مرة أخرى شكراً لنتنياهو

حجم الخط
2

في العام 2010 نشرت في صحيفة «هآرتس» مقال بعنوان «شكرا يا نتنياهو». وقد قلت في المقال إن جهود نتنياهو لاشتراط كل مفاوضات مع الفلسطينيين بالاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، ستدفع الفلسطينيين في إسرائيل وفي خارجها إلى تنسيق المواقف ورفض هذه الجهود. وبالفعل، رفض رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس طلب نتنياهو وانضم بذلك إلى موقف القيادة الفلسطينية في إسرائيل التي رفضت هي ايضا الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية. وذلك على خلفية تطبيق الفكرة بشكل عملي: تعزيز التفوق اليهودي، تأجيل تطوير المواطنة المتساوية ووجود قوانين تميز بشكل مباشر وغير مباشر بين اليهود والعرب من مواطني إسرائيل ـ الامر الذي لا يمكن أن تقبل به الحركة القومية الفلسطينية.
في المقال الافتتاحي في تاريخ 11/10 بعنوان «بيت الجميع»، حذرت «هآرتس» من لعبة اخرى عنصرية لنتنياهو. فقد قرر نتنياهو الانضمام إلى جهود وزير الدفاع افيغدور ليبرمان ورئيس الائتلاف دافيد بيتان ومقاطعة القائمة المشتركة في أعقاب قرار الحزب عدم المشاركة في جنازة شمعون بيرس. وتشير هذه الخطوة إلى أن نتنياهو لا يعرف أي شيء عن المواطنة والمساواة والرسمية. وخلافا لما هو متوقع من رئيس حكومة، فان خطه الواضح طوال سنوات هو تحريض الجمهور والحكومة ضد خُمس مواطني إسرائيل وإحداث الصراعات بين المواطنين.
إن نتنياهو يفعل ذلك ايضا لاعتبارات تكتيكية، لابقاء مصوتي اليمين إلى جانبه. ولكن بعد مراجعة تاريخ تحريضه ضد المواطنين الفلسطينيين يتبين أنه حتى لو كانت هناك أسباب تكتيكية لسلوكه، فان ما يحركه هو الاستراتيجية التي تعتمد على التمييز والاستبعاد والعجرفة تجاه الفلسطينيين بشكل عام وتجاه العرب في إسرائيل بشكل خاص.
«الحلو خرج من العنزة». الفرصة الوحيدة للمواطنين العرب في إسرائيل لأن يكونوا قوة مؤثرة سياسيا من اجل استبدال اليمين واقامة حكومة تعتمد على المساواة الحقيقية، هي توضيح التناقض بين مصالح المواطنين، بمن في ذلك الفلسطينيون في إسرائيل وبين استمرار حكم نتنياهو.
رئيس الحكومة يحدد أكثر في تصريحاته هذا التناقض، ويساهم في رفع رأس سياسة الفلسطينيين في إسرائيل كمركز قوة رئيس في صراع القوى الديمقراطية في الدولة من اجل التحول إلى قوة انتخابية، اخلاقية وسياسية توجهها هو المستقبل.
يمكن أن نتعلم هذه المرة من التاريخ، حيث نتذكر تصريح رئيس حكومة إسرائيل الاول، دافيد بن غوريون، «بدون حيروت وميكي». إلا أنه مع مرور السنين تحول الذين تم استبعادهم إلى شيء أساسي، ومن قام باستبعادهم تحو إلى شيء هامشي (اليوم هو أكثر هامشية).
ومن ناحية اخرى تقدمت حيروت وتقوّت ووصلت إلى مكانة رئيسة في السياسة اليهودية وتحولت إلى المحرك المركزي للتغيير الذي يحدث في اوساط اليهود في إسرائيل والسياسة الإسرائيلية بشكل عام. ومن ناحية اخرى، ميكي (وورثتها في حداش) تحولت إلى مركز السياسة للفلسطينيين في إسرائيل. وهي المحرك المركزي لهذه السياسة، ويقف ممثلوها على رأس القائمة المشتركة وعلى رأس لجنة المتابعة العليا. وباقي القوى التي تشكل القائمة المشتركة تبنت عمليا مواقف حداش حول قضايا المساواة والسلام.
سياسة الفلسطينيين في إسرائيل بحاجة إلى الاستبعاد من قبل نتنياهو خصوصا، واليمين بشكل عام. فقط إذا طرحت موقفا مدنيا قوميا ونقشت على رايتها المشاركة المتساوية في الجهود لتغيير وجه السياسة والمجتمع في إسرائيل ـ من اجل مجتمع ثنائي القومية، متساوٍ ويلتزم بالديمقراطية الحقيقية ـ سيكون لها معنى حقيقي.
لا يوجد أي معنى سياسي لوجود تمثيل للفلسطينيين في إسرائيل في الكنيست بدون هذا الهدف. ويمكن تطبيقه فقط من خلال طرح موقف متبلور وواضح ومختلف عن اليسار الإسرائيلي.
موقف ينبع من المكانة المدنية والتعامل الجدي مع المواطنة، من جهة، والحفاظ على التميز القومي من جهة اخرى. إن تميزا كهذا يمكنه تجنيد اغلبية الفلسطينيين في إسرائيل من اجل الجهد المستقبلي لاستبدال ائتلاف اليمين بائتلاف آخر، استنادا إلى الشراكة والمساواة والسعي إلى إحداث تغيير أساسي في الرواية المركزية للمجتمع الإسرائيلي، وخلق رواية اخرى بديلة للرواية اليهودية التي تتنكر للمواطنة والمساواة. رواية تعتمد على المساواة والشراكة وثنائية القومية.
إن اقامة القائمة المشتركة والجهود التي تتم مؤخرا من اجل زيادة قوة لجنة المتابعة العليا للمواطنين الفلسطينيين، هي علامة فارقة من اجل استنفاد الامكانية الكبيرة للجالية الفلسطينية في إسرائيل.
لا تغيب عن بالي الصعوبات، وأنا أدرك ضعف القيادة التي ما زالت منقسمة ومتصارعة، مع قدرة محدودة على تنفيذ الامكانية الكبيرة للتأثير من قبل خُمس السكان في الدولة، لكن الخط واضح: نحن في طريق التحسن والتقدم. الجهود ستستمر، ورويدا رويدا سنتمكن من التحول إلى مركز قوة أساسي. وكل محاولة لتغيير اليمين لا يمكنها تجاهله.
هناك ما يخيف نتنياهو واليمين. نحن ننوي المشاركة في تغيير المجتمع الإسرائيلي، من مجتمع يعتمد على نظرة التفوق إلى مجتمع يعتمد على نظرة المساواة والشراكة.

هآرتس 19/10/2016

مرة أخرى شكراً لنتنياهو
نريد المشاركة في التغيير من مجتمع يعتمد على نظرة التفوق إلى مجتمع يعتمد على المساواة والشراكة
أسعد غانم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية