مسؤولية تركيا أن تمنع إقامة كيان للأحزاب الإرهابية على حدودها الجنوبية

بدأ الحديث عن التدخل التركي العسكري في سوريا منذ السنة الأولى للثورة السورية، بعد أن ارتكب نظام الأسد المجازر والمذابح البشرية ضد الشعب السوري الأعزل في ذلك الوقت. وقد كان الحديث عن التدخل في ذلك الوقت نوعا من الأمنيات الشعبية السورية للخلاص من الظلم والاستبداد بعد أن أبدت الحكومة التركية كامل استعدادها لمساعدة الشعب السوري. ولم تعقب الحكومة التركية في ذلك الوقت عن ردود افعال أو أقوال إزاء تلك الأمنيات الشعبية، ولكن وبعد ان أصبح الحديث عن التدخل العسكري التركي البري يأتي على ألسنة السياسيين الروس والإيرانيين والغربيين، وصف الرئيس التركي أردوغان قبل أيام تلك الشائعات بالحديث «المثير للضحك».
هذا الكلام للرئيس التركي لا ينفي إمكانية التدخل العسكري البري في سوريا فقط، وإنما يكشف عن مخططات عدوانية تعمل لتشويه دور السياسة التركية في المنطقة، وبالأخص في سوريا، وبصورة أكثر دقة في الإساءة إلى العلاقة التركية الكردية، لأن المسألة الكردية هي الحلقة الأصعب لدى تركيا، وهي التي زاد الاستخدام الخارجي لها، بداية من الاستخدام الإيراني والأمريكي والروسي للضغط على الحكومة التركية لتغيير مواقفها تجاه الأزمة السورية، وبسبب أن المسألة الكردية هي الحلقة الأخيرة التي ينبغي على الحكومة والسياسة التركية ان تعمل عل تفكيكها وحلها بنجاح، بسبب ثقلها الاجتماعي والوطني والسياسي والأمني عند الشعب التركي، وللحفاظ على النظام الجمهوري الحديث التي أنشأه الشعب التركي بكل قومياته ومكوناته الاثنية من أتراك وأكراد وعرب وشركس وأذريين وغيرهم، فكل هذه القوميات التركية ساهمت بتأسيس الجمهورية التركية الحديثة والديمقراطية لتكون وطناً لهم جميعاً. فقد تأسست تركيا دولة شعبية وليست دولة قومية ضيقة، فهي لكل مواطنيها بغض النظر عن قوميتهم وإثنيتهم.
إن ما يؤكد وجود مخططات عدوانية تعمل لتخريب الوحدة الوطنية في تركيا هو تعمد وكالات أنباء عالمية تحريف كلام الرئيس التركي أردوغان فيما يخص محاربة التنظيمات الإرهابية بكل أشكالها بما فيها الأحزاب الإرهابية ذات الأصول العرقية الكردية، وعلى رأسها حزب العمال الكردستاني في تركيا، وحزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا، فقد صرح الرئيس التركي أردوغان :»تركيا ستقوم بالرد على أي هجوم محتمل من حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي يمارس الظلم حتى على الأكراد السوريين، وأن العمليات الحالية قد تبقى محصورة في إطار الاشتباكات، ولكنها من الممكن أن تتحول إلى اشتباكات موسعة أكثر في المستقبل».
ولكن وكالتي «رويترز» البريطانية و»فرانس برس» الفرنسية حرفت تصريحات الرئيس التركي، فقد نقلت وكالة «رويترز» تصريح أردوغان كما يلي: «أردوغان سيستمر في قصف الأكراد السوريين»، وأما وكالة «فرانس برس» فقد نقلت قول أردوغان :» لن نسمح بإقامة قنديل آخر على الحدود الجنوبية من تركيا»، كالتالي: «أردوغان يعد بعدم إقامة معقل كردي في الشمال السوري».
التحريفان غيرا طبيعة الصراع وأسبابه، فتصريح أردوغان يتحدث اولاً عن العدوان الذي يشنه حزب الاتحاد الديمقراطي من سوريا على تركيا، وجاء مشروطاً:» أن تركيا ستقوم بالرد على أي هجوم محتمل من حزب الاتحاد الديمقراطي»، أي أن حديث أردوغان محصور بالأعمال الإرهابية التي قد يقوم بها حزب الاتحاد الديمقراطي، بينما التحريف يقول ان أردوغان سيستمر في قصف الأكراد السوريين، فلم يأت ذكر الأكراد السوريين على لسان أردوغان، لأن الصراع الذي يخوضه القصف الجوي التركي سواء في تركيا أو في سوريا ليس ضد الأكراد إطلاقاً، وإنما ضد الأحزاب الإرهابية الكردية التي جعلت من عناصرها بيادق وجنود مرتزقة لدى الحرس الثوري الإيراني اولاً، ثم لدى الجيش الأمريكي، واخيراً لدى الاحتلال الروسي في سوريا، فهذه العناصر الكردية الإرهابية والتي تشن الاعتداءات على تركيا لن تتركها الدولة التركية دون محاسبة، بل سترد عليها، وتقضي عليها مهما كانت الجهة التي تدعمها، سواء كانت أمريكا او روسيا أو إيران او بشار ، لأن الأمن القومي التركي خط أحمر لا تتهاون الحكومة التركية فيه، وسوف ترد تركيا على أي عدوان عليها حتى لو كان من الجيش الروسي نفسه.
إن الخطورة التي يحويها التحريف أنه يريد أن يجعل حزب الاتحاد الديمقراطي وكانه هو الأكراد السوريون أو الممثل السياسي لهم، وهذا غير صحيح ومرفوض من الحكومة التركية. فحزب الاتحاد الديمقراطي لا يمثل اكراد سوريا أولاً، وحزب العمال الكردستاني لا يمثل أكراد تركيا، ولا حزب الشعوب الديمقراطي يمثل أكراد تركيا، ولا أي حزب من هذه الأحزاب يستطيع أن يدعي انه ممثل للأكراد في سوريا أو في تركيا.
إن الدولة والحكومة التركية وقواتها الأمنية وجيشها لن تتهاون في مواجهة المنظمات والأحزاب الإرهابية، التي تهاجم تركيا، بغض النظر عن اصولها القومية إن كانت كردية أو تركية أو عربية أو إيرانية أو غيرها، والدولة التركية لا تواجه ولا تحارب القومية الكردية وإنما المنظمات الإرهابية فقط، بدليل أن تصريح الرئيس أردوغان جاء خلال اجتماع المحافظين المدنيين المعتاد، فأراد إعلام المحافظين المدنيين أن تركيا ستقوم بالرد على أي هجوم محتمل من حزب الاتحاد الديمقراطي أولاً، وأضاف الرئيس أردوغان أن حزب الاتحاد الديمقراطي:»يمارس الظلم حتى على الأكراد السوريين». فحزب الاتحاد الديمقراطي لا يعتدي على المعارضة السورية المعتدلة فقط، وإنما يمارس الظلم على الأكراد الذين لا يوافقونه في الارتماء في أحضان الجيش الأمريكي أو الروسي، فتركيا تعلم ان قلة من الأكراد هي حزب الاتحاد الديمقراطي وميليشياته المسلحة وحدات حماية الشعب هي التي ارتضت القيام بدور المرتزقة بأيدي القوات الأجنبية ضد وطنها ومصالحها، وليس كل الأكراد السوريين من يفعلون ذلك.
وفي اللقاء نفسه مع المحافظين المدنيين حدد الرئيس أردوغان احتمالات العمل العسكري التركي الذي يمكن ان يقع بعد الآن فقال:»إن العمليات الحالية قد تبقى محصورة في إطار الاشتباكات، ولكنها من الممكن أن تتحول إلى اشتباكات موسعة أكثر في المستقبل».
فالخطة التركية الأولى هي عمليات عسكرية محصورة في إطار الرد على أي اعتداء من حزب الاتحاد الديمقراطي على تركيا اولاً، ولكن هذه الاشتباكات من الممكن ان تتحول إلى اشتباكات موسعة أكثر في المستقبل، ومفهوم الاشتباكات لا يحمل معنى دخول قوات برية تركية إلى الأراضي السورية إطلاقاً، ولكن وحيث أن تركيا أعلنت مراراً بانها لن تسمح بسيطرة قوات الاتحاد الديمقراطي على الأراضي الواقعة غرب الفرات من جرابلس إلى إعزاز وعفرين، لأن هذه الأراضي وبالرغم من كونها أراض سورية، إلا ان سكانها من السوريين السنة العرب والتركمان، وإذا حاولت قوات حماية الشعب احتلالها فإنها سوف ترتكب مجازر بشرية وعمليات تطهير عرقي ضدهم، كما فعلت في تل أبيض وغيرها وكذلك سوف تتسبب بعمليات تهجير سكان تلك المناطق إلى تركيا، هربا من التطهير العرقي، وهذا يعني تحديات كبيرة تواجه تركيا، باستقبال اعداد جديدة من اللاجئين، تزيد عن ستمئة ألف مواطن سوري، وهذا ما لا تقبل به تركيا، ولن تقبل أن يقع أصلاً، ولذلك فإن الاشتباكات المقبلة هي لحماية الأراضي التي لا يوجد فيها أكراد أصلاً، من جرابلس إلى إعزاز وعفرين، ومحاولة قوات حماية الشعب السيطرة عليها هو عمل عدواني ضد السوريين أولاً، وضد تركيا ثانياً، لأنها تعمل ذلك لصالح سياسة التقسيم في سوريا، سواء كانت بقيادة من أمريكا أو من روسيا أو من إيران، وتركيا تجد باحتلال قوات حماية الشعب لتلك الأراضي التي عملت الحكومة التركية على جعلها منطقة آمنة للشعب السوري، عملاً عدوانيا صارخاً ضد تركيا، فمن يريد ان يحتل هذه الأراضي عليه أن يسترد ثلاثة ملايين لاجئ سوري موجودون في تركيا الآن، فتركيا لم تستقبل ملايين اللاجئين السوريين لتفسح المجال للأحزاب الإرهابية أن تقيم كنتوناتها الاستعمارية لصالح المخططات الأمريكية أو الروسية أو الإيرانية أو غيرها.
إن أراضي المنطقة الآمنة التي دعت تركيا إلى إقامتها منذ أربع سنوات هي سورية وعربية وتركمانية وسنية، ولا يحق للأحزاب الإرهابية ذات الأصول الكردية ولا غيرها احتلالها بالقوة العسكرية، فهي لأهلها السوريين العرب والتركمان، ومسؤولية تركيا أن تمنع إقامة كيان للأحزاب الإرهابية على حدودها الجنوبية، فإذا كانت أمريكا تأتي من غرب العالم لمقاتلة تنظيم إرهابي ترى أنه خطر عليها، وهو على بعد آلاف الكيلومترات، وإذا كانت روسيا تاتي من أقصى الشرق بحجة مقاتلة تنظيم إرهابي تدعي أنه خطر على بلادها، فمن باب أولى أن تقاتل تركيا تنظيما إرهابيا وعدوانيا عليها وهو على حدودها الجنوبية مباشرة، وقد ثبت ان هذا التنظيم قام بأعمال إرهابية ضد تركيا وداخل عاصمتها انقرة، كان آخرها التفجير الذي استهدف باصات تنقل عسكريين، وقتل ثمانية وعشرين تركيا وجرح العشرات منهم مساء الأربعاء 17/2/2016، فكان الإرهابي الانتحاري صالح نجار الذي نفذ عملية التفجير تابعا لقوات حماية الشعب التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي.
لقد أكد الرئيس أردوغان في سياق كلامه السابق ان من أسباب الاشتباكات المحتملة منع الأحزاب الإرهابية إقامة قواعد عسكرية لها على الحدود التركية، فقال:»إن العمليات العسكرية محصورة في إطار الاشتباكات، ولكنها قد تتحول في المستقبل إلى قواعد اشتباك موسعة أكثر، لن نسمح بإقامة قنديل جديد على الحدود الجنوبية من البلاد، سنأخذ كافة التدابير اللازمة ضد أي هجوم محتمل من الجانب السوري يهدد أمن تركيا»، فهذه الخطوة العسكرية واضحة الأسباب وهي منع إقامة قواعد عسكرية شمال سوريا لحزب العمال الكردستاني وتوابعه الإرهابية، يمكن ان يتخذها حزب العمال الكردستاني نقطة انطلاق في أعمال إرهابية ضد تركيا كما فعل في جبال قنديل، فقد كان الهدف من ذهاب عناصر حزب العمال الكردستاني إلى قنديل وقف عمليات القتال داخل تركيا، في عملية السلام السابقة، ولكنهم تحولوا إلى مراكز ومعسكرات تدريب إرهابية ضد تركيا، وهذا أمر لن تسمح تركيا بتكراره في ظروف عجز الدولة السورية من السيطرة على كامل أراضيها بما فيها شمال سوريا.
وهذه الاشتباكات ستكون إما بالقصف المدفعي أو الجوي ولكن لن يكون هناك دخول قوات برية تركية لسوريا إلا ضمن تحالف دولي، وضمن قوات للناتو أو التحالف الدولي المحارب للإرهاب، أو ضمن ترتيبات أمنية يمكن ان يتخذها مجلس الأمن في سياق إقرار منطقة آمنة شمال سوريا، وبالأخص أن السياسات الأوروبية بتأييدها أكثر من قبل، رغم المعارضة الأمريكية غير المبررة حتى الآن، فقد أعلنت أنجيلا ميركل رئيس الوزراء الألمانية ورئيسة الاتحاد الأوروبي الدوري أنها تؤيد إقامة منطقة حظر جوي في سوريا، وقد سبقتها فرنسا إلى ذلك وبريطانيا، والحجة الأمريكية بصعوبة تنفيذها آخذة بالتهاوي، ومحاولة روسيا فرض سياسة امر واقع شمال سوريا لن تنجح، لأن الأمن القومي التركي لن يكون رهينة رعونة أو مغامرة عسكرية روسية فاشلة في سوريا، ومصلحة روسيا ان تتفاهم مع الدولة التركية وليس مع الأحزاب الإرهابية، الذين فشلوا في تنفيذ مخططات الحرس الثوري الإيراني، وتخلت عنهم أمريكا أكثر من مرة.

محمد زاهد جول

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية