لا يستغرب من المؤرخ الاقتصادي السويدي يوهان نوربرغ، الذي تطرقنا الأسبوع الماضي لكتابه الجديد «التقدم: عشرة موجبات للتطلع نحو المستقبل»، أن يقول بأن نطاق الحريات آخذ في الاتساع على النطاق العالمي. أما دليله على ذلك فهو تزايد عدد الدول الديمقراطية من 76 عام 1990 إلى125 دولة اليوم. وقد أبلى نوربرغ في السبح ضد تيار الرأي السائد، حيث فنّد كل المقولات التي نعتها بأنها «رومنطيقية» لأنها تعتبر أن الماضي أفضل من الحاضر وأننا سائرون كل يوم نحو الأسوأ، وجادل بألمعيّة بأن الإنسانية إنما تعيش اليوم أفضل عهودها في مختلف المجالات. ولكن الطريف أنه إذا كان هذا الباحث الليبرالي المتحمس للعولمة الرأسمالية سابحا ضد التيار في قوله بأن الإنسانية تحيا اليوم عهدها الذهبي في مجالات الصحة والاقتصاد والتعليم، فإنه مجرد سابح في اتجاه التيار عندما يتعلق الأمر بالسياسة. ذلك أن قوله بأن عصرنا هو أكثر العصور ديمقراطية في التاريخ لا يعدو أن يكون تردادا لما استقر عليه الرأي السائد.
إذ المعروف أنه قد ساد الأدبيات السياسية، منذ سقوط جدار برلين، قول شبه إجماعيّ بأننا نعيش اليوم في عالم أكثر ديمقراطية من أي وقت مضى. وقد وجد هذا القول في اندلاع الثورات الشعبية العربية ما زاده متانة وبرهان سداد (حتى حدود عام 2012 على الأقل). والواقع أن هذا معطى لا سبيل للمراء فيه. فقد تزايد عدد الدول التي يمكن أن تنعت شكليا بأنها ديمقراطية تزايدا فعليا أثناء العقود الثلاثة الماضية، خاصة في أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية وبعض أقاليم آسيا. ولكن التغني بالتعميم التدريجي للديمقراطية ينم عن نسيان عام لدروس القرن العشرين، سواء كان هذا التغني على الطريقة الانتصارية الهازجة بنهاية التاريخ على أساس من القول بخطيّته واتجاهيته المتقدمة نحو محطة إنسانية واحدة، أم على الطريقة البراغماتية القائلة بأن الأخذ بالديمقراطية هو أقصر الطرق لتحقيق التنمية، ثم الرفاهية، الاقتصادية.
وتشمل هذه الدروس المنسيّة زيف السلام الذي فرض في نهاية الحرب العالمية الأولى ـ السلام الذي تنبأ المارشال فوش عام 1919 بأنه مجرد هدنة لن تدوم أكثر من عشرين سنة. وقد صدق. إذ ما أن حلت سنة 1939 حتى اندلعت الحرب العالمية الثانية. كما تشمل الدروس المنسية عجز الديمقراطيات الغربية في الثلاثينيات عن مواجهة الكساد الاقتصادي ومواجهة صعود الأنظمة الاستبدادية في أوروبا. أما أكبر الدروس التي لم يستفد منها، فهو أن الديمقراطيات الغربية بذلت بعد الحرب العالمية الثانية مساعي ناجحة لإحلال نظام عالمي مستقر ولبلورة صيغة مقبولة من الرأسمالية بفضل قابليتها المستمرة للإصلاح والتحسين. ولكن الديمقراطيات الغربية فعلت عكس ذلك بعد نهاية الحرب الباردة، فلم تبذل أي جهد لبلورة عالم جديد، ظنا منها أن الرأسمالية والديمقراطية انتصرتا النصر المؤزر، بل النهائي. صحيح أن بوش الأب أعلن اعتزامه إقامة «نظام عالمي جديد» بعد سقوط جدار برلين، وأنه ردد الكلام في هذا الشأن مرارا أثناء حشد التأييد للقوات الدولية التي شنت حرب تحرير الكويت. ولكن الخطوة الجزئية الملموسة الوحيدة تمثلت في إنجاز الوعد الأمريكي بعقد مؤتمر للسلام في مدريد، مع إرغام شامير على الحضور صاغرا دونما طائل، فقد كان بعدها من أوسلو، التي لم تكن في الحسبان، ما كان.
وهكذا ركز الغرب بعد سقوط الاتحاد السوفييتي على جني ما اعتقد أنه أرباح السلام. فإذا بالرأسمالية المافيوزية تعوض رأسمالية الدولة في أوروبا الشرقية، وإذا باقتصاد الفقاعات يتفاقم حتى انفجر عام 2007 بشكل كاد يحدث انكماشا ماليا عالميا. فما الذي انبعث من أنقاض إيديولوجيات القرن العشرين؟ انبعثت النزعتان الشعبيتان الأقوى في التاريخ الحديث: النزعة القومية والتعصب الديني. أما مكمن الخطأ عند نوربرغ وكل القائلين بتعميم الديمقراطية على نطاق عالمي فهو أوّلا في اعتقادهم، على المستوى النظري، بأن الديمقراطية تعني بالضرورة انتشار الحريات. إذ المرجع عندهم هو الديمقراطية الليبرالية كما هي معروفة في أوروبا وأمريكا الشمالية. الأمر الثاني هو عدم انتباههم إلى أن عولمة الرأسمالية لم تؤد إلى عولمة الديمقراطية، وإنما هي أدت إلى بروز أنظمة سياسية هجينة (بين بين) أصاب الباحث بيار هاسنر بتسميتها الأنظمة «الديموقراتورية». إنها أنظمة من جنس ما هو قائم حاليا في الصين، وروسيا، والمجر، وبولندا والفلبين. أما أقرب النماذج عندنا، فهو ماثل في تركيا ومصر.
٭ كاتب تونسي
مالك التريكي