بعد أنْ فشلت الثورات في أنْ تصنع بطولاتها الثقافية، وبعد أن أدرك الشعراء فداحة الكآبات القومية، صار علينا – نحن القراء المتورطين بوعي الشعر ـ البحث عن زوايا أخرى، وعن أفقٍ آخر، وعن استعمالات يمكن أنْ تُعطي للقراءة نكهة مفارقة، وللمكان القومي لحظة غامرة من الأمان.
خارج ألفة هذا المكان تبدو الوجوهُ قلقةً، واللغةُ مغلولةً إلى أكثر من قناع، والشاعرُ يحاول أن يفرض استعاراته على الآخرين، لكن الآخرين يعرفون- أيضا- أنّ في تلك الاستعارات الكثير من الخيانات والكثير من الزيف.
لعبة الشاعر في المواجهة فقدت الكثير من بريقها، فما عاد يمكنه أن (يفكّر مثل شجرة) كما يقول عبد العظيم فنجان، أو أنْ يدرك الغواية بحثا عن وجه خامس (مسلّة الأنا) كما يقول شوقي عبد الأمير، حتى لا تقتله الشهوات أو الانتظارات العاطلة، أو أنْ يكون وحيدا كذئب الفرزدق كم أراد أنْ يكون أمجد ناصر ذات قصيدة، أو ربما أنْ يركبَ قاربا إلى ليسبوس ليرثي بناتِ نعش كما فعل الشاعر نوري الجراح.
شعراءُ المحنة لا يلملمون الأسلحةَ، بل يحصون الخساراتِ، ويكتبون المراثي، لا شأن لهم بما تساقط من الثوراتِ المعطوبة سوى أحلامهم، فتلك الثورات لم تعد تخصُهم، مثلما فقد الشأن بالفلسفات الكبرى فهي لا تُفضي سوى للأسئلة الفاجعة، حيث الشك والوجع والقطيعة والفقد.. ما بين الثورات والأسئلة ثمة شرخٌ قوميٌ وأخلاقيٌ كبير، لا أحدَ يفكرُ بردْمِه، أو بالسيطرة على حافاته السياسية والثقافية والعقائدية الحادة، ربما لا يملك الشعراءُ تقاناتِ الردْم، ولا حتى شجاعةَ مواجهةِ التاريخ المسكونِ بالحُفرِ والشروخ والأخطاء، فالشعراء الآن خارج اللعبة، والأصوليون والفقهاء والطغاة وفرق الموت اشتروا الكثير من (اللغة) والكثير من الاستعارات والبلاغات التي يمكنها أنْ تمارس سلطة التحريم والتكفير خارج بداهة القواميس التي ورثنا غبارها.
السؤالُ الأكثر مرارة هنا لا يكمنُ بالبحث عن خلاصٍ شعريٍ من محنة تلك الاستعارات المغشوشة، بل بالبحث القاسي عن الخلاصِ الأنطولوجي، حيث الخلاص من رثاثةِ الأفكار، وهشاشةِ البنى الذي تحولتْ إلى سجون ورهاب الرئاسات والزعامات والأيديولوجيات التي تحولتْ إلى بيوتٍ للأشباح.
قرأتُ في كتاب «غير المألوف في اليومي والمألوف» للناقد ياسين النصيّر ما جعلني على قلق بأنّ الشعرَ خرج تماما من تلك اللعبة القديمة، ومن (وادي عبقر) الأسطوري، إذ يمكنه أنْ يكون- الآن- هذيانا في زاوية أو رشّة غبار على طاولة، أو (وثيقة شعرية) للتدوين البراني، فهو لم يعد ديوانا للعرب، وربما لم يعدْ ديوانا لأحد، فشعراء المحنة المتورطون بوهم البحث الأنطولوجي خرجوا عن البيت المقدّس للغة، وباتوا أكثر عرضة للخرق، الخرق الشعبوي والخرق السلطوي، وحتى للخرق الديني والطائفي والقوي، فما عاد هناك من اطمئناناتٍ كافيةٍ لإعادة النظر في الوظيفةِ النسقية للغة، ولا في وظيفة القصيدة ذاتها، فغير المألوف لا يعني بالضرورة تجاوزا، أو محاولة للدخول في تقصٍ للمضمر، كما يقول النقاد الثقافيون، بقدر ما هو تعبيرٌ عن التورّط في ملامسة اليومي والشائع، وفي التحديق بتفاصيله واستكناه ما يمكن أنْ تُفضي به لغة الجسد والمكان، بعيدا عن (البرج العاجي) القديم، وقريبا من المدينة اليومية، حيث الشارع والمقهى والرصيف والباعة والخردة، وحيث الملابس والأقنعة، إذ ما عاد الشاعر معنياً بالحصول على لقب شاعر الأمة، والمروّج لأمجاد تاريخها الذي يتعرض الآن لغزوٍ جهاديٍ مرعب، غزو له فداحة نسف النصوص والأفكار والاستعارات.
العالم بوصفه كلمات
قد نعود الى مقولة ماكليش التي تقول بأنّ العالم أشياء تصنعها الكلمات، لكن هذه المقولة ليست دقيقة بالكامل، ليس لأنها محفوفة بالخطر، بل لأنّ صناعة الكلمات لم تعد- هي الأخرى- صناعة آمنة للحكايات والأساطير، إذ باتت مُهددة وباعثة على إحالات خطرة، قد يموت فيها (المؤلف) على طريقة بارت، أو قد يموت فيها (الإنسان) على طريقة فوكو، والميتتان لاتخلقان فكرا، ولا خطابا، لأنّ موت المؤلف وموت الإنسان باتا يأتيان من مرجعيات و(حساسيات) أكثر غُلّواً، ومن قبل الدعاة والفقهاء والمراثي، وليظل حديث (الحيّز) الثقافي الذي قد تمثله الجماعات والعائلات والأحزاب والإيديولوجيات حديثا مشوشا، ولا أمان له، فقد يكون شبيها بالسجن، أو شبيها بدوغما النص الأصولي غير القابل للتأويل، الذي ستكون الكلمات فيه أشبه بالحرّاس، حيث يفرضون رقابتهم، ورعبهم، حتى تبدو لعبة الشعر وسط هذه المغالبة وكأنها نوع غرائبي من المجاز، ذلك الذي يتركنا عند المزيد من الأقنعة، والمزيد من الأوهام، حيث تُخفي الأقنعة الخيبات والعجز والتشوهات، وحيث تُخفي الأوهام الصور الحقيقية للذوات ولمراياها العالقة بها.
علاقة الأشياء بالكلمات، أو حتى تشيؤها لم تعد صالحة للقياس، ولا للحماية، فنحن وسطَ الكثير من الكلمات، لكن الأشياء والمعاني إزاءها تخوننا، مهووسون بالبحث عن معانٍ أخر، أكثر صيانية، مثلما هو البحث عن مدنٍ صالحة للاستعمال، وعن حكومات لا تشتري جلودنا بالصمت، وعن لغة يمكن الاطمئنان للسُكنى عندها على طريقة هيدغر.
الحروبُ صارت لها لغة، وأصبحت لها كلمات وقواميس، والجماعات صارت تملك الكثير من حرّاس النص، وحرّاس التأويل، لعبة هذه الحروب خرجت عن كونها صناعات استعمارية وحكومية وطائفية، لتكون حروبا سرية وعلاماتية أكثر شراهة ورعبا، حيث تأخذنا الى (اللا أين) كما عاش رعبها سركون بولص، وحيث الأشياء/ الكلمات فيها تتحول الى منافٍ، وحيث تختفي الملامح التاريخية والمألوفة عن المشهد والشهادة، وحيث تتشكّل الأمكنة/ المطارات/ الحدود/ الثكنات التي يفحص تفاصيلها رجال الأمن وتأكلها القنابل، وحيث تتصيّر الأفكار التي لا تصلح للحوار.. مقابل كل هذا سيظل الشعراءُ كعادتِهم بعد فشل الثورات والنزعات اليسارية والقومية بالعودة إلى لعبة البحث الأقنعة والتوريات، حيث يتشهون الأمكنة بوصفها زاويا للكلام والسكرة، أو بوصفها ملاذات للتناص والتلاص، ولممارسة الغواية والفرجة والتحديق في مرايا التاريخ بوصفها الأقرب إلى مرايا الجسد المعطوب.
الشعراء يكتبون الآن نشيد رثاءنا العربي، رثاء المدن والخيبات والهزائم ورثاء الأحلام التي ركضنا خلفها وكأنها أوهامنا النبيلة، وشغف حرياتنا التي طحنها المستبدون والجنرالات وتركونا عن أول القلق نبحث عن وجوه قديمة، وجوه تلذذت- ذات وقت- بالفيروزات والمدن المقدسة التي لا تطردُ أحدا.
٭ ناقد عراقي
علي حسن الفواز