مرحلة فلسطينية خطيرة: من هم أصحاب القرار؟

حجم الخط
19

يتعرّض الفلسطينيون لضغوط دوليّة وإقليمية كبيرة دفعت الرئيس محمود عباس مؤخراً لتحذير «بعض العواصم»، التي لم يسمّها، من التدخّل بالشأن الفلسطيني.
يبدو أن لهجة الضغوط وخطورتها قد «فكّت لحام» التحمّل ودفعت الرئيس المعروف بدبلوماسيته إلى استخدام عبارات حادة وتحذيرات أن الفلسطينيين لن يسكتوا على مثل هذه التدخلات قائلاً: «لا أحد يملي موقفاً ولا رأياً. نحن أصحاب القرار ولا سلطة لأحد علينا».
تحدث عباس أيضاً عن شخصيات تتلقّى أموالاً من «تلك العواصم» التي لم يسمّها بهدف التأثير على القرار الفلسطيني أو العمل بعيداً عن السلطة الرسمية، ولم تقتصر إشارات عباس إلى الشأن المحلي والإقليمي بل اتجهت إلى كبار القوى المؤثرة في العالم قائلاً: «نفكر بفلسطين. لا نفكر في واشنطن ولا في موسكو».
يوجّه الرئيس الفلسطيني إذن رسائل قويّة إلى ثلاث جهات: الداخل الفلسطيني، ودول الإقليم العربية، وعواصم العالم المؤثرة وخصوصاً واشنطن وموسكو.
تتداخل دوائر هذه الجهات أحياناً وتتناقض أحياناً أخرى ولكنّ الاتجاه العامّ فيها يكاد يقتصر على ممارسة الضغوط على الفلسطينيين (رغم أنهم الضحايا التاريخيون لاجتماع المشروع الإسرائيلي – الغربي مع صناعة «الهولوكوست» الكبيرة ونفوذ اللوبيات الإسرائيلية في العالم)، فيما تتنافس تلك الدوائر الإقليمية والعالمية على إرضاء تل أبيب رغم أن هذا السياق أثبت فشله المرّة تلو المرة وبرهن عن أثره الكبير على الاستعصاء العربيّ والعالمي وجعل المنطقة العربية بؤرة دائمة للتوتّر والأزمات.
تتلخّص بعض المناورات الحاليّة بين هذه الدوائر الثلاث في محاولة إجهاض المبادرة الفرنسية التي كانت أكثر جدّية ووضوحاً من المبادرة الأمريكية (التي كان خطّها الأساسي هو إجراء مفاوضات إقليمية مع إسرائيل تضم مصر والأردن والسعودية والإمارات)، وحين رفض الإسرائيليون المبادرة الفرنسية بوضوح ما بعده وضوح تنطّحت القاهرة لإجهاضها طارحة «مبادرة مصريّة»، وبعدها جاءت مبادرة روسيا لعقد لقاء غير مشروط بين عباس ونتنياهو.
الفلسطينيون، الذين تعوّدوا على النكبات والصدمات من كل الجهات، طالبوا موسكو بأجوبة إسرائيلية جدية على ثلاثة أسئلة حول: قرارات الأمم المتحدة بما يخص القضية الفلسطينية، وحول الاستيطان (ما هي حدوده وهل سيتراجع عن المناطق المتفق عليها في اتفاقات أوسلو وما بعدها)، وأخيراً حول الأسرى (بمن فيهم من أنهوا محكومياتهم ولم يطلق سراحهم والمعتقلون بشكل إداري)، وكانت النتيجة أن اعتذر نتنياهو عن لقاء عباس!
على المستوى الفلسطيني ليس خافياً وجود محور عربيّ يلعب دوراً أساسياً في دعم الخط السياسي لمحمد دحلان، القائد الفتحاوي المفصول من الحركة، بل أن هذا المحور جعل من هذه الرعاية خطّاً سياسياً عابراً للعواصم مما أدّى إلى خلق استقطابات سياسية حادّة في أكثر من بلد عربيّ.
القيادة الفلسطينية الحاليّة عبّرت عن رفضها لفرض هذا الخطّ عليها، وطالبت باحترام سيادتها وقوانينها، فهي تعتبر أن لديها من الضغوط ما يكفيها ويزيد، ولعلها تعتقد أن هذا الخطّ الإقليمي الحادّ يتناغم عمليّاً مع الضغوط العالميّة الأخرى وهذا، على الأغلب، ما رفع سقف المواجهة والغضب والرفض.
ما تسرّب عن خطّة هذا المحور هو أنها ستستخدم آليات دعم حركة «فتح» (وهي الجسم الأكبر في منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية) لـ»فرض اتفاق يضع مصلحة الشعب الفلسطيني وقضيته فوق مصالح الأحزاب والفصائل المتناحرة»، وهو ما يمكن تأويله بإلزام حركة «فتح» بإعادة دحلان من خلال وقف الدعم عن «الطرف المعرقل».
الأمر لا يتعلّق في الحقيقة بأشخاص، ولا بطرفين داخل حركة «فتح» بل يتعلّق بخطّ سياسيّ خطير تراهن عليه أطراف إقليميّة ودولية وازنة ولا يتعلق بمصلحة الشعب الفلسطيني… بالتأكيد.

مرحلة فلسطينية خطيرة: من هم أصحاب القرار؟

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية