الرباط ـ «القدس العربي»: شكلت التجربة الإبداعية للشاعرة المغربية أمينة المريني محور يوم دراسي نظمته السبت المنصرم في مدينة فاس «حلقة الفكر المغربي» بدعم من المديرية الجهوية للثقافة في فاس ومؤسسة مقاربات للنشر والصناعات الثقافية، وبتعاون مع كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراس في فاس.
تضمن اللقاء قراءات وشهادات في حق تجربة الشاعرة المحتفى بها، كما ألقت هذه الأخيرة كلمة عبّرت فيها عن تقديرها وشكرها للجهة المنظمة لليوم الدراسي وللمشاركين فيه، وتحدّثت أيضا عن الاقتناعات الأساسية التي تحكم ـ باستمرار ـ تجربتها الأدبية في السياق العام، فقالت: «لقد فضلت البساطة والقناعة، لذلك تغلبت على مغريات الحياة، فعشت مترعة بالسعادة والرضا، وامتدت قناعتي إلى كل جزئيات حياتي، فلم أتملق ولم أتسلق ولم أتساقط كالفراش أمام الأضواء.» وأضافت قائلة: «قد يُخيّل للبعض أنني ضيّعت منافع، لكنني لم أتحسر قط على أمور يملكها الخالق فقط قبل المخلوق». وأعربت عن اعتقادها بأن الأديب يجب ألا يطوي المسافات، ويدخل أي نفق، بل الأولى أن يقيس مواقع أقدامه، وأن يسير بحذر وببطء، على أن تكون خطواته محسوبة بمقياس الأخلاق».
وتابعت: «أشفقت كثيرا على أدباء لبسوا حالات فوق حالاتهم، فإذا بهم يتجاوزون حدود المنطق، ويدوسون على مجايليهم، ويركبون على أي موجة قد تحملهم بعيدا، لكنهم لم يسيروا قيد أنملة. أشفقت أيضا على أدباء مهرولين إلى منعكسات الضوء الخابي، لأن الذي يبقى هو النص. الكراسي تزول والوجوه تحول، ولا تخلد إلا سطوة القلم»، ثم تطرقت إلى الوسط الذي ولدت وتربّت وترعرت فيه، وأيضا إلى وسطها المهني في نطاق التعليم، حيث قالت: «ولدت ونشأت في أسرة بسيطة بفاس القديمة، ليس لها من رصيد سوى مجد تليد يتردد عبر أصداء الزمان. وتربيت في بيئة ودودة متماسكة تعتبر الأخلاق رأسمالها الوحيد، وقضيت سنوات شبابي وقسطا من كهولتي مربّية كادحة مخلصة مقدّرة من تلاميذي ورؤسائي ومفتشيّ، محسودة من بعض زملاء المهنة، وتلك ضريبة أخرى بداخل هذه المرأة».
وكشفت عن أنها تشرّبت الشعر من عيون كثيرة بعيدة الغور، بسيطة مدهشة مفرحة ومحزنة، فكانت لها مددا جميلا كلما نابها ظمأ الحياة؛ مشيرة إلى أنها خاضت حروبا شتى، بعضها بارد وبعضها معلن، وظللت دائما ضد كل أشكال التمييز، خصوصا بين المبدعين، هذا التمييز الذي لوث الحياة في الثقافة والإعلام وغيرهما، ووهب غير المستحقين فرصا ما، وتجاهل البعض الآخر عنوة؛ على حد تعبيرها. وأوضحت أنها تصدّت لهذا الأمر بالتجاهل والترفع تارة وبالمواجهة تارة أخرى، من منطلق اقتناعها بأن الكرامة أهم ما يملكه الأديب، غير أنها لم ترم سلاح الحب قط.
الشعر صقل للروح
بعد ذلك، تحدثت أمينة المريني عن تجربتها الشعرية من خلال دواوينها، معتبرة كل ديوان أصدرته صدى لمرحلة من حياتها. وقالت بهذا الخصوص:
ـ «ورود من زناتة» كراسة تمارين شعرية، جمعت فيها قصائد طفولتي الشعرية، وقد وجهها حينها شيخي حسن الأمراني بما يفيد متعلمة ما زالت تحبو في روضة الشعر.
ـ «سآتيك فردا» صدى لفترة روحية مترعة بنور جارف، وكنت عائدة أثناءها من أقدس البقاع، فكانت الثلاثيات استعدادا للخروج من نفق القصيدة إلى رحابة الشعر، وإيذانا بميلاد الاتجاه الصوفي في شعري، وقد وجهني حينها شيخي محمد علي الرباوي.
ـ «المكابدات» ثم «المكاشفات» انعتاق من صخب القصيدة وضوضاء اللمّات الشعرية والساحات الطلابية الساخنة التي جعلتني مرصودة تحت عيون وأنوف كادت تؤاخذني بما لم أضمره مطلقا، لولا تدخل طيّب الذكر الأستاذ عمر بلشهب (مدير اذاعة فاس الجهوية) الذي سلّني مما بُيّت لي كما تسلّ الشعرة من العجين، وكنت أثناءها أعد برنامج «واحات شعرية» للإذاعة نفسها. نعم، تحررت من الصخب، وانكفأت أتأمل نفسي وتجربتي، وأحاول أن أخط لنفسي مسارا جديدا، وقد غدا الشعر مع الديوانين صقلا للروح واجتياحا للمطلق بعيدا عن صدأ الوجود، وتحررا من واقع بئيس ومن أسره المادي الميؤوس منه، من أجل الوصول إلى الأسمى والأرفع.
تحديات النص الصوفي
خلال حديثها عن التحديات التي يطرحها النص الصوفي، أوضحت الشاعرة أن هذا الأخير أصعبَ أنواع الكتابة الشعرية، لأنه ـ برأيها ـ يمثل لحظة توتر بين الذات والآخر، بين الآني والآتي؛ مع الانتباه إلى التحرر من الأيديولوجيات، والإبقاء في الوقت نفسه على ما يخدم الحق منها، ثم مراعاة دور اللغة في التعبير عن العصي والخفي والقصي الشائك من نبض الروح في صبواتها العليا الفاتنة. كلها تحديات يجدها كاتب النص الصوفي يصهرها في بوتقته الخاصة، على ألا يكون متصاوفاً من أجل أن يحقق الغريب والمختلف والجديد مما لا يكرره الشاعر، فلا يطويه في طيات الابتذال والنسيان. وذكرتْ أن ديوانها «ومنها تتفجر الأنهار» الذي نشرته وزارة الأوقاف الكويتية، هو تجميع لقصائد مختلفة لم ينتظمها ديوان، وقالت أمينة المريني: «الحقيقة أن جزءا من هذا الديوان كان يدخل ضمن «ديوان عاشقة» الذي نلت عنه جائزة الرابطة ولم يصدر، بعد أن اختلفت مع الرابطة حين أرادت أن تحذف مقدمة نقدية للأديب المرحوم فريد الأنصاري».
أما بخصوص جديدها الإبداعي، فأفادت الشاعرة أنها بصدد إعداد ديوان للنشر تحت عنوان «خرجت من هذه الأرخبيلات»، وهو ديوان فاس، المكان الصوفي بذكرياته وملامحه القديمة وشخوصه وأبوابه، وقد لملمت خيوطه من أرخبيلات فاس الفاتنة التي ظلت مرتعا ومعرجا للروح، على حد قولها.
الطاهر الطويل