضور في روايتي لؤي حمزة عباس موضوع البحث: متاهةُ مرتبطة بالفضاء وأخرى متصلة بالذاكرة وثالثة على علاقة بالهوية. ولأنّ رواية الكاتب لؤي حمزة عباس لا تكتفي بمجرد استدعاء فكرة المتاهة، بل تعيد إنتاج بنيتها، يصبح من اللازم أن تقود هذه المجموعة النجمية من المتاهات إلى ولادة متاهة رابعة تشكل مفتتحاً للدخول إلى عصر متاهة الكتابة، حيث تضيع العلامات وتنتهي سلطة أنظمتها عندما تتحول المتاهة إلى مادة أولية لتدمير وتخريب وتجاوز قوانين السرد والدلالة التقليدية للرواية الكلاسيكية.
يكاد لؤي حمزة عباس أن يكون الوحيد من روائيينا المعاصرين الذين يشتغلون، بدأب وجدية ووعي، على هذا المحور المابعد حداثي للكتابة الروائية الراهنة. إن الحضور المعتبر للتهديم والخرق والتخريب لقوانين الأدب التقليدي التي تسيّر شاعرية نصوص الروائي لؤي حمزة عباس تؤكد تماماً انتماءه إلى فلسفة ما بعد الحداثة. لهذه الأسباب ولكثير غيرها، لا أجد مانعاً من التصريح بأن الرواية التي يكتبها لؤي هي الرواية العراقية الجديدة.

متاهة الفضاء

عموماً، يتسم الخطاب الجمالي للرواية العراقية المعاصرة بتخصيص حضور جوهري للفضاء في سلّم تراتبيات عناصر النص السردي الروائي، يتجاوز أحيانا المساحة التي تحتلها باقي وحدات القص البنائية. هذه الملاحظة العامة لا تنفي وجود كثير من الروايات العراقية التي تتحرك على ضفاف التخييل المرجعي، وفق أساليب فنية كلاسيكية تحرم المكانَ المحلي قوةَ الفعل وحيويتَه، لتجعل منه إطاراً فارغاً ذا أبعاد تقليدية تنحصر بمجموعة تكاد تكون ثابتة، من المواصفات التي تقف غالباً عند حدود الجمع الآلي لملامح المكان وسماته العامة جداً. بالنسبة للروائي لؤي، فإن الخطاب السردي لنصه قائم، في جانبه الفلسفي، على ظاهرية غاستون باشلار، التي ترى في المكان مصدراً لمعرفة الذات. أما في جانبه الفني فإنه مبني على رؤية جمالية تدرك دور المكان في حركة الحدث الروائي وقدرته على تمزيق المشهد السردي، أو في لملمته وخلق وحدته وتوجيه التطورات التي تعتري النص بمستوياته الحكائية والبنائية.
في هندسة النص السردي لروايات لؤي حمزة عباس، يبرز المكان فاعلا حيوياً يلعب دوراً يتعدى مجرد كونه أحد مُسنِدات المتن الحكائي ليشكل وحدة عاملية (بتعبير غريماس) وموجهاً سرديا يتحدد بحسب ولادته ونموه شكلُ العمل الروائي، فضلا عن الكثير من معطياته الدلالية. تجب الإشارة إلى أن العلامات المكانية ملحوظة في سرديات لؤي حتى في العناصر الما قبل نصية مثل الغلاف والعنوان «مدينة الصور»، مثلاً.
تنقسم أمكنة لؤي حمزة عباس إلى قسمين رئيسين: ثابتة صغيرة (بيت، غرفة، مصعد، سجن) ومتحركة كبيرة (باص، قطار، سفينة، نهر). هذا التضاد في نوعية معمار الأمكنة لا يمنع من اشتراكها في بناء عالم متعدد الأشكال ومعقد، يفتح مسارات ممكنة تسمح بتشييد فضاءات مكرسة للتيه والضياع. من أجل إدراك ذلك يكفي، انطلاقا من بعض الأجزاء النصية، محاولة استخراج الفضاءات المختلفة المتاهية للنصوص في العالم التخييلي للروائي لؤي حمزة. في رواية «مدينة الصور»، فإن المتاهة في المكان تعلن عن نفسها منذ العتبات، حيث تتجسد في عنوان ديوان الشاعر سركون بولص «الوصول إلى مدينة أين» والمقطع الشعري الذي اختاره الكاتب ليتصدر روايته:
وهكذا التقطت خيط الرحلة من التراب بأسناني
واستغرق وصولي إلى بيتي ألف ليلة
وليلة

ينبئ هذا التصدير بالصورة التي ستكون عليها المدينة في رواية «مدينة الصور» المقسومة، مثل سكك الحديد (ص 34، 51)، إلى مخططات تتقاطع وتشتبك (ص 43) ذات خطوط منحنية الأضلاع وملتوية بكيفية تسبب تشوشا تزيد من درجته جولات وانعطافات السارد في المدينة، وهو يبحث في تاريخها المخبوء والمكشوف داخل ديكور يشبه المتاهة من حيث عدم تناسقه وخلوه من نقاط الدلالة، ما يحوّل تجوال السارد في هذه المدينة إلى سير منهِك وبلا نهاية عندما تتشابك أسواق المدينة وساحاتها وشوارعها الغامضة التي تقترب في مجملها من حلقة يتعذر حلها، مؤلفة من أماكن تختلط ببعضها وتتضاعف بلا توقف.
يتعلق الأمر إذن بفضاء مديني له من الصفات ما يجعله يشبه المتاهة من حيث مظهرها الشكلي. غير التجوال داخل المدينة الكبيرة في «مدينة الصور»، تتخذ المتاهة المتصلة بالفضاء شكلاً آخر يستدعيه الكاتب بمهارة، عن طريق العزلة والحبس الاختياريين لأكثر من شخصية سردية (صفاء وكريمة، مثلاً) في غرفة مغلقة تعتبر ملجأً أو مكاناً أكثر أمناً. تجب الإشارة إلى أن تمثيل الغرفة المغلقة الذي يبلور ثيمات الوحدة والحبس يضاعف من حضور المتاهة المكانية المرموز لها بهذا الفضاء المحدود، الذي يشكل في الوقت عينه ملجأ وسجناً. معلوم أن الوحدة والانعزال في هذا الفضاء المغلق تذكّران بالحبس داخل جدران متاهة، مما يعني إمكانية عدّ الغرفة/الملجأ موتيفاً مجازياً للفضاء المتاهي.
في «صداقة النمر»، يتأكد وجود هذين الفضائين اللذين سبق ذكرهما وعلى وجهين: الأول، الأقل وضوحاً، والمتمثل بالمدينة الكبيرة (فضاء مفتوح). والثاني، الأكثر عمقاً، البنايات المتكونة من نوافذ وأبواب وممرات وسلالم (مكان مغلق).
التلميحات العديدة التي تتضمنها هذه الرواية إلى المدينة بأزقتها التي لم يرها السارد من قبل (ص10) وممراتها المعتمة (ص 26) والسلالم التي تتقاطع وتختلط ببعضها، الغرف، الأبواب والجدران التي تتشابه تسمح بالبرهان على أن هذا الفضاء المحروم من الضوء الذي توجد فيه الشخصية يحدد عالم المتاهة التي تنزع، في أشد صورها تمثيلاً، إلى الحبس والانقطاع وعدم الحركة، وما ينتج عن ذلك من قلق وتشوش تفرزهما المتاهة. في «صداقة النمر»، تشبه المدينةُ المتاهة من حيث مظهرها الشكلي، فالشوارع مسدودة والطرق بلا نهايات، هدفها تضليل خطوات الشخصية والسارد والقارئ. أضف إلى ذلك، أن تداخل الشوارع الطويلة المتشابهة جميعا، وحضور الواجهات المتماثلة والتقاطعات التي تشبه بعضها، يجبر الشخصية والسارد والقارئ على أن يمكث بلا نتيجة في المتاهة. إن هذه المدينة الواسعة التي تبدو في «صداقة النمر» تشبه تشابكا من فضاءات غير مستقرة، متحركة ومتشظية تكون فيها كل محاولة لتحديد نقاط دلالة آيلة إلى العدم.
من الواضح أن المتاهة واحدة من الموتيفات الأكثر قدرة التي يتمتع بها الكاتب المابعد حداثوي لؤي حمزة عباس من أجل رسم الفضاءات المرجعية لتخييلاته. في كلتا الروايتين، يتوقف الفضاء المديني عن أن يشكل نسيجاً عضويا تتداخل فيه الأجزاء مع المجموع، ذلك أن المدينة عند لؤي حمزة لم تعد تملك مركزاً موحداً أو هرمية واضحة ولا مخططاً طوبوغرافياً ثابتا لأنها مقدَّمة على هيئة فضاءات من الانسياقات والانحرافات، من التكرار ومن التيه التي لا يتمكن السارد أبدا ولا القارئ من أن يفسر منطقها ولا أن يفهم بنيتها.

كاتب عراقي

حسن سرحان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية