مرونة الفرس والزوابع التركية

حجم الخط
10

تتسارع الأحداث في الشرق الأوسط بوتيرة تعجز معها أغلب الأذهان عن إدراك الانقلاب الشامل في المعادلات التي بنيت عليها الثوابت السياسية في المنطقة.
دول الخليج تدخل مباشرة في صراع مسلح ضد الدولة الإسلامية في سيناريو يشبه كثيرا مشاركتها في غزو العراق والإطاحة بنظام صدام حسين والذي لم يكن له ان ينجح لولا فتح دول البترول العربية لأراضيها وخزائنها. ومع ذلك غاب نفوذها ساعة القطاف فأرسي نظام دستوري فصّل بمسطرة إيرانية لإقصاء السنة العرب مسبوقا بقوانين اجتثاث البعث وحل الجيش العراقي وما استتبعه من انهار دماء ودموع أدت إلى الكارثة التي نعيشها هذه الأيام.
الآن، تتسابق الدول الخليجية للدخول في حرب أخرى بينما ترفض إيران المستفيدة الأولى المساهمة في التحالف بقواتها أو إمكانياتها، كما حدث في الحرب السابقة، مفضلة كعادتها تسخير مقدرات خصومها وقطف الثمار التي ستقدم لها على صحن من ذهب ومنها:
– وقف تساقط جيـــش الأسد حليفـــها الأول الذي تلقى هزائم متسارعة وغير مسبوقة من طرف الدولة الإسلامية كما حدث في مطار منغ والطبقة، والقضاء على الفرقة 17 في دير الزور والاستيلاء على الشـــمال الشرقي لسورية، وسيطرة جبهة النصرة على أجزاء مهمة من الحدود اللبنانية والقنيطرة المطلة على الجولان المحتل.
– اقتناص فرصة انشغال الحلف الجديد والانقضاض على العاصمة اليمنية صنعاء عبر الحركة الحوثية، ليدخل اليمن في إطار محور طهران دمشق بيروت بغداد وهي الغزوة التي لم تجد الدول الخليجية بدا من تجاهلها إنْ لم نقل مباركتها على استحياء.
– خلق صراع مسلح سني سني، ويسدل الستار بذلك على سنوات مريرة من الشحن الطائفي المنظم في إطار السياسية الأمريكية الهادفة إلى محاصرة إيران في المنطقة.
لا يخفى على أي متابع ان هذا الانقلاب المفاهيمي والاستراتيجي لا يعود فقط إلى مخاطر محتملة قد تتعرض لها دول الخليج بسبب صعود الكيان الجديد السريع الانتشار المدعو بالدولة الإسلامية وهو الكيان الذي يتقاسم مع المملكة العربية السعودية العقيدة الدينية الوهابية بشكلها الصرف.
للمملكة تاريخ عريق في التفاهم مع الحركات المشابهة في أفغانستان والعراق ومصر لو أطلقت يدها وتمتعت بحرية القرار.
السبب الرئيسي لهذا الانقلاب الجذري عائد بالدرجة الأولى للإرادة الأمريكية بتحجيم الدولة الإسلامية بعد المفاوضات مع إيران والتي يبدو انها تضمنت الاتفاق على مناطق نفوذ كشفها الصمت المطبق للمجرة الأمريكية عن سقوط صنعاء.
المفارقة الكبرى ان دول الخلـــيج دخلت في صراع مع الثورة الإيرانية بأوامر أمريكية من أيامـــها الأولى رغــــم مناصرتها المعلنة على الأقل للقضايا العربية، بعد هروب الشاه محمد رضا بهلوي الحليف الأبدي لإسرائيل، وهكذا تم افتعال العداء السني الشيعي الذي أصــــبح العقيدة الموازية، ان لم نقل البـــديلة، للصراع مع إسرائيل.
الغريب انه بعد كشف إيران عن أنيابها وظهور أطماعها وتورطها الدموي المكشوف في سورية والعراق واليمن، تتحول الاستراتيجية الخليجية إلى أداة مجانية لخدمة مشاريع أعداء الأمس.
المشكلة الحقيقية تكمن في تغير فكر الثورة الإيرانية بفعل الصراع المرير مع دول الخليج التي بالغت في التآمر والاستعداء خدمة للأجندة الأمريكية.
العقيدة الإيرانية الجديدة تحولت من الصراع مع «الشيطان الأكبر» أمريكا، إلى الحرب مع السنة في حواري بغداد ودمشق وصنعاء حتى ولو كلفها الأمر تنازلات جدية للولايات المتحدة.
الشرخ المفتعل بين السنة والشيعة الذي طبخ بعناية عبر عقود في المطابخ السياسية الخليجية، انتج تقاتلا طائفيا بين السنة والشيعة لا يمكن الالتفاف أو القفز عليه وتضميد جراحه بقرار لحظي لا يأخذ بعين الاعتبار ملايين الناس الذين تم توريطهم في سوريا والعراق واليمن وباكستان.
مرونة الفرس تجلت في فهمهم المتأخر لعبثية الجهود المبذولة للتقارب مع ما يسمونه في مجالسهم الخاصة بالكيانات القبلية الموجودة على الضفة الأخرى من الخليج الفارسي فتوجهوا مباشرة لأصحاب القرار في واشنطن مما أدى إلى نتائج سريعة ومذهلة.
تركيا الحاضنة المزعومة للسنة والسد التاريخي في وجه الدولة الصفوية تنــــزلق يوما وراء يـــوم في نفس المشروع بتخابث وتلكؤ واضحين لإفساح المجال أمام تنظيم الدولة الإسلامية حتى يلحق أكبر أذى ممكن بالتنظيمات الكردية واستدرار ما يمكن استدراره من المكاسب المادية عبر ابتزاز مختلف القوى الدولية والإقليمية.
هذا الأسلوب الانتهازي هو ما يفسر التناقض بين القول والفعل في كل المواقف التركية من القضايا الإقليمية المطروحة، حيث نلاحظ انه رغم مرور سنوات على المحنة السورية، لم تقدم تركيا أي مساعدة جدية من شأنها ترجيح كفة الثائرين على طغيان الطائفة النصيرية، بسبب لجمها بحلف الناتو ومصالحها المركبة مع الدول الغربية، بما في ذلك الاتفاقيات التجارية مع الاتحاد الأوروبي.
في المسألة الفلسطينية لا يتجاوز سقف الجهود التركية الصراخ والضجيج والزوابع الإعلامية، فتركيا غير مستعدة لتهريب رصاصة واحدة لغزة ولا قطع العلاقات مع إسرائيل ولا حتى تقليص حجم المبادلات التجارية معها.
خلافا لتركيا المقيدة بملء ارادتها، تستميت إيران في دعم دميتها الدمشقية فتغدق عليها بالرجال والعتاد والأموال، وترسل ميليشياتها اللبنانية والعراقية المتحمسة لسفك دماء السنة وهنا تصل مأساة الشعب السوري لذروتها فلا خير يرجى من حلفاء لا يمتلكون ناصية أمرهم ولا يستطيعون اتخاذ أي قرار حاسم دون العودة إلى المرجعيات الأمريكية والأوروبية.
اللافت للانتباه ان الحرب الحالية ضد تنظيم الدولة الإسلامية تتغــــافل عن السبب الحقيـــقي لهذه الظاهرة وهو الهزء من خلال الـــوعود العرقوبية بالقيادات المعتدلة والعقلانية للائتــلاف السوري والملايين التي خرجت مطالبة بالحرية والديمقراطية، وتجاهل المجتمع الدولي المخجل للفظاعات المرتكبة في حق السنة بما في ذلك استخدام أسلحة الدمار الشامل، وكذا الثورات المضادة التي نسقتها الأنظمة البترولية في مصر وليبيا واليمن. وهي انتكاسات أقنعت الكثيرين بعبثية التحول السلمي نحو الديمقراطية وعززت أطروحات الحركات الجهادية التي كانت وما زالت تعتبر دعوة الغربيين للديمقراطية مشروطة بوصول بيادقهم لسدة الحكم.
ترى هل ستنجو دول الخليج من مخاطر الانعطاف السريع والحاد في سياستها الإقليمية؟ وهل ستختفي آثار آيدبولوجية الشحن الطائفي؟ وهل ستتقبل شعوبها التورط العسكري وإهدار الثروات من أجل تقديم الخدمات المجانية لإيران؟

٭ كاتب من موريتانيا

عبد الرحمن ودادي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية