مساخيط القاص المتقافزة على مشانق البامية الخضراء: قراءة نقدية في مجموعة «البابا مات» للمصري عادل سعد

حجم الخط
0

تقع المجموعة في حوإلى مئة وعشر صفحات من القطع المتوسط وهي من منشورات دار الروافد في القاهرة، الطبعة الأولى 2015.
أول ما يلفت النظر في هذه المجموعة أنها تضم قصة أشبه برواية صغيرة تتوسطها وتدور حول ما نسميه بشجرة نسب ساخرة لعائلة مسمومة شخوصا وأحداثا ونهايات. أما باقي المجموعة فينقسم إلى قسمين بعضها قبل هذه الرواية القصيرة، والثاني بعدها. يسبق كل ذلك صورة الغلاف بوصفة عتبة مهمة مع عنوانها، ثم مقدمة شعرية ذات مغزى، تدور وتتماهى مع ما يحدث في عالم المجموعة.
أما على مستوى المادة المسرودة في هذه المجموعة فيلفت النظر فيها بشدة أمران أولهما أنها عودة بالغة القوة للأدب الساخر، الذي توارى كثيرا في السنوات الأخيرة، لأنه ببساطة أدب بحاجة إلى من يحسن كتابته والعزف على أوتار مفارقاته وتنويع مصادرها وصولا إلى مراحل عالية من الإدهاش والإضحاك الذي ليس مقصودا لذاته، بل لما يومئ إليه من رموز.
والأمر الثاني اللافت في هذه المجموعة أنها أجادت رسم صور كاريكاتيرية كاملة لشخوصها، بل وللمكان والزمان أيضا، لكنها صور لا تنتمي إلى ما نسميه بورتريه، بل إلى منحوتات كاملة لشخوص مسها جميعا الضر والأذى، فصارت على ما هي عليه من التشوه والانحراف، شكلا وخلقا، وهو أمر تضافرت معه عوامل أخرى مثل الرائحة أو الروائح القبيحة بكل تجلياتها ومصادرها، وما أحاط بها من حشرات وزواحف، حتى تحولت المجموعة إلى كائن حي يموج ويتحرك ببطء وبسرعة، ولا يدعك تتركه حتى تصل إلى نهايته، لكي تقف وتتأمل في ما أراده الشاعر القاص.
الزمان في المجموعة معاصر، لأنه يدلنا على أحداث معاصرة يشير اليها دون النص على تأريخ لها، ونحن نعرفها أو على الأقل سمعنا بها، غير أن اللافت أن هذا الزمان في المجموعة اعتمد آلية «الفلاش باك» تكنيكا سرديا له ينطلق من لحظة آنية إلى الوراء بدرجات، ومنها قد يتولد حكي من الحكي في الوراء أيضا، ومن هنا انعكس هذا الزمن الارتجاعي في أغلبه على خطوط السرد في المجموعة كلها، فقد ظل الزمن المتأرجح يؤثر في هذه الخطوط، ولم يظهر في أي واحدة منها الزمن الطردي المندفع إلى الأمام نحو عقدة وحل، بل ظل متأرجحا بين اللحظة الآنية، والزمن المرتد، تتفاوت أطوال هذا الارتداد ومدى بعده عن هذه اللحظة الآنية، باختلافات متعددة.
أما المكان في هذا العالم الغرائبي شديد الالتصاق بالواقع، فقد جاء مسيجا بدوره بعالم يبدو مفارقا لفرط غرابته، أماكنه دائما أو غالبا، مغلقة، ضيقة مع الفقراء والأغنياء، فالفضاء الروائي هنا، قاتم، سيئ الرائحة، مطموس المعالم في الغالب، يمتاز بالفقر الشديد، أو الغنى الشديد، أو كلاهما، نلاحظ هذا منذ أول قصة، وهي «كلب الزعيم» حتى آخر قصة وهي «التبول اللاإرادي»، أماكن ومنازل وغرف من التي نعرفها ونقطنها، فلا غرائبية في المكان تحيله أجزاء من الفانتازي أو السحري، رغم غرابة ما يدور فيه من أحداث، ولنتأمل كيف نحت الكاتب مكانه كما نحت شخوصه يقول «على أرضية نومنا بقايا أكياس كشري وعصير قصب ومكرونة وكسر خبز ناشف وعيدان جرجير، وعروش بصل، ننام في وسطها…. وجحافل الصراصير والنمل دخلت بين قطن المراتب لتنافس البق والقمل ورائحة الأحذية والعرق…..» المجموعة ص 50.
وهو ن وقطع صلات الرحم كلها وهو تشوه موروث في الغالب، بمعنى أنه عشش في جينات شخوصه، فلم يعد ثمة أمل في إصلاح أو علاج وهي شخوص اعتلت ساحة القص وتزاحمت فيه، فليست هناك بطولة منفردة أو حتى مزدوجة، فالشخوص المجنونة احتلت جميع الأدوار في المجموعة، ولم تنج منها قصة واحدة، حتى هذه القصة التي اعتبرها استثناء في المجموعة، وهي «رسالة أب» قدمت لنا أما مشوهة بالغة التشوه والشر، أعملت كل حواسها في الأذى، حتى حالت بين الأب وابنته ربما للأبد. ومن هنا لم يكن ممكنا أن نتحدث حتى عن شخوص بأسمائها، بل كان يكفي أن تتعدد صفاتها المشوهة أمامنا لكي نتذكرها، بل أننا لو استعرضنا الأسماء التي وردت إلينا في هذه المجموعة فسنجدها توضح التشوه نفسه الذي أشير إليه، إذ كان الاسم يتماهى مع مسماه، فمن سليم بوبو وجعران، وكندره، عمي رجب عوضين قعر الكباية، سعد الفحمي اللون وسيد فحل الجاموس، خالتي لوطا، وخالتي فاشا وخالتي سعاد، ولنتأمل كيف استطاع الكاتب أن ينحت شخوصه من مادة القبح والجنون والتشويه: يقول واصفا إحدى خالاته «ابنتها (يقصد جدته لأمه)، ابنتها فاشا تزوجت من موظف في مصلحة المياة فتحي. كانت بيضاء على حمراء، وشعرها أصفر، كالأجانب، وأمي سوداء لأن جدتي أحرقها الله، توحم رحمها الأسود على زيتون أسود في غير موسمه، ولما طلبوا منها بديلا اختارت الباذنجان. لكن ورغم كل ذلك كانت أمي السوداء أجمل منها، لأن فاشا عيناها جاحظتان، وفمها بعرض الشارع، وعندما تتكلم تخرج أسنانها لتبارز المتحدث كأي مجنونة، لكن شقيقتها سعاد زوجة النجار ولوطا العانس اعتبرتا زواجها من الموظف فتحا مبينا ودليلا على مكانتهن الاجتماعية….» ص 37، ولنتأمل قليلا في اسمي الخالتين فاشا، ولوطا. فالأولى اسمها يحيل إلى حشرة بالغة الصغر تعيش في أعشاش الدجاج القذرة، ثم هي شعبيا من كان السر لديها كأنه ماء في غربال. أما لوطا فلا حاجة بنا إلى إحالتها كذلك على اسم لوط عليه السلام وقومه.
والآن لنتوقف لمناقشة بعض ما يثير الانتباه أو الدهشة في المجموعة، فقد بنى عادل سعد بناءه القصصى/ الروائي على المفارقة الصارخة وعلى خيبة التوقعات، فاستحالت الأشياء كلها كما ذكرت إلى نماذج مضحكة مبكية، بما في ذلك البشر، ولم ينج أحد أو حدث من هذا. سأتوقف عند غلاف العمل الأمامى وعند امتداده في الخلف، فالغلاف يحتوى على شيئين، أولهما العنوان وهو «البابا مات»، والثاني الرسم التشكيلي الذي امتد عبر اللون الأحمر في امتداد كبير في المقدمة، ثم السواد في الغلاف الخلفي. فأما تسمية المجموعة «البابا مات»، فهي بعيدة تماما عن أي إشارة إلى بابا الكنيسة المقدسة، فالبابا هنا تعنى الأب أو الكبير، أو البوس (Boss )، ولا علاقة لهذا البوس بالمقدس، إلا عن طريق المفارقة الساخرة، وكلمة البابا والماما معرفتين بالألف واللام، لغة في الأب والأم، خاصة في الخليج فقد كان البابا خليجيا ولد من مزيج كويتي عماني، أضاع حياته وماله، فدخل راضيا بمزاجه إلى جحيم الجنس الصيني بالذات، متصورا أنه المطهر الوحيد المتاح أمامه، ولماذا الجنس في محرق الصينيات، فهو رمز عميق على أنه لا يبحث عن الخلاص حقيقة، وإلا فالصين لا تقدم الا كل جميل شكلا فاسدا جوهرا، في ما تقدمه، بل أنها تتاجر في كل شيء وأي شيء من الجنس حتى تجارة الأعضاء البشرية يزرعونها لمن يرغب في كلية أو كبد، مثلها مثل السيارات والالآت وجميع بضائع الأرصفة وغيرها، سيتواشج هذا بالطبع مع صورة البوب، التي احتلت الغلاف مثلما احتله خبر وفاته.
فالبابا يظهر عربيا خليجيا، ولكنه مصلوب وقد ربط ساعداه بحبلين يتدليان من أعلى بينما راحت أصابعه الأخطبوطية تعبث في الأمام والخلف توشك أن تلامس مجموعة من الرؤوس الحية التي تقترب في هيئتها المنحوتة كذلك من الجماجم. على كتفي البابا طائران بيضاويان، يبدو من رقاد أحدهما أنه أنثى، والآخر ذكر، وقد حلا محل الغترة البيضاء التي تطوق رؤوس الخليجيين غطاء للرأس، في حين يبدو عقال الغترة على شكل سوار من الأسلاك الشائكة يلتف حول رأسه. صلب البابا حيا على الغلاف منعه من الحركة أو الفعل، ورقاد الطائرين على كتفيه يؤكد أنه لن يتحرك حتى لا يطير الطائران، كلاهما أبيض لكن الهيئة لغرابين، هكذا يرقد الشؤم المستحيل على كتفيه، وإلا فمن أين يأتي هذان الغرابان الأبيضان، سوار السلك الشائك ليجعل الرأس غير قابلة للاحتضان أو الاحتواء، إذا نحن إزاء كبير قوم ربيب السربون، الغنب بالغ الثراء، لكنه ممنوع برغبته أو بدونها من الفعل والحركة، والإخلاص الحقيقي حتى مات غريبا وحيدا مهمشا.
وتتواصل مع هذا كذلك أبيات رائقة من الشعر، تشكو بدورها من مراوغة العيون، التي تشبه دنيا مراوغة، فهي كالدوائر التي تعني الجدل والسفسطة، والعيون أول ما يدل على النية المخبوءة، والشاعر لا يجد عندها خطا مستقيما واحدا، وإنما هي أيضا دوائر تشبه الصدى، الذي ليس بدوره صوتا أصيلا، وإنما هو ترجيع موهوم لصوت موهوم لا نعرف كنهه ولا مصدره، هكذا تعانق الغياب والتهميش والضياع وعدم البحث عن خلاص في مقدمة المجموعة، يأتي بعد ذلك ما أسميه رواية صغيرة بعنوان «مشانق البامية» الخضراء التي يعشقها المصريون جميعا، لكنها وهي مشنوقة في أحبالها شنقتنا نحن أيضا، هذه الشجرة التي أتصورها شجرة نسب للراوي، ولكنها شجرة مسمومة ملعونة، وكأنها هي الاخرى تخرج من أصل الجحيم، التي يشبه طلعها رؤوس الشياطين، شجرة لم تنج البلاد ولا العباد من سمومها، في كل مقاطعها المركزة الساخرة.
وإذا كانت قصة طرح النهر، لم تترك لنا إلا الجنون والهيستريا، فإن جميع شخوص باقي المجموعة قبل وبعد الشجرة الملعونة قد تساقط منها الحب الذي ضاع في الطريق، والكرامة الإنسانية التي أهدرت، ونصبت المشانق والمقاصل منذ العهد الفرعوني حتى اللحظة الآنية التي نعيشها لكل من قال لا في وجه حاكم جائر، هكذا ضاقت الأرض بما رحبت على الناس ومع ازدياد الضغط تحول البشر إلى أقزام مشوهة مسخوطة المعالم والسلوك، فكأننا قردة أو أدنى، فلم يكن ثمة سبيل إلا التبول الإرادي وليس اللاإرادي، فقد يكون هذا هو الفعل الوحيد الذي يصل بصاحبه إلى الراحة الجسدية التي لا يجدها، ثم يحتوي على أكبر طاقة من الاحتقار والازدراء لمن مسخوا البشر فجعلوهم مساخيط تتقافز على أغصان شجرة مسمومة. فعل فاجأ القراء أتاه اثنان، شخص راو للتاريخ مهيب السمت وكأنه الزمان، والثاني راوي العمل الأصلي. نجح القاص في نقل رؤيته للعالم في السياسة والاجتماع والدين والاقتصاد، بدون إيديولوجيا، بل عبر مفارقة صارخة بين جحيم العمل ويوتوبيا عاش الناس يحلمون بها ولم يجدوها، ورد هذا كله من خلال لغة عربية ساخرة بسيطة في مكوناتها وقدرتها على حمل الخيال والواقع معا، فصدمتنا المشاهد والروائح والألوان، وقد تم تطعيم هذه اللغة العفوية المتدفقة بكثير من المفردات من العامية، شديدة التدني والانحطاط لتناسب واقعا لم نستطع الفرار من انحطاطه وبؤسه واستلاب أهله.

كاتب وأكاديمي مصري

ثناء أنس الوجود

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية