مدريد ـ «القدس العربي» من محمد محمد الخطابي: عندما كنا نختلف إلى حلقة الدرس في كلية الآداب في جامعة عين شمس في القاهرة، كان جهابذة النقد والأدب العربييْن في ذلك الأوان من تلاميذة تلاميذ طه حسين مثل، مهدي علام، وعز الدين إسماعيل، ومصطفى الشكعة، وطه رمضان، وعبد القادر القط، ولطفي عبد البديع وآخرين أفهمونا على بساط الدرس أن «النقائض» هي لون من ألوان الأدب والمساجلات والمناظرات الأدبية التي ظهرت في العصر الجاهلي، وامتدت إلى العصر الأموي، ثم أخيراً إلى عصرنا الحاضر بشكل مغاير. وإليها يرجع الفضل في تسجيل أنساب العرب وحكاياتهم وأخبارهم، وحِكمهم ومآثرهم، وصفاتهم، وطريقة حياتهم، وأخلاقهم وعاداتهم وتقاليدهم وعوائدهم في تلك العصورالغابرة.
ويرى النقاد أن هذا اللون من الأدب أضاف ثروة هائلة من الألفاظ والتعابير والمصطلحات إلى اللغة العربية. وتعني النقائض اصطلاحاً أن يقوم شاعر بهجو شاعرٍ آخر، أو أن يفتخر، أو يتباهى، أو يزهو بنفسه، أو بقومه، أو بأصله ومحتده أمامه، بقصيدة على بحر معين وقافية مُحددة، وروي ما، فـ»يناقضه» ويرد عليه الشاعر الآخر على منوال البحر والقافية والروي نفسها، بقصيدة في الموضوع نفسه الذي عالجته أو تطرقت له القصيدة السابقة، ويضمنها هجاء «مناقضاً» ومعاكساً ويدحض فيه فخر الشاعر الأول أو ينفيه، أو ينتقص منه.
وبدأت بواكير شعر النقائض منذ العصر الجاهلي، وتطورت حتى أصبحت فناً أدبياً قائماً بذاته في العصر الأموي على وجه التحديد، وقد اشتهر باستعماله أعنف وأفدح، وأقسى وأحط ضروب النعوت. والهجاء عند ثلاثة شعراء أمويين، وهم بالتوالي الفرزدق وجرير والأخطل، ولكن نقائض الشاعريْن الفرزدق وجرير على وجه الخصوص هي التي حققت شهرة واسعة، وبلغت شأواً بعيداً، وأدركت صيتاً واسعاً، في تاريخ الأدب العربي على امتداد العصوروالدهور.
الجذور الأولى
احتفظ لنا رواة الأدب العربي منذ العصر الجاهلي مروراً بالعصر الأموي بحكايات ومرويات وأخبار في هذا السبيل، ومما قاله الأخطل في هجاء بني كليب، وهي قبيلة جرير، مفتخراً في الوقت ذاته بقبيلة بني دارم قبيلة الفرزدق في قصيدة له يمدح فيها عبدالملك بن مروان: (أما كليب بن يربوع فليس لهم عند التفارط إيراد ولا صدر.. مخلفون ويقضي الناس أمرهم وهم بغيب وفي عمياء ما نظروا)، فرد عليه جرير بالأبيات التالية: (أرجو لتغلب إن غبت أمورهم / ألا يبارك في الأمر الذي إئتمروا.. خابت بنو تغلبٍ إذ خل فارطهم / حوض المكارم إن المجد مبتدرُ) وهي أبيات مشهورة. ومن العُجْب أن هذه النقائض عادت إلى الظهور في مستهل القرن العشرين في شكل آخر جديد، وبأسلوب مخالف للسابق، إذ لم تعد تستعمل شعراً عربياً فصيحاً يقوم على الجزالة، والفصاحة، والقافية الرنانة والبيان الرفيع، بل أصبح يقوم على النثر الفني واللغوي والبلاغي الذي عادت إليه الروح وازدهر منذ أوائل العشرينيات من القرن الفارط، ومثلما حدث في العصر الأموي، حيث تعددت الأسماء التي اشتهرت في هذا المجال، كما تمت الإشارة إلى ذلك، فإن شاعرين كبيرين، كان لهما قصب السبق، وحظيا بصيتٍ بعيد في هذا المجال وهما الفرزدق وجرير، فقد اشتهر في عصرنا في هذا السياق اسمان بارزان من جهابذة الأدب العربي المعاصر في مصر وهما مصطفى صادق الرافعي، وعباس محمود العقاد.
أصل الحكاية
منذ سَنواتٍ بعيدةٍ خلت، عدتُ ذات مرةٍ من جامعة عين شمس في العباسية إلى منطقة روكسي وراء نادي هيليوليدو في مصر الجديدة، وفي شارع «المعالي» حيث كنت أقطن، كان هناك باعة متجولون، ومستقرون كُثُر تغص عرباتهم، ودكاكينهم بأطنان مما لذ وطاب من مختلف أصناف الفواكه، التي كانت لذيذة ومتوفرة بكثرة في ذلك الوقت، كانت عربة أحد الباعة ملأى بالمُوز البلدي الصغير الحجم، الذي يطلق عليه (موز الراسكادلي) وهو ذو لون أصفر تعلوه نقط دقيقة داكنة سوداء، معروف بحلاوة طعمه، وموجود بكثرة كذلك في البلدان الآسيوية، وفي بلدان أمريكا اللاتينية إذ رأيته، واشتريته، وأكلته في كولومبيا كذلك على وجه الخصوص، خلال إقامتي في هذا البلد الجميل لمدة خمس سنوات، وهو يُسمى عندهم (البُوكادييُو). المُهم اشتريتُ اثنين كيلوغرام من هذا المُوز، وكانت الأسعار على أيامنا زهيدة جداً في قاهرة المعز.. وضعه البائع ولفه بعناية في «جُورنال» عتيق.. وعندما وصلتُ المنزل بعد صعود سلالم خمسة أدوار مهرولاً على عَجَل بدون مِصعد.. عندئذٍ تذكرت سلالم أو أدراجَ منزل الكاتب العصامي عباس محمود العقاد في مصر الجديدة، الذي لم يكن فيه مصعد أيضاً، والذي تحدث عنه الكاتب المصري الراحل الصديق أنيس منصور في أحاديثه الشهيرة عن صاحب العبقريات، قال العقاد واصفاً سلالم بيته ذات مرة: «عندما كنت في مُقتبل العُمر، كنتُ أصعدها ثلاثا.. ثلاثاً ..وبياضُ شَعري يتوارىَ في سواده.. والآن (بعد أن بلغ من السن عتيا) أصعدُها واحدةً.. واحدةً.. وسَواد شعري يتوارى في بياضه»! المهم عندما وصلتُ المنزل صاعداً إليه على حال صعود العقاد لسلالم منزله في شبابه، وضعتُ اللفة على طاولةٍ خشبية كانت تتوسط باحة المَسكن، (كنا نستعملها للأكل، والمطالعة، والمذاكرة وللمكوىَ («المصلوح» كما يُقال في العامية المغربية أو «بلانشا» في شمال المغرب) وكانت لنا في هذه الطاولة كذلك مآرب أخرى مسلية كلعب الورق «كوتشينة» بالطريقتين المصرية «الباصرة» أو الشدة، والمغربية «الروندة» وهذه الأخيرة من أصل إسباني)، وعندما هممتُ لفتح لفة المُوز والتهام موزتين أو ثلاث مُوزات… وبعد أن فتحتُ الجريدة على مصراعيْها وباعدتُ بين صفحات أوراقها التي كانت تميل للصفرة، تراءت لي فيها في صدفةٍ غريبة لم تكن مُنتظرَة صورة عباس محمود العقاد (1889- 1964) بالبيريه المعهود الذي اعتاد وضعه على رأسه، وإلى جانب الصورة تبدى لي مقال حامي الوطيس للأديب الألمعي مصطفى صادق الرافعي (1880-1937) مع صورته الشهيرة، وهو يرتدي طربوشه الفاسي المأثور، كان الرافعي ينتقد في هذا المقال ديوانَ العقاد في عمود تحت عنوان «على السفود» حيث صدر له في ما بعد كتاب نقدي مشهور تحت هذا العنوان يجسد مظهراً من أحد وأعنف المظاهر النقدية في خضم المعارك الأدبية التي دارت رحاها بين هذين الأديبين الكبيريْن.
العقاد على «السفود»
يُحكى والعهدة على من حكىَ، أن العقاد كان قد أطلق رأيه في الرافعي فقال من كتابه «الديوان» كلاماً مؤلماً ومؤذياً وحاداً وعنيفاً، إذ قال عنه بالحرف الواحد: «إن مصطفى أفندي الرافعي، رجلٌ ضيق الفكر، مُدرع الوجه، يركب رأسه مراكب يتريث دونها الحصفاء أحيانًا، وكثيرون ما يُخطئون السداد بتريثهم وطول أناتهم». وأضاف قائلًا: «أيه يا خفافيش الأدب، أغثيتم نفوسنا أغثى الله نفوسَكم الضئيلة، لا هوادة بعد اليوم، السوط في اليد وجلودكم لمثل هذا السوط خُلقت، وسنفرغ لكم أيها الثقلان».
هذه الكلمات القاسية كانت كفيلة بأن يضع الرافعي العقادَ على السفود،وهو كتابه الشهير الصادر عام 1929، حيث أدرج في هذا الكتاب مجموعة من المقالات النقدية اللاذعة، وقد بلغ به الأمر أن تمادى في الهجو والهجوم على العقاد متهماً معظم أعماله بالسرقات الأدبية والانتحال.
كان الرافعي قد وضع هذا الكتاب في زمن اشتهر بتأجيج المواجهات والصراعات الفكرية والأدبية، التي أفضت إلى زيادة إغناء الأوساط الثقافية في مصر في ذلك الإبان، والتي انتقلت عدواها إلى بعض البلدان العربية الأخرى. ويرى غير قليل من النقاد أن الدواعي التي دفعت بالرافعي إلى كتابة هذه المقالات الحامية الوطيس لتوقه إلى تحرير النقد الأدبي من هيمنة وسيطرة الأسماء الأدبية الكبرى، التي كان لها صيت واسع في هذا المضمار، ولابد أنه كان يحاول من وراء ذلك أن يرد على العقاد الذي انتقد انتقاداً شديداً، وتهجم هجوماً عنيفاً على كتابه الشهير «إعجاز القرآن» حيث اتهمه بالانتحال من كتاب آخرين سابقين له من بينهم سعد زغلول، ويرى معظم النقاد المعاصرين للرافعي والعقاد، الذين جاءوا بعدهما، أن الرافعي حتى إن حالفه الحظ في اختيار لفظ «السفود»، إلا أنهم لم يتفقوا على محتواه ونوعية الأسلوب الجارح، والنقد اللاذع المدسوسين بين ثناياه، إلا أن الرافعي برع في كتاباته النثرية براعة موسومة بالتفوق والإبهار، بنشره لغير قليل من المؤلفات الأدبية والدينية الأخرى منها: «وحي القلم»، و«إعجاز القرآن والبلاغة النبوية»، و«حديث القمر، و«أوراق الورد»، و«تحت راية القرآن» وكتابه «السفود» نفسه وسواه.
وجدير بالتذكير في هذا القبيل أن شرارة هذه المعارك انطلقت بين الرافعي والعقاد منذ صدور كتاب «الديوان» للعقاد والمازني، الذي كال فيه العقاد للرافعي أعنف الانتقادات، وعادت هذه المواجهات إلى الظهور على إثر صدور كتاب الرافعي «إعجاز القرآن»، الذي كان قد قال عنه سعد زغلول بالحرف: «كأنه تنزيلٌ من التنزيل، أو قَبسٌ من نور الذكر الحكيم»، ما أثار حفيظة العقاد وحنقه حيال الرافعي، وهو الكاتب البارز، والباحث الجهبذ، والأديب الأريب، والخطيب المفوه الجهبذ للوفد الأول. كان الرافعي قد تحامل وتطاول، وانتقد بشـــدة كـــذلك شــــعر العقاد انتــــقاداً بلاغياً ولغوياً، حتى قال بعض النقاد إنه أطاحه، وطرحه أرضاً، ومن جملة ما فاه به في هذا القبيل بالحرف الواحد: «وختام قصيدة المراحيضي – وهو لقب رخيص كان قد وسم به الرافعي العقاد – تهكماً وسخرية وازدراءً قال عنه : «تغنوا بما شاءوا، وغنيت بالطلى وكل يغني في الأنام بليلاه وكتب (الطلى) بالياء وهي بالألف لا غير، إذ هي بالياء معناها الرقاب، والسرقة في هذا البيت ظاهرة من قولهم: «كل يغني على ليلاه»، ولكن يبقى أن التي انقلبت فرسًا أو براقًا من قبل، انقلبت هنا امرأة اسمها (ليلى)، ألا يغور هذا العقاد الآن والقراء جميعاً يبصقون على شعره؟».
وحي الأربعين
وكانت حدة هذه المواجهة قد زادت تأجيجاً عندما نشر العقاد ديوانَه «وحي الأربعين» إذ يُحكى في هذا القبيل كذلك أن الرافعي كان جالساً في أحد المقاهي الشهيرة مع أحد أصدقائه، فسأله: «أي كتابٍ تقرأ هذه الأيام؟» فأجابه صديقه: «وحي الأربعين». فقرر الرافعي قراءة هذا الكتاب ووضعه في الميزان ونقده، فيقال إنه طلب من صديقه أن يشتريه له، لأنه كان قد قرر منذ زمن ألا يدفع قرشًا واحداً في كُتب العقاد، وعندما قرأ الرافعي كتاب العقاد وكال له أعنف الانتقادات اللاذعة لم يلبث ولم يتوان العقاد أن رد عليه في مقال آخر يحمل عنوان «أصنام الأدب» يستصغر فيه من الرافعي ومن إسماعيل مظهر الذي كان قد أشرف على نشر كتاب الرافعي «على السفود».
وحدث أن تصادف الرافعي مع العقاد، في إحدى المناسبات حيث كان عَبوسًا متجهماً، وعندما سأل الرافعي العقاد عن رأيه في كتابه «إعجاز القرآن» طفق العقاد يشن هجوماً عنيفاً على صاحب وحي القلم بدون هوادة، عندئذ اشتعلت شرارة الصراع بينهما، التي لم تنطفئ ولم يخبُ أوارُها، إذ أطلق العقاد سيلاً وابلاً من الشكوك حول مصداقية وأهمية هذا الكتاب، وكانت المنازلات، والمساجلات والأخذ، والرد كل ذلك كان يجري بينهما بواسطة الكتابة في أمهات الصحف والمجلات المصرية المعروفة في ذلك الأوان لأن الرافعي كان مُرهف السمع فخاطبه (كتابةً) وقد استشاط غضباً: «إنك تجحد فضل كتابي، فهل تراك أحسن رأيًا من سعد زغلول؟» فأجابه العقاد (كتابةً) كذلك على الفور: «وما سعد وما رأي سعد؟» عندئذٍ قال الرافعي، وقد قبض بيده بشدة على مقال العقاد، وقال: «أفتراك تصرح برأيك هذا في سعد، وأنت تأكل الخبز في مدحه، والتعلق بذكراه ؟!» فجاء رد العقاد سريعاً: «ما لك أنت وسعد؟! إن سعدًا لم يكتب هذا الخطاب، ولكنك أنت كاتبه، ومزوره، ثم نحلته إياه لتصدر به كتابك فيروج عند الشعب». وهُنا ثارت ثائرة وحفيظة الرافعي فقال: «إنه يُخيل إليّ دائمًا أنني رسولٌ لغوي بُعثتُ للدفاع عن القرآن ولغته وبيانه».
نقائض معاصرة
بعد هذه الجولات والصولات، وهذه الطواحين الهوائية العملاقة، التي طالما أشهر «دون كيشوت» سهمَه الطويل أمامها لمحاربتها، تذكرت الموز البلدي فقلتُ مع نفسي آهٍ يا صاحبَ «سارة»، أيها المثقف الصنديد، أصبحتَ على أيامنا تُباع، وتُشترىَ، وتُلف صُورُك ومقالات لك وعنك في اتنين كيلو مُوز.. يكيل لك فيها صاحب «وحي القلم» أقسى الضربات، وأعنف اللكمات، وهو يشوي حروف ديوانك في (سفوده) الحارق على لهب نارٍ ملتهبة بنقدٍ لاذعٍ، قاسٍ، فظيع، في هذه اللحظة عدلتُ عن فكرة أكل المُوز، وانهمكتُ بدون أن أدري في الاستمتاع بإعادة قراءة هذه «النقائض» الجديدة المُمثلة في مقالات الرافعي القاسية عن هذا الصعيدي العنيد، وفي الردود المؤلمة لهذا الكاتب العصامي الجَسُور صاحب «العبقريات».. وزاد تأملي، وشط خيالي، وحلق بي فكري بعيداً ولسانُ حالي يقول: عجباً للأيام كيف تمضي، وحمداً لله على هــذه الذاكرة الوَهِنة التي ما فتئت تقاوم تحات الزمن، والتي ما انفكت تبذل قصاراهـــا بالكاد في استحضار واستذكار واستظهار ذكريات حلوة خلت في حلاوة ذلك الموز البلدي المصري إياه.