مرحلة التصريحات

حجم الخط
0

الاتفاق على «وقف الاعمال العدائية» في سوريا، والذي عرضه في ميونخ أول أمس وزيرا الخارجية الأمريكي والروسي، ليس حتى طرف بداية النهاية للكارثة الانسانية الحاصلة في هذه الدولة.
«ليس واضحا مما نشر إذا كان هذا اتفاقا أم توافقا أم تفاهما بين القوتين العظميين»، قال دبلوماسيون في نيويورك. «الواضح هو أن هذه الخطوة لا تضمن أي أمل عملي لانهاء مذبحة المدنيين، تدمير المدن ونزوح اللاجئين بحجم لا يذكر مثيل له منذ نهاية الحرب العالمية الثانية».
يتحدث الاتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا عن وقف اعمال العداء في سوريا في غضون اسبوع، مما منح سوريا مسبقا مساحة من الزمن لمواصلة غاراتها ضد اهداف في مدينة حلب وضد تجمعات سكانية في مناطق محاصرة تحت سيطرة الثوار. واعلن وزير الخاجية الأمريكي جون كيري في ختام جولة محادثات عقدها أول امس في ميونخ مع نظيره الروسي سيرجيه لافروف: «توصلنا إلى توافق على تطبيق هدنة في ارجاء سوريا في غضون اسبوع». أما لافروف الذي كان يجلس إلى جانبه فاضاف بان «الاختبار الحقيقي سيكون إذا كانت كل الاطراف ستحترم بالفعل هذه الالتزامات».
من لم ينتظر ردود فعل كل الاطراف هو رئيس وزراء روسيا ديمتري مدفديف الذي أعلن امس بان «العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة تدهورت إلى حالة حرب باردة جديدة».
ولاحظت الـ «نيويورك تايمز» بتهكم قائلة ان «الوزيرين ظهرا كمن يحاولان عرض صورة تعاون بعد اسابيع من تبادل للاتهامات حول التصعيد».
وقال دبلوماسي غربي كبير في الأمم المتحدة انه «لو لم يكن الامر يتعلق بحياة الاف الاشخاص لكان يمكن الهزء من مشهد وزيري خارجية القوتين العظميين يجتهدان لعرض الفشل وكأنه انجاز».
ليس صدفة أن في موقع أخبار الأمم المتحدة فضل عنوان الخبر اقتباس مندوب الأمم المتحدة لحقوق الانسان زيد الحسين الذي حذر مما وصفه بـ «حجم العنف الصادم والتنكيل بحقوق الانسان في حلب».
ما برز مؤخرا من جديد إلى عناوين الحرب في سوريا هو اقتراب شهر اذار الذي يسجل خمس سنوات لنشوب الثورة ضد الحكم في دمشق، مما جر الدولة كلها إلى حرب اهلية مضرجة بالدماء. اضافة إلى ذلك، في اليوم الذي اجتمع فيه في ميونخ مندوبو 17 دولة عضو في «مجموعة الدعم الدولية لسوريا» نشرت معطيات أخيرة عن حجم الخسائر في سوريا. والعدد هو 470 الف قتيل، ضعف المعطيات التي نشرتها الأمم المتحدة قبل نحو سنة.
قال دبلوماسي كبير في نيويورك انه «نشأ احساس بأنه لم يعد ممكن السكوت. السؤال الاكبر هو كيف يترجم هذا الاحساس إلى افعال».
في تقرير «نيويورك تايمز» عن محادثات ميونخ جاء انه «في المحادثات التي استمرت ليوم كامل اعترف كل اللاعبين الرئيسيين بحقيقة أن الاحداث في سوريا بلغت نقطة الانكسار. ولكن لا جون كيري ولا سيرجي لافروف يمكنهما أن يقولا بيقين بان قادة المنظمات المشاركة في القتال سيقبلون الاتفاق وسيعملون حسب الالتزامات. كما ليس واضحا كيف سترد حكومة الاسد على الاتفاق واذا كانت ستقبل به على الاطلاق».
وحسب الصحيفة، اقترح الروس ان يدخل اتفاق وقف الاعمال العدائية حيز التنفيذ في بداية اذار ولكن مسؤولين أمريكيين خشوا من أن يكون الروس يخططون لاستغلال الوقت حتى بداية اذار كي يساعدوا جيش الاسد على احتلال مزيد من المناطق في سوريا. وأعرب دبلوماسيون ومحللون في نيويورك عن شكهم وتخوفهم من فرص تطبيق الاتفاق.
لا تزال الولايات المتحدة وروسيا مختلفتين فيما بينهما حول تعريف المنظمات المشاركة في القتال كـ «إرهابيين». فالطائرات الروسية تهاجم منظمات الثوار التي تقدم الولايات المتحدة المساعدات العسكرية لها. اما داعش وجبهة النصرة، اللذان تعرفهما الأمم المتحدة رسميا كمنظمتين إرهابيتين فلا يشملهما الاتفاق. «نشأ على الارض وضع غريب ومعقد لا يسمح بوقف نار بحجم كامل»، يقول دبلوماسيون في نيويورك.
عامل آخر يهدد الاتفاق هو السعودية. وحسب تقرير نشرته أول أمس قناة «العربية»، تصر السعودية على ارسال جنود إلى سوريا للقتال ضد داعش إلى جانب الولايات المتحدة.
لم يكتفِ كيري ولافروف بالتطرق لموضوع سوريا. ونشرا اعلانا طويلا عن الرباعية حول الجمود المستمر في المسيرة السلمية. ويتضمن الاعلان «زيادة الجهود لتناول الوضع الخطير في غزة في ظل التشديد على اهمية فتح المدينة من خلال زيادة امكانيات الدخول اليها».
المفارقة الكبرى هي أنه في الوقت الذي تقصف فيه روسيا بقيادة بوتين وتدمر المدن في سوريا وتتسبب بقتل المدنيين، بمن فيهم من نساء واطفال، فان من يخرج منحرجا جريحا من الازمة في سوريا هو بالذات الرئيس الأمريكي براك اوباما. قبل أكثر من سنتين اصدر اوباما التصريح الشهير «الاسد ملزم بالرحيل». والان مكانة الاسد كحاكم سوريا، وان كان على حراب الروس، تبدو اقوى من أي وقت مضى منذ اندلاع الحرب، بل واعلن اول أمس عن نيته احتلال كل سوريا. يتباهى اوباما بسياسته ضد التدخل العسكري الأمريكي المباشر في النزاعات، غير أنه لم يتصور بان الفراغ الذي خلقه سيملأه بوتين بهذا الشكل العدواني والجارف.

معاريف 14/2/2016

شلومو شمير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية