شهدت مرحلة التسعينيات أحداثا جسيمة زادت من معارضتنا كطلاب في الجامعة الأردنية لسياسات النظام الأردني والسلطة الفلسطينية على حد سواء، وقعت أوسلو ووادي عربة، وتنامت عمليات المقاومة الفلسطينية في الداخل وعلى رأسها عمليات المهندس عياش، وتم اغتيال واعتقال عدد كبير من قيادات المقاومة، كثمرة لبند التنسيق الأمني مع العدو.
وفي الأردن أتت عملية «سليمان خاطر الأردن» عنصر حرس الحدود الأردني أحمد الدقامسة في منطقة الباقورة الأردنية( المستردة )، والتي كانت تخضع حسب اتفاقية وادي عربة لإشراف أمني أردني في حين أنها مؤجرة للاحتلال الاسرائيلي، بإطلاق النار على سبع مستوطنات ومجندات احتياط اسرائيليات وسائقهن،… لم تمح ذاكرتي المحاكمة العسكرية العلنية التي بثها التلفزيون الرسمي للدقامسة لأنه ( خان شرف الجيش العربي الأردني )!!، رحل الملك حسين وبدأ العهد الجديد، حيث أصدر فيه حزمة من القوانين للحد من تأثير وقوة الإسلاميين، وكان من أسوأ هذه القوانين ما عرف بقانون الأوقاف والذي يفرض على أي مسجد خاص أو دار للقرآن الكريم أن يكون القائم عليها معينا من قبل السلطات، لتبتلع كل البؤر المعارضة للسلام مع العدو، وأنشأت ما كنا نسميه مساجد الضرار لمكافحة تمدد التيار الإسلامي المعارض للسلام مع العدو، والذي يحرض على المنابر ضد الاحتلال.
كنا ونحن طلاب نتندر على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ونلقبها بوزارة (الإتلاف والشؤون الإجرامية! )، نظرا لنشاطها الأمني الطاغي على دورها الإصلاحي!، حيث كانت تعين عناصر أمنية ترتدي الجبة والعمامة، وتشن على المعارضين للسلام مع العدو حربا أمنية صامتة.
تخرجت من الجامعة وأردت ان أتعلم القيادة، أبي كان رجلا غنيا وكريما ويحترم المرأة، ويحرص على حرية المذهب السياسي والديني الخاص بكل فرد منا، ومع ذلك لم يكن ليشتري لي أنا بالذات سيارة، لأنه يعتقد انني لا أعرف الخوف وعديمة التركيز ولدي نوايا شغب لا يثق بها، كما رأى أنني فتاة رياضية تتحمل شظف المواصلات!، فاشترى السيارة لأختي المتزوجة التي تكبرني بسنتين شفقة عليها كونها من النوع المسالم، أما أنا فدفعت ثمن لمعة الهجوم في عيني والتي كان أبي يتوجس منها شرا!!.
سافر الوالد خارج البلاد ليعمل، وقررت أن أتعلم القيادة، كانت قيادة السيارة واحدة من بنود برنامج تدريبي مدني ألزمت نفسي به منذ الرابعة عشرة للانخراط في المقاومة الفعلية يوما ما ضد العدو، اشتركت على الفور في المسابقة الهاشمية لحفظ القرآن الكريم على مستوى العالم الاسلامي لأحصل على المبلغ النقدي الذي يمنحني فرصة التدريب على القيادة، !، كنت أمقت أن أشترك في هذا النوع من المسابقات واعتبره ضربا من الرياء الذي لا داعي له، فلماذا يستعرض حافظ لكتاب الله مواهبه أمام الجمهور؟!، كما إنني لم أكن مسرورة لأنني معارضة للسلطات التي تحارب معارضي السلام مع اسرائيل، وكنت خائفة من الله تعالى بعد أن أتممت حفظ كتابه أن أخون أمانته بأن يتم استعمالنا كواجهة لتلميع وجه النظام الذي يشن علينا في الحقيقة حربا صامتة لاجتثاث المعارضين للسلام مع العدو، ويحاول أن يظهر بوجه متدين، عبر استعمال النسب إلى البيت النبوي، المهم دخلت إلى التصفيات النهائية وحصلت على المركز الأول وحان موعد الإحتفال بالفائزين، لم أتصور أنني من الممكن أن أتسلم جائزتي ممن رعى هكذا معاهدة!، استيقظت امي رحمها الله سعيدة جدا يوم الاحتفال، أما أنا فكنت منقبضة الفؤاد، قلت لأمي محتالة : يا حجة ما رأيك لو ذهبت واستلمت الجائزة نيابة عني أنا تعبانة وقلبي منقبض!، نظرت إلي بشك فهي تعلم تماما أن دوافعي ليست نزيهة، وقالت لي ألم تقوليأنك ستجعلينني فخورة بك هيا، توسلت إليها بلا جدوى بعد أن البت الحاجة رحمها الله كل أخواتي في المهجر علي، ولم أشأ أن أكسر خاطرها لكني عزمت على أن أبرها وأصون أمانة الكتاب العزيزمهما كان الثمن!.
امتلأت القاعة بأكثر من 500 متفرج، وجلسنا نحن الأوائل على منصة مهيبة على المسرح، حيث حضرت كبار الشخصيات في أول صفين، وكان التلفزيون يصور الحفل، من سيكرمنا هو وزير الأوقاف، وكان رجلا عالما شديد الدبلوماسية والذكاء يحمل درجة أستاذ دكتور، إلا أنه كان من علماء السلطة، ألقى كلمة جاء فيها كل ما تشاءمت منه!، وبدا بتلميع السلطات: فقال إنه ليس غريبا على نظام ينتمي أفراده إلى عائلة النبي أن يرعى حفاظ القرآن الكريم، كنت قد أصبحت اشبه بقنبلة موقوته!، لقد شعرت كما لو أنني مسحت حذاء السلطات المتصالحة مع العدو الإسرائيلي بصفحات الكتاب المجيد، استخرت الله في سري، وقد بلغ قلبي حنجرتي لم أكن خائفة بتاتا من السلطات، لكني كنت خائفة من الحاجة أمي!!، اوهي امرأة قروية حازمة، ماذا ستفعل بي، وكيف ستستوعب ذلك !!، استلمت جائزتي من يد الوزير، وذهبت إلى أمي فورا بين الحضور وسلمتها الدرع التكريمي، وعدت إلى المسرح وسألت المذيعة التي تذيع أسماءنا هل تسمح لي أن أوجه كلمة للوزير، فسألته إن كان لديه وقت؟ فرحب ظانا أنها كلمة شكر!، ما زاد من خفقات قلبي وكاد وجهي ينفجر من حرارة الدماء التي هربت إليه من الإنفعال عندما قالت على الملأ: (لقد أبت احدى الفائزات إلا أن توجه كلمة شكر لمعاليكم!!)، بلغ قلبي حنجرتي تقدمت في ثبات نحو المايكريفون وأنا يكاد يغمى علي من التوتر وأشعر بغضب مكتوم وخوف من أمي إن فعلت وخوف من الله إن سكت!.
كان ريقي ناشفا، ما إن بسملت حتى هدأ روعي وقلت: إني الطالبة الفائزة الأولى في مسابقة حفظ القرآن الكريم على مستوى العالم الاسلامي، وأنا لم أقف يا حضرة الوزير هنا لألقي كلمة شكر!، لقد قلت في كلامك ومن اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا!، وإن من أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، فعلام تمدح أولئك الذين فتحوا الخمارات علنا في شوارع عمان، وحرسوا حدود إسرائيل منذ الستينيات؟!!، وإني كحافظة لكتاب الله متنازلة عن الجائزة التي لا أتشرف باستلامها منكم والسلام عليكم ورحمة الله، وعدت بخطى واثقة إلى منصة الأوائل في تحد سافر للوزير، ووضعت ساقا على ساق وتكتفت في انتظار ما سيقوله، فقد كنت أعرف أنه رجل ذكي سيحاول أن يرد علي فقال مبتدئا كلمته: هذه لا تمثل حفاظ القرآن الكريم في المملكة!! والله قال لموسى عن فرعون ( فقولا له قولا لينا! )، وهذا المقطع سرني بالطبع فهو تشبيه ضمني لم ينتبه له سيادته للسلطات بفرعون!.
ثم قال مدلسا على الناس: إن النبي وقع صلح الحديبية مع العدو!، متجاهلا أن صلح الحديبية هدنة ووقف اطلاق نار وليس زواجا كاثوليكيا مع سلطات صهيونية تحتل القدس!، كما هو وادي عربة!، وخلتني جيشا عندما هيأ الفتوى لاتهامي بانني منظمة!واستعمل عامدا واوالجماعة!!، (هؤلاء المدسوسون المحسوبون على جهات خارجية!) وهكذا حولني من أنا إلى هؤلاء!!، وانا التي لم أنتم طوال حياتي الجامعية لاي حزب سياسي، فهمت الرسالة جيدا، نزلت بعد انفضاض الحفل لتقول لي المذيعة بنقمة صارخة في وجهي: ( ماذا فعلت هل حررت القدس يعني!!)، نظرت إليها بكل لؤم وثقة ولم أكلف نفسي عناء النقاش و هززت رأسي وقلت لها بثقة وتحد وهدوء : نعم!، أعجب ما رأيته أن أمي كانت هادئة كأن على رأسها الطير، وظننت أنه أثر سلاحي الكيميائي عليها وأعني به الدعاء أن لا تنتقم مني عندما أعود إلى البيت!
كاتبة فلسطينية
غادة الشاويش