مزاعم أخطاء القرآن (3)

حجم الخط
27

ذهب بعض جهلة اللغة إلى القول أن ثمة خطأ في الآية: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى الله فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) (سورة التحريم 4) زاعمين أنه ورد اسم جمع، قلوبكما، بدل المثنى، قلباكما، ورأى هؤلاء النفر أن (الآية بحاجة إلى تصحيح، قائلين: الخطاب هنا موجّه لـ/ ثم يذكرون اثنتين من أزواج النبي، ويتابعون/ فكان من المفروض أن يقول: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قلباكما إذ ليس للاثنتين أكثر من قلبين) هذا نص كلامهم.
ومن الواضح أن قولهم: صغت قلباكما، خطأ فادح. إذ لا وجه للتأنيث، فقد أوحى لهم جهلهم تأنيث الفعل للفاعل المذكر المثنى: قلباكما. وأما مصطلح: اسم جمع، على ما قالوه، فهو جهل بمعنى المصطلح ودلالته. أما اسم الجمع، وهو قليل الاستعمال، فمثل مشيوخاء، في جمع شيخ، ومعلوجاء في جمع عِلْج. ومعناه معروف.
وعلى أية حال، هذه هي لغة من يرى أن في القرآن أخطاء وخللا. فلننظر فيما زعموه:
كان على هؤلاء أن يفهموا أن المثنى ميزة للغة العربية، وإن وجدت ألفاظ مثناة في بعض اللغات المشتقة من العربية فهي ألفاظ قليلة جدا وليست، في تلك اللغات، أكثر من موروث ثقافي لا يقاس عليه.
وكان عليهم أن يفهموا أن العرب استعملوا التثنية للدلالة، أحيانا، على الواحد وعلى الجمع، لأغراض دلالية وبلاغية. وإن كان المثنى، حسب الوضع اللغوي، دالاّ على اثنين.
واستعملت العربية صيغة الجمع للدلالة على المفرد، وعلى المثنى، وعلى الجمع. فأما استعمالها للدلالة على المفرد فكما في بعض لغات العالم الأخرى، تقال للاحترام والتوقير. إذ لك أن تخاطب صاحبك الذي زارك فتقول له: لقد تفضلتم علينا بزيارتنا. فذكرت صيغة الجمع له ولك.
وقد استعمل العرب الجمع دالاّ على اثنين، كما في قول الراجز يصف ظهر فرسيه، أو ظهري فرَسَيه:
ظهراهما مثل ظهور التُّرسَين/
والتُّرْس، بضم التاء وسكون الراء: الدرع وكل ما يُتوقَّى به، كالخشبة كانوا يضعونها خلف الباب. ومنه المتراس: ما يختبئ فيه الصياد أو المحارب. فقد استعمل الشاعر: ظهور التُّرْسَين، بدل ظهري التُّرسين، على الرغم من أن لكل درع ظهرا واحدا.
ومن ناحية أخرى، فإن هؤلاء لم ينظروا إلى دور الفعل (صغت) في الآية. وأعتقد جازما أنهم يجهلون معناه، فلنحاول أن نرشدهم إلى سواء الصراط المستقيم:
ذكر المعجميون هذا اللفظ في الجذر (صغو) الدال على الْمَيْل، والميل يجعل القلب قلوبا لا قلبا واحدا، وذلك مجاز يدل على كثرة الأحاسيس والمشاعر وتنوعها بل تناقضها. وفي الآية (مَّا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) إشارة بليغة إلى هذا المعنى. فقوله: (صغت قلوبكما) إذن، تعدد الأحاسيس وتناقضها أحيانا.
وأنت إذا ملت إلى شيء، أحببته أو فضلته على غيره، فقد صَغَوتَ إليه، وكأنك صَبَوْتَ إليه مع اختلاف في عمق الدلالة والمعنى وبليغ الإشارة وانسجام الأسلوب. وإذا مالت النجوم للمغيب، فقد صَغَتْ. وجماعتك وأقرباؤك الذين يميلون إليك ويُعينونك ويُسندونك هم صاغية إليك، أو صاغيتك.
وأصغى إليه رأسه: أماله. وأصغيت إليه: أملتُ سمعي إليه. ومنه قول الشاعر:
ترى السَفيهَ له عن كل مكرمةٍ
زَيْغٌ وفيه إلى التسفيه إصغاءُ
وقالوه بالياء أيضا: صَغِيَ يصغَى. كما في قول ذي الرّمّة
تَصْغِي إذا شدّها بالكور جانِحَة
حتى إذا ما استوى في غرزِها تَثِبُ
يصف ناقة أنها تأبى الشدّ، ولكنها تثب نشيطة حين يستوي على ظهرها. وثمة فرق في المعنى بين ما جاء بالياء وما جاء بالواو.
وما أجمل أن نعيد الحياة لهذا الجذر ومشتقاته، فلأزدك من الشعر بيتا:
صغوتُ إليكِ بكل الهوى
فَلِمْ قد صغوتِ بهذا النوى
والنوى: البُعد والهجر.
وقانا الله وإياكم جفوة الأحباب، خاصة في ديار الاغتراب.

٭ باحث وجامعي عراقي – لندن

مزاعم أخطاء القرآن (3)

هادي حسن حمودي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية