مزاعم أخطاء القرآن (2)

حجم الخط
43

وقرر جهلة اللغة أن في الآية (لَيْسَ َالبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَالمَلائِكَةِ وَالكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ) خطأ إذ أتى بإسم الفاعل بدلا عن المصدر، حسب زعمهم. ولذلك فإن تصحيح الخطأ:عندهم أنه (كان يجب أن يقول: ولكن البر أن تؤمنوا بالله. لأن البر هو الإيمان لا المؤمن).
هذا الكلام يمثل الجهل المركب الذي لا علاج له.
الآية ليس فيها اسم فاعل، حتى يقول إن الآية استعملت اسم الفاعل بدل المصدر. والظاهر أن جهل الكاتب باللغة صور له (البِرّ) اسم فاعل. ومن الواضح أنه ليس كذلك، فهو بكسر الباء لا فتحها. ثم أي مصدر هذا الذي ناب عنه اسم الفاعل الذي يتوهمه؟ وهل قصد به تقديره: أن تؤمنوا بالله؟ فإن قصد ذلك فقد أخطأ، لأن الآية لا تهدف إلى ذلك. وإليكم إيجاز الموضوع:
في اللغة العربية اسم ذات ويسمى اسم عين، أيضا، واسم معنى. الأول يعني الماديات التي يمكن أن ترسم، مثل الرجل، والأرض، والنباتات والحيوانات، وما إليها. والثاني يعني المعنويات التي لا يمكن أن تتجسد في صورة من الصور، مثل: الكرم والبخل والشجاعة والطيبة، وما إليها.
وقد جرى فصيح الكلام العربي على جعل المصدر اسم المعنى. وقرر بعض النحويين أن الأغلب في كلام العرب أن لا يقع المصدر خبرا عن اسم ذات، ولكنه ورد في شواهد من الشعر عديدة: كقول الخنساء:
ترتعُ ما رتعتْ حتى إذا ادّكرت
فإنما هي إقبالٌ وإدبارُ
تصف ناقة أو بقرة فقدت ولدها فكلما نَسِيَته رَعَتْ، فإذا عاودتها الذكرى حنت إليه فاضطربت إقبالا تارة وإدبارا أخرى. وقد أخبرت الشاعرة عن اسم الذات، الناقة أو البقرة، بالمصدر: إقبال وإدبار. وقد أجازه الخليل على سعة الكلام. ومثله: نهارُك صائمٌ، وليلُك قائم.
هذا ما قاله القدماء وأرى أن في هذا التعبير، سواء كان اسم المعنى متقدما على اسم الذات أم متأخرا عنه، عمقا لا يتضح بالذي قالوه وقرروه. وتعال معي:
إذا أردت أن تصف صاحبك بالكرم، فلك أن تقول له: أنت كريم. ولك أن تقول له: أنت الكرم ذاته. التعبير الأول سليم، وهو وصف معتاد لا مبالغة فيه ولا عمق له. أما الثاني ففيه مبالغة وتعميق، وكأنّ صاحبك صار هو الكرم ذاته. فهو مخلوق من الكرم، وليس فيه شيء من البخل أو الحرص، لا ما قلّ منهما ولا ما كثر.
وحين تصف واحدا بأنه صائم نهارا قائم ليلا، فلم تزد على أن وصفته بما يشترك به مع مجموع من الناس، وليس من شرط في هذا التعبير أن يكون عامّا شاملا لكل نهاراته ولياليه. فقد يفطر أحيانا، وقد يقوم بعض الليل، لا الليل كله. أما تعبير: نهارك صائم وليلك قائم، فلا يقبل إفطار نهار ولا إغفاءة في ليل.
نعود إلى الآية: لو كانت الآية: ولكنّ البارّ، أو البَرّ بفتح الباء، من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين. لكان كلاما معتادا، وليس فيه جديد مضاف إلى ما يعرفه الناس. فذاك البارّ، تماما كالبارّ بوالديه. ولكن، علينا أن نفهم أن البارّ بوالديه قد يخطئ بحقهما بقصد وبغير قصد، فكل إنسان معرض للخطأ. وكذلك في التقدير الذي ذكروه للآية، فهذا الذي آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، بارّ معرّض للخطأ كأي إنسان آخر. فلا يتجسد البرّ به.
أما بتعبير (ولكن البِرَّ من آمن) فإنّ الآية تقرر أن هذا الذي تجمعت فيه تلك الصفات بصدق وحق هو البرّ ذاته، هو تجسيد للبِرّ. وهذا المستوى من التعبير أكثر عمقا وأسبغ دلالة من معنى الأسلوب الأول ودلالته.
فهل فهم المزبور ما قلناه؟ أشكّ بذلك.

٭ باحث جامعي عراقي – لندن

مزاعم أخطاء القرآن (2)

هادي حسن حمودي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية