بكل الصدق: لنرى كم من الوقت سيبقى الشعور بالصدمة الذي يبديه العالم المتنور حاليا من الصور القاسية التي خرجت أمس من بلدة خان شيخون في شمال غرب سوريا. والصور حقا عسيرة على الهضم. وقد عرفت المعارضة كيف تختار صور الاطفال، سلسلة طويلة من الوجوه المكشوفة للكاميرا للحظة ما بعد الموت خنقا. رأيناهم متدثرين بالبطانيات، والمصور يرفع الرأس المنهار للطفل الميت أجعد الشعر، ابن 9 او 8 فقط. وتتنقل الكاميرا إلى أبناء العائلة الذين اختنقوا كلهم حتى الموت: أبوان، جد وجدة وثلاثة اطفال صغار متدثرون بذات البطانية.
حسب الدفتر المفتوح لمعارضيه، فإن هذه هي المرة الاربعين التي يسمح بشار الأسد لنفسه (ونذكر انه طبيب في اختصاصه) بأن يهاجم بسلاح محظور الاستخدام. يمكن الافتراض بأنه هو نفسه يجلس في «قصر الشعب» ويرى الصور دون أن يقشعر بدنه. لقد أخرجت الامم المتحدة غاز السارين عن القانون قبل اكثر من عشرين سنة، والأسد على حاله، يستخف ويكذب. وأمس بعث بالناطقين بلسانه ليعلنوا أن «لسنا نحن من قصف»، وكذا «ليس لدينا على الاطلاق سلاح للدمار الشامل». العالم استاء في المرات السابقة، الإعلام صدم، الشخصيات العامة قالوا انه «يجب عمل شيء ما ضد مجرم الحرب». وفي نهاية الامر، الأسد لا يبقى فقط بل يتعزز على حساب حياة الاطفال، النساء والشيوخ.
رئيسان في البيت الابيض وقعا في فخ بشار. اوباما بعث بوزير الخارجية كيري ليصاب بالازمة حيال المذبحة الفظيعة بغاز السارين في حلب وحمص وللتحذير من أنه «يجب ازاحته». وفي الغداة، ندم اوباما. في نهاية الاسبوع أعلنت سفيرة الولايات المتحدة في الامم المتحدة، نيكي هيلي، باسم ترامب، بأن اسقاط الأسد ليس في قائمة الاهداف المفضلة لدى البيت الابيض. فداعش ملح له أكثر. صورة جثة البغدادي تخلق عناوين رئيسة. ترامب، مثلما بدا هذا حتى يوم امس، غير معني بالتوط مع بوتين، حامي الأسد.
القصور يربض على كتفي اوباما ـ ترامب اعطى له تذكيرا أمس ـ بأنه رفض تبني منظمات الثوار، تسليحها والمبادرة إلى خطوة تؤدي إلى توحيدها. صحيح أنه توجد مشاكل غير بسيطة مع الثوار ضد بشار، ولكن المسؤولية الكبرى، عشرات الاف الاطفال الذين قتلوا واصيبوا، ملقاة على ضميره. هذه المسؤولية تنتقل الان إلى ترامب. 100 قتيل، عددهم قد يرتفع، 400 مصاب بشدة ـ وانهيار النظرية التي تقول انه لا يوجد للأسد، الذي وقع قبل ثلاث سنوات على اتفاق منع استخدام سلاح الدمار الشامل، غاز ولا توجد سموم. السؤال هو كم من الوقت ستستمر صدمة ترامب واذا ما قرر انه في هجمة امس تم اجتياز الخطوط الحمراء. ليس مؤكدا على الاطلاق.
تكشف الحرب الفظيعة في سوريا العالم المتنور في حالة مقلقة. وينكشف عمق الصدمة في كل مرة كموضوع مطاط، مؤقت، مع مدى عمر قصير. صدمت، هدأت، نسيت. في الكرملين سارعوا امس إلى الدفاع عن بشار. كما ان روسيا تدعي بأن طائراتها لم تشارك (توجد صور تشهد على أن طائرات الهجوم كانت من انتاج روسيا) في القصف الرهيب. كم فظيعا أن هذه الطائرات واصلت مطاردة سيارات الاسعاف التي نقلت مصابي القصف إلى معبر الحدود التركية. واولئك الذين نجوا في بلدة خان شيخون لم ينجوا من المفاجأة السيئة التي كمنت لهم في معبر باب الهوا، في الطريق إلى العلاج الطبي.
والان لنرى ماذا سيفعل ترامب. فقد علق في وضع مركب: من جهة لا مصلحة له للصدام مع حليفه في موسكو، من جهة اخرى لا يمكن مواصلة اغماض العيون في ضوء مشهد جثث الاطفال. من جهة ثالثة كشف الأسد امس عن ترسانة السلاح الكيميائي. ومن جهة بشار: اذا واصل العالم الصمت، اذا لم يتدخل العالم، اذا سمح ترامب لهذا الامر الفظيع ان يمر، فإنه سيواصل ذبح ابناء شعبه.
يديعوت 5/4/2017