وقرروا وقوع خطأ في الآية: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ) إذ هداهم تعيقلهم إلى القول: هذه الآية في غاية الركاكة حيث يبدأها الكاتب بالحديث عن الكفار ثم يضرب مثلا لهم بشخص استوقد ناراً وفجأة ينسى أنه كان يضرب مثلا ويعود لاستخدام ضمير الجمع في منتصف الجملة. وكان عليه إن يقول: فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنوره وتركه في ظلمات لا يبصر) واعتبروه من باب أنه جعل الضمير العائد على المفرد جمعا.
* نترك لهم أغاليطهم التي وقعوا فيها في هذا النص، حتى لا نسمع صراخهم المعروف: يا لثارات البسوس. ولكن كان عليهم، على الأقل، أن يدركوا أن الآية في المنافقين لا في الكفار. والفرق بين النفاق والكفر معلوم. ولك أن تدرك، مسبقا، أن للنحويين والمفسرين في هذه الآية وأمثالها، آراء تختلف من واحد لآخر، كما تختلف عما سنقول:
* التركيب اللغوي للآية بلاغي يقرن صورة بصورة، لا مفردا بمفرد، ثم تندمج الصورتان لبيان حال المنافقين. فالآية تبدا بـ(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ) وهذا التعبير يختلف عن: هم كالذي. و: هم مثل. فقد جاء في الآية: مَثَل، بفتح الميم والثاء. وهذا يختلف عن: مِثْل، بكسر الميم وسكون الثاء. وإليك هذا المثال: رأيتَ أولاد صاحبك يشبهونه تماما أو في بعض صفاته، فتقول لهم: أنتم تشبهون أباكم، أو أنتم كأبيكم، أو مِثْل أبيكم، بكسر الميم وسكون الثاء، ولا يحق لك أن تقول: مَثَل أبيكم، بفتح الميم والثاء، إذ سيختلف المعنى جدا.
نعود إلى الآية: قلنا إنها تتحدث عن المنافقين، وهي في بدايات سورة البقرة التي استهلت آياتها بتقسيم الناس إلى مؤمنين وكافرين ومنافقين. كل منافق يبيع الهدى ليشتري الضلالة، على أمل أن يربح من وراء ذلك ما يربح من مال وغيره، ولذلك تراه يقول شيئا ويُضمر ضده، أو يفعل عكسه. هؤلاء لا يربحون شيئا من تجارتهم، ويخسرون الهدى في الوقت نفسه.
هؤلاء مثال قائم بذاته. وثمة مِثال آخر في الحياة العامة للناس يتجسّد في الشخص الذي يريد أن يوقد نارا، وهذا معنى استوقد: أي طلب الإيقاد، ثم تضيء النار ما حوله. هنا ينتهي دور هذه الصورة في رسم الإطار العام للمعنى. فلم تحدد الآية أنه (ذهب الله بنوره) ولماذا يذهب الله بنوره؟ فأيّ امرئ يستطيع أن يستوقد نارا ويبقى له نوره ورؤيته للضوء. أما المنافقون فيفقدون الضوء والنور.
مركز الآية (هم) لا (هو). فقد بدأت بالحديث عن جماعة (مَثَلهم) بضمير الجمع فالتركيز عليهم هم، ومدى الخسارة التي ستلحقهم. فهنا اندماج بين مثالين: الأول جماعة المنافقين، والثاني فرد من الناس. وهو تركيب لغوي يرقى بإيجازه إلى أعلى درجات الفصاحة والبلاغة. فالاندماج بين المثالين هو السبيل الوحيد لتصوير حقيقة الخسارة التي تقع على المنافقين. ولو كان النص: ذهب الله بنوره وتركه في ظلمات لا يُبصر، فلن يكون في النص أدنى إشارة إلى ذهاب النور عنهم، إذ ليس من مهمات التشبيه، تطابق المشبه والمشبه به. كما في: أنت مثل الأسد. كما أن التشبيه ليس مباشرا بل هو تشبيه مثال بمثال. وإذا أخذنا بتقديرهم: فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنوره وتركه في ظلمات لا يبصر، فسيكون مقتصرا على فرد لا على جماعة المنافقين، وعلى فرض إيجاد علاقة بين المثالين بتقدير محذوف في آخر نصهم المقترح كأن يقال: وكذلك يذهب الله بنورهم. فإن العلاقة مفقودة بين نوره وذهاب نورهم. إضافة إلى تدنّي مستوى بلاغة الآية.
ويبدو أن مما دفع هؤلاء إلى الوقوع في مهوى تخطئة ما لا خطأ فيه، القول بأن: (ذهب الله بنورهم) جواب لَمّا. وهذا يحتاج إلى حلقة خاصة آتية.
قولوا: إن شاء الله.
باحث جامعي عراقي ـ لندن.
هادي حسن حمودي