مرحلة الكلمات والمخططات المتقاطعة؟

حجم الخط
0

هل يستطيع واحدنا مهماً كان حصيفاً ومحيطاً بمعطيات العلاقات الدولية أن يرسم لوحة تقريبية لما ستكون عليه في قابل الأيام بين الولايات المتحدة وأوروبا؟ أو بينها وبين روسيا والصين؟ أو بينها وبين دول غرب آسيا، ولاسيما إيران وتركيا وسوريا ومصر وإسرائيل؟
هل بإمكانه أن يتوقع أو يفهم، بحدٍ أدنى من الواقعية، ماذا يريد دونالد ترامب؟ كيف يمكن أن يتصرف حيال الأحداث الاقليمية والدولية؟ أو ما يمكن أن تكون عليه ردود فعل قادة الدول المعنية بأقواله وأفعاله؟
إنها مرحلة الكلمات والمخططات المتقاطعة والمتصادمة. إنه زمن اللايقين.
ليس ترامب، بفرادته وغرابته ونزقه وقلّة خبرته، المسؤول الوحيد عمّا آلت إليه العلاقات الدولية والإقليمية. ثمة نزوات شخصية ومصالح اقتصادية وغايات سياسية ونوازع إيديولوجية وعصبيات طائفية وعوامل اجتماعية في عالم اليوم، تتشابك وتتصادم وتتفاعل على نحوٍ يؤدي إلى نشوء أوضاع معقدة ومتحوّلة باطراد، وبالتالي عصيّة على الفهم في غالب الأحيان. لنأخذ سوريا والعراق وتركيا مثلاً. هل يمكن معرفة ماذا يريد ترامب فيها ومنها؟
كان لترامب، قبل انتخابه، تغريدات لافتة حيال سياسة سلفه باراك أوباما في سوريا، تتعلق بمسألتيّ الأسلحة الكيميائية ونشاط تنظيم «داعش» الإرهابي. فقد أخذ على اوباما تراجعه عن التهديد بضربها، بعد قيامها بتفكيك ترسانتها الكيميائية. موقفه العدائي هذا من سوريا لم يتبدل بعد قيامه، خلال حملته الانتخابية، بفضح مسؤولية بلاده، أثناء تولي منافسته هيلاري كلينتون مقاليد وزارة الخارجية، عن تسليح «داعش» ودعمه ضد حكومتيّ سوريا والعراق. غير أنه عاد، بعد انتخابه، إلى التشديد على خطر «داعش» وضرورة التنسيق مع روسيا (وضمناً مع سوريا) لمواجهته. ثم أعلن ايضاً تحبيذه إقامة مناطق آمنة في شمال سوريا مع علمه أن ذلك يتعارض مع موقف روسيا المؤيد لدمشق في رفض المناطق الآمنة.
تركيا أرضاها ترامب بالدعوة إلى إقامة مناطق آمنة في شمال سوريا، لكنه أقلقها بمتابعته سياسة أوباما في تسليح «قوات حماية الشعب الكردي» في سوريا الساعية إلى السيطرة على المناطق المحاذية للحدود السورية – التركية، بغية إقامة منطقة للحكم الذاتي فيها وربما، لاحقاً، دولة كردية بالتعاون مع أكراد تركيا والعراق. ومن المعلوم أن أنقرة تعتبر حزب العمال الكردستاني التركي الذي يدعم قوات حماية الشعب الكردي السورية تنظيماً إرهابياً، فكيف يوفق ترامب بين كل هذه المتناقضات؟
الى ذلك، كيف توفّق تركيا تحديداً بين اتفاقها مع روسيا على مواجهة «داعش» في سوريا، ودعوة دمشق من جهة وممثلي التنظيمات السورية المسلحة المتمردة على دمشق من جهة اخرى لعقد مؤتمر استانة، تمهيداً لعقد مؤتمر جنيف الرامي لإرساء حل سياسي للأزمة السورية، في وقت تهاجم تركيا مدينة الباب شمال حلب للسيطرة عليها قبل وصول الجيش السوري إليها لتحريرها من سيطرة «داعش»؟ بل كيف يمكن تفسير قيام الطائرات الروسية المقاتلة بقصف القوات التركية على مشارف الباب، على الرغم من اتفاق موسكو وأنقرة على إرساء حل سياسي للأزمة السورية في مؤتمر جنيف المقبل؟
ثم ماذا تريد موسكو فعلاً في سوريا ومنها؟ هل تريد تأبيد بقائها فيها؟ أم تريدها ساحةً وأداة للمساومة السياسية مع انقرة وواشنطن؟ ما موقف موسكو الحقيقي من الحركة الكردية في سوريا؟ هل تريدها وسيلةً ايضاً للمساومة مع انقرة وواشنطن؟ ثم لمصلحة مَن تنشط الطائرات الروسية المقاتلة في محيط مدينة الباب؟ هل لمصلحة الجيش السوري المتقدم لتحريرها من «داعش»؟ أم لمصلحة الجيش التركي الذي ينشط لاستئخار تحريرها كي يبقى «داعش» في محيطها قوةً رادعة لقوات حماية الشعب الكردي التي تستخدمها واشنطن اداةً لتعزيز وجودها في شمال شرق سوريا بذريعة المشاركة في تحرير الرقة من «داعش»؟
مَن يستطيع تفسير كل هذه الكلمات والسياسات والمخططات المتقاطعة والمتصادمة في الحرب الدائرة في سوريا وعليها؟ هذا في سوريا. ماذا في العراق؟
من المفترض أن تكون واشنطن مع بغداد في حربها على «داعش»، لكن ما تفسير نجاح «داعش» في توسيع رقعة سيطرته في بلاد الرافدين بعد قيام التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، بالتصدي له جواً دونما طائل طيلة سنوات ثلاث؟ ألم تهدد واشنطن «الحشد الشعبي» بقصفه إذا ما حاول مشاركة الجيش العراقي في تحرير مدينة الرمادي من سيطرة «داعش»؟ ألم تهدد واشنطن «الحشد الشعبي» أيضاً إذا ما حاول السيطرة على بلدة تلعفر، أو حاول المشاركة في تحرير مدينة الموصل تحديداً؟ هل استئخار اقتلاع «داعش» من العراق، مردّه إلى رغبة واشنطن في استخدامه وسيلةً في تنفيذ مخططٍ ذي أبعاد إقليمية يرمي إلى إعادة ترسيم خريطة سايكس – بيكو بإقامة دويلة «سنيّة» تضم محافظات العراق الغربية (نينوى وصلاح الدين والأنبار) ومحافظات سوريا الشرقية (الحسكة والرقة ودير الزور) لتشكّل اسفيناً يفصل سوريا عن العراق وتالياً عن إيران؟
الى ذلك، ما موقف ترامب من «تراث» إدارة اوباما في هذا المجال؟ هل يستمر في استخدام «داعش» في سياسته الأكثر تشدداً إزاء ايران والمتمثلة في محاولة تقليص نفوذها المتزايد في العراق؟ ما موقفه من وحدة العراق في سياق سعي حركات كردية في العراق وسوريا وتركيا إلى إقامة دولة مستقلة للأكراد في الدول الثلاث؟
ثم، ما موقف موسكو من كل هذه المخططات والتطلعات؟ هل صحيح ما يتردد عن احتمال التوصل إلى صفقة ثلاثية بين ترامب وبوتين وأردوغان تتخلى بموجبها واشنطن عن حضانة أوكرانيا ودول البلطيق عسكرياً، الامر الذي يريح موسكو فتتخلى بدورها عن دعم حكومة الرئيس بشار الأسد في سعيها لاستعادة وحدة سوريا بتحرير محافظاتها الشرقية، ما يريح بدوره كل من الولايات المتحدة وتركيا اللتين تكسبان بإقامة الدولة السنّية – الاسفين المشار اليها آنفاً وتقلّصان نفوذ ايران في سوريا والعراق وتطوّقان مخاطر إقامة دولة لأكراد العراق وسوريا وتركيا؟
مَن يستطيع تفسير كل هذه الكلمات والسياسات والمخططات المتقاطعة والمتصادمة في ساحات العراق وسوريا وتركيا؟ ثم كيف للقوى الوطنية الحاكمة والمعارضة في الدول الثلاث أن تتفادى مخاطر وكوارث تلك السياسات والمخططات التي تعتمدها دول كبرى لحماية مصالحها، أو توسيعها في منطقة غرب آسيا الممتدة من الشواطئ الشرقية للبحر المتوسط إلى الشواطئ الشمالية للخليج العربي – الفارسي؟
لعل الجواب البديهي عن هذا السؤال هو: التنسيق والتعاون بين الدول المستهدَفة والمتضررة من تلك السياسات والمخططات، والإفادة من التناقضات القائمة بين الولايات المتحدة وروسيا وتركيا، والتحالف الوثيق بين سوريا والعراق وحركات المقاومة العربية لتنسيق مواجهة السياسات والمخططات التي تستهدفها، والتعاون مع الدول المتضررة منها ايضا كايران ومصر.
هل من نهج آخر أفضل وأفعل؟
كاتب لبناني

مرحلة الكلمات والمخططات المتقاطعة؟

د. عصام نعمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية