من «نيويورك تايمز» حتى الصحف وقنوات الإعلام الكثيرة في العالم، حتى في إسرائيل، انطلق الأسبوع الماضي تنفس للصعداء رافقه أيضا هزء باليمين السياسي: فهو ليس مسلما! واو! يتبين أن القتل الجماعي في لاس فيغاس تم على يدي «مجرد» مجنون، ستيفان بادوك، ولا حاجة للأن يكون جهاديا كي تكون مذبحة بلا رحمة.
أناس كثيرون جدًا يعنون بالاعتذار بلا توقف. فقد قفزوا على فكرة أنه «ليس مسلما» كلقية. فها هو جاء لهم دليل بأن لا صلة بين المسلمين والمذبحة. محقون. ولكن فرحتهم الهازئة تكشف عن شيء ما أعمق بكثير. فهم يعانون من العمى. فيما يقفز فرحًا. عندما ينفذ شخص «ليس مسلمًا» مذبحة فإنه يبقي بشكل عام على الصمت، عندما ينفذ «مسلم» مذبحة ينبغي النظر إلى الواقع كما هو من دون نظارات «اليمين» أو «اليسار» التي لا تشوش الرؤية فقط، بل التفكير أيضا.
أولا، كل شهر، في السنوات الأخيرة يقتل بين ألف وألفي شخص على أيدي منظمات الجهاد. ولا يدور الحديث عن قتلى حروب. يدور الحديث فقط، وحصريا فقط، عن أعمال إرهاب. معظمها لا يبلغ عنه الإعلام الغربي، لأن هذا لا يهم حقًا إن يُقتل ثلاثة أو خمسة أو عشرات في نيجيريا، في الصومال، في أفغانستان أو في الباكستان. قبل أسابيع غير عديدة نفذت شابتان مسلمتان عملية انتحارية في سوق يعج بالناس قرب مخيم لاجئين في نيجيريا. كل الضحايا كانوا مسلمين. أما عدد التقارير في وسائل الإعلام الغربية فكانت تقترب من الصفر.
ثانيا، في مراحل معينة كانت المسيحية أكثر إجرامية بكثير من الإسلام، وحتى لو اجتهد الإسلام، لن يصل إلى الفضائع التي نفذت مثلا في الحملات الصليبية. كانت هذه مذبحة لا رحمة فيها بحق جاليات يهودية كاملة. فقد أحرقت كنس بنزلائها. وفي حرب الثلاثين سنة، في إطار معركة دموية بين الطوائف المسيحية المتخاصمة، ذبح المسيحيون الواحد الآخر بكميات تجارية بحيث أن الصراع بين الشيعة والسُنة بدت إلى جانبها لعبة أطفال. الموضوع هو أن المسيحية شفيت من صناعة الدم، أما الإسلام فبعيد عن الشفاء.
ثالثا، مثلما كان معظم ضحايا الإجرام المسيحي ذات مرة مسيحيين، فإن معظم ضحايا المسلمين اليوم هم أيضا في غالبيتهم المطلقة، مسلمون. فالأحداث الإرهابية في الغرب تشكل نسبة طفيفة من الإرهاب اليومي الذي يعاني منه المسلمون أنفسهم: في 2016 قتل 21.245 شخصا، غالبيتهم الساحقة مسلمون. أما الحدث الإرهابي الأخطر في الغرب فكان في نيس، عندما اندفعت شاحنة في يوم الباستيل نحو الجمهور المحتفل.
رابعًا، مع عدم الاحترام للمجنون من لاس فيغاس، ينبغي لنا أن نتذكر ما كتبه مسلم شجاع، هو عبدالرحمن الراشد، المحرر السابق لصحيفة «الشرق الأوسط»: ليس المسلمون كلهم إرهابيين، ولكن أعمال الإرهاب كلها تقريبا ينفذها مسلمون. وكان كتب ذلك في 2004، ومنذئذ والوضع يتفاقم فقط.5
خامسا، يمكن الافتراض بان مسلمين كثيرين يعرفون أنه في كل مكان يرفع فيه الإسلام المتطرف الرأس، سواء كان هذا في الجاليات في الغرب أم في الدول الإسلامية، فإن الدمار، القمع والخوف هي النتيجة المحتمة. المشكلة ليست فقط الإرهاب، بل يدور الحديث أيضا عن قمع النساء والانعزالية التي تترك المسلمين متخلفين. أما الشجعان من بينهم فيخرجون في كفاح علني. ولكن رجال القوى التقدمية، بشكل عام، يديرون لهم الظهر. فهم يرفضون المشاركة في حملة الكراهية ضد الغرب أو الصهيونية. وبالتالي فإنهم غير جديرين بالتأييد.
مشكوك في أن يكون يميني، واحد أعرب عن خيبة أمله من أن القاتل في لاس فيغاس لم يكن مسلما. ولكن واضح تماما أن تنفس الصعداء لبعض من الناطقين بلسان اليسار يدل على شيء أخطر بكثير وذلك لأنه عندما يكون مال هائل لا يزال يضخ من السعودية ومن قطر لتمويل مساجد وأئمة متطرفين، وعندما يكون المثقفون من قوى التقدم يمنحون تفسيرات وتعليلات للجهاد. وبعضهم يعرب عن عطفه لحماس ولحزب الله، وحين يكون التأييد في أوساط المسلمين للجهاد أو لفرض قوانين الشريعة سواء في الدول الإسلامية أو في الغرب يتمثل بنسبة غير هامشية ـ فإن الجهاد يمكنه أن يستمر ويعتمد على سذاجة قوى التقدم. فهي ستكون هناك دوما كي تقدر الناس. ستكون دوما هناك كي تقول لا مشكلة. ولمشاكل من هذا النوع يوجد ميل غريب. كلما تجاهلناها أكثر كلما غرقنا أكثر في النكران، فإنها تكبر أكبر فأكبر.
يديعوت 9/10/2017