حفل الأسبوعان الماضيان بتطوراتٍ وأحداثٍ تحمل دلالاتٍ ذات مغزى عميق في مصر، تضافرت فيها المجهودات والإسهامات البشرية مع قوى الطبيعة.
تصدرت المشهد انتخابات مجلس الشعب، وعزوف الناس عنها بصورةٍ يصعب تأويلها أو تحويرها أو التحايل عليها، ثم لحق بذلك غرق الإسكندرية تحت قوة مطرٍ غزير فضحت انهيار البنية التحتية وانعدام الكفاءة. وقد تزامن مع كل ذلك ارتفاع سعر الدولار، وما لم يعد من الممكن إخفاؤه من تراجع الأداء الاقتصادي المتردي من الأساس، والتفاوتات في هيكل الرواتب، ناهيك عن حضور الجانب الفكاهي، بل الهزلي في الموضوع من القبض على القيادي الإخواني حسن مالك، وما قيل إنهم وجدوا في شقته عملة صعبة، وادعاء أنه وراء أزمة العملة الصعبة. جملة من الأحداث، لكن الأهم بمراحل هي المؤشرات التي تحملها الأحداث: عزوف الناس عن المشاركة وسخريتهم اللاذعة من مجمل الأحداث والمبررات التي يسوقها النظام وإعلامه الملتاث، لكي يدفع عن نفسه مسؤولية سوء الأداء والفشل.
وكما أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، فليس من نظامٍ مستبدٍ متسلطٍ، مهما بلغ عتوه وجبروته، يستطيع أن يستمر بالقمع وحده، لا بد من غطاءٍ ايديولوجي أو سرديةٍ من نوعٍ ما تستر قبحه، بل وتجمله وتحاول تسويقه للجمهور، بإظهاره جذاباً وطنياً منحازاً للمعوزين والطبقات الأفقر.. وربما صاحب مبادئ ومناضلا تقدمياً في حالة الأنظمة العربية العجب، كالممانَعَة مثلاً في حالة النظام السوري الأشوس الذي أظهر صلابته وثباته على مبادئه، لا يخشى فيها لومة لائم بتذويب مئات الآلاف من شعبه بالبراميل الحارقة، ذلك بالطبع بالإضافة إلى استناده إلى توازناتٍ دقيقة على الأرض بين مجموعات المصالح والقوى بإدارته للصراع، وتتبدى مدى حرفيته في تمكنه من التظاهر بالحيادية في حين يدرك تماماً كل من يتجشم عناء التوقف خمس دقائق للتفكير انحيازه المسعور والمتشبث لرأس المال. من هنا نفهم الدور الفارق والفائق الأهمية للإعلام، حيث يضطلع بمهمة غاية في الخطورة ألا وهي محاولة «ترويض» وتحييد القطاعات الأوسع من الجمهور، خاصةً في ظل ظروف التجهيل والإفقار التي تعيش فيها بلداننا بعد تنصل النظام والدولة من كل مشاريع التنمية، حيث يتم العمل والتركيز على تسويغ الوضع الراهن وإضفاء صفة الطبيعي عليه، لاسيما حين يقترن ذلك بطوفان من أفكار التسليم القدرية والماورائية، يبثها النظام عبر دعاته وبعض القوى السياسية – الدينية النشيطة على الأرض، التي تقوم بدور مدخنة المصنع فتصرف الضغط والاحتقان بعيداً عن سماء النظام. لا ينفي ذلك بالطبع كون الأساس الصلب للنظام يظل دائماً وأبداً الآلة الأمنية، وما التوازنات وتسييد أفكارٍ بعينها سوى الرديف الفكري الذي يخلق انطباعاتٍ ومفاهيم تضحى بدورها وسائل مادية للسيطرة، بالقدر الذي تؤثر به في تحركات الجموع الأوسع أو سكونهم. وقد نجح النظام في مصر زمن مبارك بهذا القدر أو ذاك في إتقان معايير تلك الخلطة السحرية حتى اهتز الميزان بتدهور الأوضاع الاقتصادية والتردي العام في كل المرافق ودخول ابنه ومجموعته على الخط، وما اتسمت به تصرفاتهم من رعونة وصفاقة كسرت حالة الركود وتجميد الصراعات المباركية.
ثم انفجر حراك يناير الثوري، بكل زخمه وجلاله… كسرت تلك الجموع المعمول دائماً على تحييدها كل الحواجز والأسوار واحتلت قلب المشهد، تلك الكتلة الأكبر التي كان يراها النظام صماء لا قيمة لها، جاهلة وتافهة، يلقي لها ببعض الخبز الرديء في صورة دعم، ويطلقهم ليبحثوا عن القوت الشحيح بشتى صور التحايل وتمزيق أجساد بعضهم بعضا، أُعيد اكتشاف شعب أو جماهير، بالملايين، وأعيد الاعتبار للرأي العام، وصار يمكن الحديث عن ردة فعل الناس، فيحسب لها حساب.. أي أن ذلك الحراك الثوري لم يكسر الجمود السياسي واقترب من تهديد وجود النظام برمته، فحسب (ربما رمة هي بالفعل الكلمة الأدق لوصف الحال التي وصل إليها) بل اثبتت تلك الجموع الحاشدة أنها بثقل الجثة والكتلة أصبحت الرقم الأكثر استعصاءً في المعادلة، بعد أن قضت طيلة ما يقارب الثلاثة عقود لا اعتبار لها على الإطلاق.
وقد فرض ذلك على النظام عبئاً جديداً، إذ في محاولته إعادة ترميم نفسه وبناء هيبته المفتقدة، أو بالأصح التي تمت مرمغتها في التراب، تعين عليه المداراة ومحاولة تملق الشارع والناس، وهو الشيء الذي لم يعتده من قبل، ولعل ذلك يفسر الغيظ والغضب المضاعف لديه وتلك الرغبة، بل الشهوة للانتقام عن طريق أجهزة الأمن، والتسفيه والاحتقار لتحرك الناس العفوي من قبل الأبواق الإعلامية. بيد أن الأهم في حقيقة الأمر أن ذلك وضع النظام في مأزق، إذ أنه في تحركاته، خاصةً في الأيام الساخنة حين آمن الناس بإمكانية التغيير ومستقبلٍ أفضل وحين بدا الإخوان بديلاً مقبولاً بالنسبة لتلك الكتلة من الناس الواقعة في الوسط، التي كانت منفتحة حينذاك على التجريب، في تلك الأيام تعين على قوى النظام أن تبني شعبية… تبني شعبية وتعيد إنتاج تلك الغلالة من القبول من قبل الناس.
ليس هنا مجال الحديث عن كيف أُسقط الإخوان نتيجة مركبٍ من أخطائهم وتآمر الدولة العميقة عليهم، لكن دوراً مهماً للغاية أُسند في ذلك الوقت لتلميع وجه النظام، خاصةً خلق أسطورة مخلصٍ، أو بطلٍ شعبي جديدة في صورة السيسي، لاشك في كون الكثيرين تعلقوا به ورأوا فيه الأمل، خاصةً بعد سنوات الاضطراب وغياب المكاسب المادية، وتضخم ذلك بما عكسوه عليه من صفات العظمة والحنكة الخ، مقتفين أثر الإعلام… ربما وجد البعض مناخ الحرية النسبية محيراً، لاسيما وأنه توازى مع الفوضى الأمنية، فآثر التسليم لدعة الأمل الذي يبثه المخلص الذي حرص بدوره على دغدغة مشاعر الناس.
لقد تعامل الناس، بجموعٍ ضخمة، مع السيسي والنظام بجدية شديدة وحماسة مبهرة.. لكن متغيرين أساسيين ظهرا جلياً بصورةٍ مزعجة للنظام وقرون استشعاره الأمنية: نسبة المشاركة شبه المنعدمة في الانتخابات والسخرية اللاذعة من ذلك، ومن حجج من عينة كون حسن مالك وراء أزمة الدولار.
فمن قبل، قد تم استدعاء الناس عبر التفويض بمحاربة الإرهاب والانتخابات المحسومة مسبقاً والدستور لتوفير ذلك الغطاء من الشرعية، فالنظام يتسولها لكي يبعد شبح الدبابة التي عاد فوقها الجنرال إلى السلطة… وكان الناس يلبون النداء وينزلون بأعدادٍ ضخمة، كما قلت لقد عادوا للمعادلة، لذا فلا يستطيع النظام أن يتعامل بمنتهى البساطة مع إعراضهم عن الانتخابات كأن شيئاً لم يكن.
هي رسائل واضحــــة لا تقبل اللبــــس.. لقد سئم الناس، ولم تعد تنطلي عليهم المبررات والحجج الواهيــــة الممجوجة، فمع تراجع الاقتصاد لا يرون تحسناً فـــي المعيشة أو هبوطاً في الأسعار، وذلك المؤتمر الاقتصادي الذي لعل البعض يذكره لم يلد حتى الفأر بعد مخاضه والاحتفاء به وما صحبه من طبلٍ وزمرٍ، وكذلك الحال مع تفريعة قناة السويس الجديدة، ثم استقالة أو إقالة محافظ البنك المركزي والحديث عن المزيد من إلغاء الدعم.
يوماً بعد يـــوم يســــقط القناع عن وجه النظام وتنسحب غلالة الشعبــــية لتظهر انحيازاته أكثر وضوحاً… امتداداً أكثر شراسة للسادات – مبارك. وقد رد الناسعلى ذلك بسلاحٍ حادٍ ماضٍ: السخرية اللاذعة.. وعدم الاكتراث، يكفي أن تسمع وتقرأ تعليقات الناس وتشاهد حالة الجنون والسعار التي أصابت الإعلام المنحاز بصفاقة للنظام، إذ يتسول من الناس النزول للانتخاب ومن ثم يقرعهم ويجرحهم لعدم مشاركتهم.
لقد دخلنا في مرحلة «اللعب على المكشوف»… نظام منحاز لذوي المصالح ورأس المال من ناحية وكتلة ضخمة «ناس» من ناحية أخرى ترشقه بنصال السخرية المريرة الكاوية، وسوف يرد النظام بعنفٍ متزايد، فلا شيء يثــــير جنون أنظمة كهذه أكثر من السخرية منها… فالمســــخ يُجن حين يراه الناس مســخرة.. وسوف يرد الناس بالمزيد من السخرية، لأن الفشل مرشح للزيادة، كما أن البرلمان المقبل سيكون برلمان موافقة بامتياز وسيكون مسخرة السنين بدوره… سوف يختلط الدم بالضحك في المرحلة المقبلة، ويا لها من مرحلة.
٭ كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل