مروان قصاب باشي وبرلين التي كانت دمشقه الفنية

حجم الخط
0

من الصعب تتبع الحياة التشكيلية في العالم العربي دون التمعّن في النتاج الفني لمروان قصاب باشي، وهذا هو الحال عندما نتحدث عن تاريخ التصوير في برلين حيث يقيم الفنان الراحل منذ 1957.
يُعتبر عمل مروان مرجعا مهمّا في الحركة الفنية التي ظهرت في الستينيات في برلين والتي سميت في ما بعد بالتشخيصية الجديدة، في وقت كانت فيه الفلوكسس والبوب آرت والهابينينغ طاغية على سوق الفن. لقد كُتب لأول مرة عن هذه الحركة في كتاب المعرض الأول لمروان في ألمانيا عام 1967 في غاليري شبرنغر من قبل إبراهارد روترز حيث سمى تشخيصات الفنان بـ«التكوينات الرثائية».
برلين: «دمشقه الفنية»، مرآة حلمه، شرنقة، مدينة مختلفة كليّا عن بيته الدمشقي التقليدي البرجوازي حيث ترعرع، التي تبدو حين وصوله شبه جزيرة معزولة، مهدمة، آثار الحرب عليها فاضحة وستكون من عام 1961 إلى 1989 مقسمة إلى شرقية وغربية. لقد أقام الفنان في برلين الغربية، المدينة التي جذبت العديد من الفنانين والمفكرين من مدن وبلدان مختلفة، ويذكر أن منح ال داد لعبت دورا باستقطابهم. وفي الوقت ذاته عدد كبير من سكان المدينة الأصليين تركوها بحثا عن حياة أفضل.
لقد سمح مناخ برلين الخاص جدا وانعزالها، لمروان بالغوص في عالمه، وخلق له بيئة تناسب منهجيته في العمل. بعد معرضه الاستعادي عام 1976 في أورانجوري شارلتنبورغ في العاصمة الألمانية ستلقى لوحاته الترحيب والشهرة وسيتم تعيينه في العام التالي بروفيسورا زائرا في المعهد العالي للفنون الجميلة في برلين الغربية، وفي الوقت نفسه ستُعرض أعماله في مدن أخرى مثل نيويورك، وهنا سنشاهد الوجوه المنظرية المروانية التي تحمل هويته الفنية، ومن الجدير بالذكر أنه في هذه الأثناء لم يكن اسم مروان يتردد في العالم العربي.
بدأ عمل مروان يُعرف في العالم العربي، خصوصا بعد معرضه الفردي في بغداد في متحف الفن الحديث عام 1980، وبعد المعرض الأول المؤقت في قسم الفن المعاصر والمقام في متحف معهد العالم العربي في باريس عام 1988 حيث عُرضت أعماله إلى جانب أعمال الفنانين ضياء العزاوي (العراق) ورفيق الكامل (تونس) ومحمد القاسمي (المغرب)، بهدف مقاربة أولى للوضع التشكيلي العربي. لاحقا ستُعرض أعماله في دمشق في غاليري أتاسي وفي دارة الفنون في عمان حيث سيؤسس الأكاديمية الصيفية للفنون تاركا بصمة كبيرة على جيل كامل من الفنانين الشباب العرب. بعد ذلك سيطلّ على فلسطين من خلال أربعة وسبعين عمل حفر قدمها لجامعة بيرزيت ولمركز خالد السكاكيني الثقافي في رام الله تحيّة لأطفال فلسطين.
يُعتبر عمل مروان على الوجه وتصويره على مدار أكثر من نصف قرن من أكثر المسائل تشويقا، فعمله هو من ناحية معاصر ومن ناحية أخرى يدخل في إطار تاريخي قديم جدا متعلق بالوجه البشري، وهذا هو أحد الدوافع الأساسية التي دفعت بي لتكريس بحثي في الدكتوراه ـ جامعة السوربون في باريس ـ لدراسة نتاجه الفني منذ البدايات وحتى اليوم، من خلال تناول الوجه والعمل الورقي.
منذ عام 1964 بعد إنهاء دراسته في الفنون الجميلة بدأ مروان برسم وجه بدر شاكر السياب ومنيف الرزاز وبسرعة سيصبح وجه الفنان ذاته موضوعا للعمل تفاديا لهويّة شخصية محددة ونسيان المهمة الأساسية للعمل الفني ومصداقيته. لا يتم تقديم الوجه في اللوحة كصورة ذاتية، وإنما كاستعارة، كمفهوم فني، إن الوجه هو الذريعة الأولى للرسم ومن خلاله يتم فهم العالم من خلال لغة الرسم. وعلى غير ما قدمت بعض الدراسات من تصنيفات لمراحل العمل لدى مروان يجب الإشارة إلى مرحلتين أساسيتين عرفتهما لوحته هما «الوجه» ثم «الرأس»، الأولى تبدأ مع الوجوه المنظرية وهنا بإمكاننا القول الوجه كطبيعة له مجموعة لونية مستمدة من لون الأرض، الوجه كوكب. رويدا رويدا تميل هذه الوجوه إلى اليمين أو اليسار حاملة بعدا مسرحيا. ثم يقترب مروان أكثر من الوجه حتى استنزاف الموضوع، وهنا يتوقف وتأتي مرحلة الماريونيت (الدمية) أو الجسد كشيء. بعد عدة سنوات من العمل على هذا الموضوع، وفي عام 1983 يحتل رأس الدمية فضاء اللوحة بالكامل وينتقل الفنان إلى مرحلة الرؤوس. يعود الوجه إلى لوحته بعد أن يصبح رأسا، بعد أن صار (شيئا). لا يمكننا أن نشاهد أو (نقرأ) الرؤوس إلا من خلال البحث والتعمق في تفاصيل اللوحة وأيضا من خلال قراءة مذكرات الفنان. لقد أتاح لي التبادل الفكري مع مروان في إطار البحث والسعي لتوثيق وتحليل أعماله بالاطلاع على جميع يومياته ومذكراته بعد موافقته، أستطيع نوعا ما تسميتها (يوميات لوحة) التي كان قد بدأ بكتابتها منذ عام 2000 والتي كانت مشروعا قائما للنشر قبل وفاته. من خلال تلك الكتابات نستطيع التوغل في عالم الرؤوس المروانية التي تصبح مكان التحولات والاستعارات الأدبية، رغم إصرار الفنان على المفردات التشكيلية. يصبح الرأس إذن «طائرا، سجادة عجمية، صلاة، عشا، زرقاء، غيمة، أرضا، قناعا، مجنحا… إلخ. الرؤوس في حالة تكرار دائم، في حالة دوران، وهي تشبه بذلك الموسيقى الشرقية ورقص السماح. في رسالته الموجهة لي في تاريخ 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2006، وثيقة تنشر للمرة الأولى، يقول مروان: «أما عن التكرار، خاصة في الرؤوس التي تشكل المحور الأساسي في القصة الذاتية لفني، فهو أحد السمات الأساسية أيضا وربما كان مصدره جذوري الحضارية في الشرق وصفة التمعّن والتأمل والاكتشاف دائما. نرى الشيء، ونقول هذا هو ونريد الدخول في عالمه وفي كيانه، نلامسه بالعين والوجد مع الوقت وخلال الزمن، وبالكاد ندركه حتى يختفي ليظهر في وجه جديد، كالأمواج سائرة من قلب المحيط إلى الشاطئ لا حصر لها ولكن كل موجة تكون هي ولا تشبه الموجة الأخرى. ومن ولد في الشرق يعرف الترتيل والدعاء والذكر وتكرار الألفاظ مع التصعيد المستمر، وهي دائما جديدة تحرك المشاعر في طريق الوصول. والتكرار هذا لا يأتي بالقصد اللغوي بمعناه السلبي، وإنما بالمعنى الروحي الإيجابي وربما الصوفي».
اليوم وبعد عدة أيام من رحيله، أستعيد عشر سنوات من التاريخ المشترك مع مروان، دخلت خلالها إلى عالمه بالبحث والاطلاع والمقارنة ومن ثم مشاركته هو في البحث، ورغبته المطلقة بتوثيق رحلته الفنية وأفكاره، حيث كانت الأحاديث تطول حول مسائل عديدة تخص الوجه وتقنيات الرسم والنظر عن كثب إلى العمل الفني وكانت هذه الدراسة النظرية محرضا للعمل. إن حلمه المرتبط بطفولته الدمشقية هو الذي حمله نحو جمالية فريدة للوجه خاصة به. لقد لعب تفاعل الحلم مع الذاكرة والمكان دورا جوهريا في إنتاجه الفني ومن ثم رغبته الدائمة وإيمانه المطلق بالرسم. كان الرسم بالنسبة لمروان عالمه وطريقته الوجودية.

٭ باحثة وتشكيلية سورية

مروان قصاب باشي وبرلين التي كانت دمشقه الفنية
ترك رسائل ومذكرات وحوارات لم تنشر
نغم حديفة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية