مروة خليل: الموضوع حساس وقاربته بمسؤولية

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: قد يكون مفيداً أن يعيش المتلقون في عرض مسرحي تجربة الطريق إلى الجنة، وصولاً إلى ولوجها وفق شرط لبناني لا يزال حتى اللحظة مستحيلاً. هذا ما كان في مسرحية «عطريق الجنة». ثلاث فتيات تفقدن حياتهن في حادث سير، كل منهن تنتمي لطائفة في لبنان الـ»مُطيف» بامتياز. على باب الجنة حاجز. لا دخول سوى بتوافق بين النساء الثلاث. الجنة تفترض الوفاق والتوافق، وإلاّ.
عرض مسرحي كتبته الفنانة مروة خليل، أخرجه شادي الزين، وصلنا بقالب من الكوميديا السوداء كما هو حال لبنان المبكي المضحك. عرض يتميز بجرأة الدخول إلى المحظور الديني كالجنة والنار، والحضور الكاريكاتيري لما أطلقت عليه الكاتبة «المجلس الأعلى للآداب والأخلاق».
مروة خليل مقدامة في النص الذي اختارته، وفي مجازفة الإنتاج. ترغب في تجربة فنية متكاملة، وهذا ما حققته. معها كان هذا الحوار:

○ بشجاعة دخلت إلى المنطقة الأكثر حساسية في مرحلتنا الحاضرة وهي الطوائف والمذاهب. من أين لك هذا؟
• عشت مع عائلتي في فرنسا حتى عمر الحادية عشرة. هناك درست في مدارس الدولة ولم يكن أحدنا يعرف أو يسأل عن دين الآخر. عدت بعد الحرب إلى لبنان وبدأت اكتشاف بلدي بالتدريج. أنا شيعية المذهب كان من ضمن اكتشافاتي. وراح السائد في هذا الوطن يعمل لإقناعي بضرورة التمسك بهذه الهوية المذهبية بعيداً عن الوطنية. رغم المآسي في محيطنا، للأسف صار الشيعي أكثر شيعية، والسني والمسيحي كذلك. ألحّ الموضوع على قلمي، محملاً بمزيد من التحريض الذي يعود لعمر الطفولة. في الطفولة كان الأهل يصرّون على ربط الممنوع والمسموح بالنار والجنة. نضُجت فكرة الجنة في مخيلتي وقدمتها في المسرحية بطريقة كوميدية.
○ ومن أين لك خوض موضوع الجنة في هذه المرحلة تحديدا؟
• في اعتقادي يجب أن يتناول الفن أموراً حسّاسة. وعليه كسر المحرمات. من خلال الكوميديا السوداء يمكن للرسائل أن تمر بشكل خفيف. صحيح تناولت موضوعاً حساساً إنما بمسؤولية كبرى. كتبت نصي بالتعاون مع ساندرا خوّام وهي مختصة في علم النفس. كانت لنا كتابات ثلاث للنص، في كل منها كنا نخفف الجرعات. في ظني قدمنا نصاً غير حاد، ولهذا سأل البعض لماذا لم تذهبي أبعد؟
○ هل رغبت بغوص أعمق وأبعد في المشكلة الطائفية؟
• كان متاحاً، إنما الفكرة وصلت. ونحن بغنى عن أي مشكلات. في النهاية خرج المتفرجون من المسرح مسرورين، الدرزي أحب نفسه، الشيعي، المسيحي والسني أيضاً.
○ في لحظات الضغط والضبط الديني للأفكار والسلوك ألم تترددي في خوض هكذا نقاش على خشبة المسرح؟
• حتى مرحلة معينة كان جميعنا مصدوما مما يحدث، لكني سألت نفسي مع عرض مماثل ماذا سيحصل؟ عدت لأجد أن موضوع الطوائف والجنة والنار على لسان الكثير من الناس والفنانين. المهم كيفية تناولنا لهذا الموضوع. لا أظن أني توغلت عميقاً جداً في موضوعي. ولو فعلت ذلك ربما لم يحظ نصي بموافقة الأمن العام الذي كان إيجابياً جداً. في لبنان الحرية موجودة، ونحن مختلفون عن كافة البلدان العربية. إنما الحرية لا تعني الإنفتاح.
○ هل كنت فعلاً بصدد الجنة والنار التي توجست منها منذ الطفولة أم هو الواقع الديني المتشدد المستجد في منطقتنا العربية؟
• الجنة والنار التي ظهرت على خشبة المسرح تشبه إلى حد ما ألعاب الأطفال. لهذا قطعت بدون مشاكل. هو لعب نعم، إنما بذكاء. في رأي أن النار هي الخطايا التي كبرنا ونحن نُحَذّر منها. لهذا كانت العودة إلى التفاحة وما يسمّى بالخطيئة الأولى التي اُلصقت بالمرأة، وحمّلتها الإحساس بالذنب على مدى العمر. هو العقاب الذي يلازمنا في مجتمعاتنا، وسلسلة المحذورات. كما هي المحكمة العليا للأخلاق في المجتمع. هذا الواقع الذي يحلل ويحرم ترك في رؤوس البشر محاكم خاصة في كل منهم.
○ الطوائف اللبنانية اختلفت حتى وهي في الطريق إلى الجنة. هل تعنين أن الأمل بتوافق لبناني مفقود؟
• بكل أسف هو الايقاع الخاص بلبنان. نتوافق، نلتقي. نختلف. يتقوقع كل منا في حيزه الضيق. ربما هو حيز يشبه القن، ونحن دجاج إنما مختلفون على الدوام. لهذا سعت الفتيات الثلاث للقاء، لكنهن تباعدن، تماماً كما إيقاع الشارع اللبناني. فجأة يتأبط كل منا علم طائفته ويقصي علم وطنه.
○ خلال الكتابة أجريت حواراً مع رجال دين من طوائف مختلفة فما هي الفائدة التي جنيتها؟ هل كنت تسعين لكسب عدم اعتراضهم على موضوع حساس كما دخول الجنة؟
• هم يتكلمون بشكل فائض جداً، ويفلسفون الأمور ويعقدونها. صدمتني قدرتهم على العودة إلى الوراء آلاف السنوات، والغوص في تفاصيل التفاصيل التي لها أول وليس لها آخر. أشعرني رجال الدين في غوصهم هذا وكأنهم عاشوا تلك التفاصيل رغم كونها تعود لحدود 2000 سنة، بل أكثر بكثير. لن أذكر ديانات ولا مذاهب، فالغوص في الماضي موجود لدى الجميع دون إستثناء. رجال الدين جميعهم غارقون في تفاصيل الماضي على حساب الواقع الذي يطلب منهم الاهتمام. أن تنتقل الأخبار أو الوقائع من شخص لآخر وعبر آلاف السنوات، فهذا ما يضيّع البرهان. جميل أن يتخيل أحدنا مشهداً لحدث حصل قبل 2000 عام، إنما هل كنت موجوداً لتعرف كل تلك التفاصيل؟ من جهتي تناولت قصصاً بعيدة عن التعقيد كمثل لحم الخنزير الممنوع تناوله من قبل المسلمين. وعجيبة قانا لدى المسحيين والخطايا السبع. أما اللالتزام بما قاله رجال الدين لي فهو يُصلح لمسلسل أكثر منه لمسرحية. نعم خضت هذا الحوار مع رجال الدين لأني لا أرغب في مشكلات قبل أو بعد العرض. وهذا ما حصل بحضور الأمن العام للعرض الإفتتاحي. كنا في غاية الحرص كي لا نغلط، فالموضع حسّاس وهو الآن أكثر حساسية. لكننا نهدف لأن يفكر الجمهور بما يسمعه. فلم اتخل كثيراً عن الوقاحة. كانت موجودة حيث يجب، وبشكلها الإيجابي.
○ يحلم المؤمنون بشكل خاص بالجنة وكذلك من هم أقل إيماناً شخصياتك النسائية الثلاث دخلتها وبقيت تشتاق للأرض ومن عليها. ما هذه المفارقة؟
• لأن الإنسان يعيش صراعاً بين الروحانيات وحياته المادية. وهذا موجود حتى لدى رجال الدين الذين يقولون أن الإنسان مصنوع من تراب ونور. هم بدورهم يعيشون هذا الصراع. النساء الثلاث حاولن كسب الحالة الروحانية، لكن حواء قطفت التفاحة. وكانت الخطيئة. الإنسان يخطأ. وهذا ما ناقشته مطولاً مع المختصة في علم النفس ساندرا خوّام. غريزة البقاء لدى الإنسان تتفوق.
○ كم أتاح لك هذا العرض وضع أفكارك الخاصة في المرأة أمام الجمهور؟
• ما لاحظته أننا نضع لا وعينا على الورق خلال الكتابة. هناك الكثير من ذاتي، لكني مزجته مع شخصية ميريام خليفة التي مثلتها. في الفن الذات موجودة وحتى في التمثيل. نستعين بذكرياتنا وما عشناه، للتمكن من عيش المشهد والإحساس به. نحن نركب المشهد الذي نمثله من خلال ذكرياتنا مع الآخرين. كذلك ساندرا خوّام وضعت من ذاتها الكثير وفي شخصية مايا تحديداً. فمايا مهووسة بالطعام «الأورغانيك».
○ كم توافق فكرك مع المخرج شادي الزين ككاتبة للنص ومسؤولة عن الإنتاج؟
• سبق وتعاونت معه في مسرحية زنود الست، حيث كانت النتيجة جميلة جداً وناجحة. هو يقدم أفكاره بشكل فلسفي. فالديكور الذي استخدمه على المسرح متحرك، شكّل متاهة حيناً، وحيناً آخر نعوشاً أو سيارات. وفي الوقت عينه يمكن لهذه الأشكال أن تقفل علينا، وتسد الأفق في وجهنا.
○ تريدين القول أن شادي الزين يحسن الاستفادة من عناصر مسرحه؟
• صحيح. ونحن ننتمني للمدرسة نفسها، وهي مدرسة روجيه عسّاف. كيفية استعمال المساحة واحد من هواجس تلك المدرسة. وكيف تُستعمل الأشياء كأن يكون الكوب في أكثر من وظيفة على سبيل المثال. ويتميز شادي بأبعاد جمالية في إخراجه. وهذه الجمالية متاح قراءتها بأكثر من طريقة.
○ الممثلتان تانيا عاصي ولارا رين أتقنتا على التوالي دور المرأة الدرزية والمسيحية النمطي إن صح القول. كم تدربتا حتى وصلتا لاقناع وبخاصة تانيا عاصي؟
• نعم. كل منهما عايشت دورها لزمن طويل حتى تمكنتا من الوصول إلى الخشبة بهذه القدرة على الاقناع. تانيا عاصي خصوصاً أمضت وقتاً طويلاً وهي تراقب وتعايش سيدات من الطائفة الدرزية. وكان لي تقديم الفتاة المنتمية إلى والدين من المذهبين الإسلاميين المعروفين السني والشيعي «سوشي» كما وصفت نفسي في النص.
○ عن مروة خليل الممثلة ذات الحضور الخفيف كما الهواء في التمثيل المسرحي أو التلفزيوني نسأل متى صُقل هذا الممثل الذي في داخلك؟
• بدأت التمثيل في عمر الـ18 درسته في لبنان، وكذلك خضعت لدروس وتدريب في الولايات المتحدة وفرنسا. رويداً رويداً اكتشفت كم تعيش الممثلة من قيود. قيود انتظار النص، وقيود أن نُعجب المخرج أو لا نعجبه. قيود أن نكون بعمر الدور أو خارجه. لم يكن هذا مريحاً لي مطلقاً. رغبت من أعماقي بتقديم ما أريده كممثلة. وضعت مروة أمام تحديات بدأت من الكتابة، وتأمين الاكتفاء المادي الذاتي. بدأت الكتابة ووجدت أني أمتلك اسلوباً وأفكاراً. ومنذ دخلت عمر الثلاثين أقوم بكافة مشاريعي كممثلة. مع هذه التجربة وتحقيقها للنجاح أشعر بنوع من الاشباع. لا أنفي كم هو جميل احساس الممثل، لكن الأجمل أن نخلق ما هو أكبر من هذا الإحساس.
○ تميزت مسرحية «عطريق الجنة» بقوة رسائلها، فلماذا انهيتها بهذا الوعظ الوطني؟ لقد أضعفتها بعد كل قوتها؟
• تلقيت العديد من ردود الفعل غير المرحبة في نهاية المسرحية. أعدك أن العروض المقبلة ستشهد تعديلاً في خاتمة المسرحية. لكني أسأل لماذا رفض المتلقون في المسرح أي ذكر للوطنية وللـ 10452 كلم مربع التي تشكل مساحة لبنان؟ هل يرفض المتلقون الاعتراف بلبنان؟
○ ليست مسألة رفض للوطنية بقدر ما هو رفض لأن تُهزم المسرحية في نهايتها مع الكليشيهات؟
• أخ، أخ، أخ، سوف أعدّلها. توقفت عند هذا الرفض الكبير لنهاية العرض المسرحي. وأسأل نفسي لماذا؟
○ هو جمهور مسرح «مونو» الذي تصله الرسـائل دون أن توضــع في طبق مع ملعقة؟
• نعم وعدتك بالعمل على تصويب نهاية العرض. لكني أصرّ على تذكير الناس بالمبادئ الوطنية، فالبلد «ما عم يمشي». لو لم أكن محقة في ذكر ما ذكرته في نهاية العرض لماذا «ما عم يظبط البلد»؟ «فليظبط ويخلصنا».
○ أن يكون النص لك وكذلك الإنتاج فأنت صاحبة قلب قوي؟
• لكنني في غاية الإرهاق. أن يكون الفنان موزعاً بين الكتابة والتمثيل والإنتاج، فهذا لبنان. بغير ذلك لا تستقيم الأمور. في لبنان ليس لنا أن نعيش فقط من التمثيل، أو الاخراج، أو الكتابة. أن نمتلك أكثر من مهارة فهذا يمنحنا مزيداً من الحرية في تقديم ما نرغبه من ديكور، بوستر وسوى ذلك. لهذا يكون العمل شبيهاً بنا. وهذا يخلق لنا جمهوراً خاص بنا. ومن جهة أخرى أحتاج للتحكم في أعمالي. تلقيت الكثير من الفرص للتمثيل التلفزيوني في مسلسلات تصل لـ40 حلقة. خفت حيث لم أجد ما يشبهني في هكذا أعمال. غالباً أشعر أني غير منسجمة مع ما يُعرض عليَ. أرغب في أن يكون لي الأسلوب الذي يحمل بصمتي. فمع مسرحيات «من قتل ماري لين» و «زنود الست» و»عطريق الجنة» صار لي ما يشبهني لجهة الاسلوب. وبالتأكيد في كل مرة كنت أكتب النص بالتعاون مع آخرين. «زنود الست» كتبتها بالتعاون مع وفاء حلاوي، و»من قتل ماري لين» بالتعاون مع ريا حيدر، وحالياً كان التعاون مع ساندرا خوّام.

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية