«لماذا يجب علينا حمل أمتعة كثيرة فوق رؤوسنا لنجلب لأنفسنا المشقة، ونحن نعلم أننا سنتركها يوما في محطة ما، أو في الكوخ الذي بنيناه في الغابة؟»
… يسترعي انتباه القارئ هذا الطرح الوجودي عن البداية والنهاية المحتومة، بين بداية لا نعلم تفاصيلها إلا من خلال الرواة، وبين نهاية نجهل حقيقة اللحظة وما بعدها، وبين هاتين المحطتين الفاصل الزمني الذي نبحث له عن مخلّص، هذا الفضاء العظيم، ألفته الكاتبة السعودية سالمة الموشي في روايتها «يهودية مُخلِّصَة» أتت في (257) صفحة صدرت عن دار أزمنة 2015.
تناولت فيه الساردة حياة فتاة يهودية ولدت في إحدى قرى جبال اليمن، لأب يدعى شماس، وأم اسمها سرافيم، لم تكن ولادتها مبعث فرح للعائلة إذ أنها البنت البكر «ولكنها ولدت ولم يعد هناك إلا أن تكون ابنة النار والغيم والمجهول».
يتبادر إلى الذهن سؤال مهم لماذا يهودية بالذات؟ ثم السؤال الثاني كيف تكون مُخلِّصَة؟ في حين نعرف مدى الحساسية التي تنتابنا نحن العرب حين يذكر هذا الاسم، وكيف يكون الخلاص منا أم منهم؟ وهل كانت اليهودية هنا لطرح أمر ما كعادتهم مثلا؟ عن أساطيرهم في الجنوب العربي؟ عن نكباتهم مثلا؟
كل هذه الاسئلة وغيرها تتلاشى في خضم مجريات الأحداث؛ ذلك أن «مجد» الساردة تعيش قلقا أدى بها إلى بعث شخصية «من الماضي البعيد « لإلباسها ثوب الكلمات، ويدين وقدمين وعينين وقلبا وذاكرة، أنا أريد أن أعيدها الآن مرة أخرى لأخلقها بشراً وألماً سويّا في أوراقي»، هذه الشخصية أطلقت عليها هوشع وتعني بالعبرية الخلاص «هوشع» التي تظهر لتتقاطع معي كل الصخب المتطرف، والصمت المتطرف الذي يحدث في حياتي اليومية».
إن هذا البعث لذات بعيدة، ومليئة بالجراح والندوب كان علته ذلك التقاطع الصاخب لحياتها اليومية أو «أظنني أرغب في خلق روح معذبة لتسلية أحدهم، ولربما لألقي اللوم من دون أي اكتراث على القدر، أو لأن شيئا ما سيلهم البقية». هذه الرغبة ولدت لدى القارئ إحساسا بوجود تناغم بين البطلة والساردة على امتداد مساحة الرواية بما يطلق عليه تلازم المسارات من حيث:
الاسئلة الوجودية.
مسألة الخلاص ومن ثم النهايات المتوازية.
القلق الوجودي:
أ- مسار هوشع..
يقف البشر أمام حقيقة لا مفر منها وهي حقيقة الموت- العدم – الفناء- وهي حقيقة تقف أمامها الأديان والمذاهب الفكرية، كل يعلل كنه هذه الحقيقة التي تمارس فعلها من دون اكتراث بجنس أو لون، هذه الحقيقة الكبرى هي من أوقفت البطلة حين أقدم أحدهم على دهس هرتها المحببة فـ»انهار أمر ما كبير في قلب هوشع وروحها، ولن يعود كما كان، هناك فجوة صغيرة فتحت على الموت، ظلت هذه الفجوة كل الحياة تعيد السؤال لماذا؟ ولماذا؟ هذه الحادثة الصغيرة كانت البوابة الأولى للأسئلة الوجودية من الساردة والبطلة على حدٍّ سواء.
ما لبثت الأحداث أن جاءت بالمنعطف الأكبر لدى هوشع، الذي غير مجرى حياتها إلى الأبد، وهو موت أسرتها في حادث مأساوي لم يبق من أسرتها إلا الجد (آفيعازر) ويعني إرادة الرب «مخيف جدا أن تعيش الكائنات البشرية في دائرة من الحياة والموت، أقل ما يقال عنها أنها لعبة متطرفة لقوى غريبة الأطوار».
هنا جاء دور الأسئلة؛ لأنها تأتي عادة في ظروف معينة كموت عزيز، أو أمام أزمات الحروب.
من أين أتيت؟ إلى أين أمضي؟ لم علي أن أكون وحيدة؟
مضت ابنة الثالثة عشر عاما إلى عالم مجهول تدفعها أسئلة لا تجد لها أي جواب إلا الحيرة، والبكاء، ثم الصمت أمام صديقتها الصماء في عالم من المآسي والاحزان. «ليس بيدنا أن يحدث لنا الأفضل أو الأسوأ، إنه يحدث وحسب».
كثيرا من المساءات كانت تتسأل: من أنا هنا؟ وإلى أين علي أن أمضي يوما ما؟. أنا، نعم أنا.
يظل الجد هو المنقذ الحقيقي للبطلة من هوة الأسئلة الكبرى فهو الذي لا يعدم الإجابة بكل هدوء ومن دون تأفف.
اليتم، أهو مرض؟ أهو لعنة؟ أهو شكل من أشكال الحياة مثل الفقر، الغنى، السعادة، التعاسة؟
باختصار كما تراه هوشع هو: اللا انتماء.. اليتامى لا يشعرون بالانتماء إلى حياة ما ولا إلى مكان ما. هذا التشخيص المعقد لليتم سيكون بذات المنهج عند الساردة ولكن سيكون أقرب إلى الواقع ما تراه هوشع لأنها كما قيل»من ذاق عرف».
كل هذا الأسئلة المتدفقة جعلت من هوشع إنسانة لا تؤمن بالأعياد الدينية ولا بالأديان ذاتها، «ما هي إلا خديعة بشرية لجعلنا مجرد خراف نساق إلى المذبح، مذبح الحياة والرغبات والثواب والعقاب».
على امتداد الرواية كلها تلح هذه الأسئلة وتتكرر وفي ما أظن تقف هذه الرواية برمتها على هذين السؤالين. من أين؟ وإلى أين؟
ولأجل أن تمتد الرواية كانت تلك الأسئلة توجد في الجانب الآخر وهي الساردة مجد.
ب- مسار مجد..
(مجد) هي الساردة وهي صنو البطلة هوشع بل صورتها التي تقترب منها، كانت (مجد) تعاني ليالي طويلة حافلة بالمجالدة والساعات المترعة باليأس والإرهاق، ما جعلها تهدأ هو أمران: الأول: فكرة روحية لفتاة تبحث عن الخلاص وتجد المخلص على طريقتها، والثاني: الحب الذي يغمرها وتعيشه وتؤمن به أثناء سرد هذه الرواية، مع أن عقلها يضج بالأسئلة الكبرى عن الموت، والمصير، والمعنى من الحياة، لكنها أدركت أن الحب أحد الحقائق الكبرى في حياتنا.
لقد وقعت في غرام (غيث) ذلك الإنسان الذي مرّ بأنماط الناس عند الوجوديين، فقد كان رجل – جمال- فاستحوذ على قلب هذه الفتاة الكاتبة، ثم دخل مرحلة – الأخلاق- بأن يهادن محبوبته أمام كل فكرة تنتاب أحدهما التزاما بالمبادئ على طرافتها واختلافها. «سأكون ملاكك الحارس أينما حط قلمك، وكيفما سارت دروبك».
إلا أن الارتحال في متاهات الوجود مرهق، والعودة من تلك المتاهة بحاجة لمعجزات. تقول مجد: ألا تبدو لك الحياة هنا مربكة ومشوهة، ولا محتملة، وأشبه برحلة شاقة يتخللها بعض الوهم، وهم السعادة الحسية التي تزول، وهم القوة التي تزول، وهم الغنى والفقر وهم الجسد الذي يذبل ويذوي؟
كل هذه الأسئلة تندرج تحت الخوف من التقلبات التي تعتري الإنسان في مرحلة السعادة، وهي في قمة هذا الحب الذي تخشى عليه من الزوال في أي لحظة من اللحظات؛ ولذا نجدها تقارن بين الفرح والحزن، والموت والحياة، هي ارتحال في وهم نعرف نهايته ولا أظنها، حين تبعث هذا الكم من مفردة الموت الذي يعني: الفقد والحاجة والضعف والفتور؛ إلا خوفها الوجودي من العدم، من الفناء لكل شيء؛ لذا نراها كررت كلمة الموت في صفحات قلائل أكثر من (43) مرة وهذا يشي بأمر واحد هو الخوف الذي تلبسها حين ذاقت معنى الحب..
ما الموت؟ من أين؟ إلى أين؟
لا أظن مجد حين استدلت بمقولة: «موتوا قبل أن تموتوا» هو من باب موت الوعي القديم بقدر ما هو موت المتصوفة، الذين يعلنون الموت في المحبوب؛ لأنه كاف لأجل أن يفنى في رحابه فيضمن الخلود، هو ذاته ما كرسه مولانا جلال الدين الرومي حين رأى أن الجسد سجن الروح، وأن خلاصه بالموت وهو الفناء في المحبوب كما يرى الصوفية.
وما يزيد قلقها على شغفها بغيث تلك الأسئلة المليئة بالخوف، «ماذا لو أن إدراكنا بأن ما نعيشه ليس إلا حلما بلا جدوى.. ولا يساعدنا في شيء على تعريف أنفسنا، أو التعرف إليها»، هذا القلق على حبها جعلها تعاني من التمزق الذي يصيبها بألام حاد في كل جزء من جسدها، يجعلها تعاني من الأرق… ولذا تعترف قائلة «أخافك، أخاف عليك، أخاف الرحيل، أخاف الانتظار».
الخلاص..
أَخْلَصَ الشيءَ: اختاره، وقوله: واذْكُرْ في الكتاب موسى إِنه كان مُخْلَصاً، وقرئ مُخْلِصاً، والمُخْلَص: الذي أَخْلَصه اللّهُ جعله مُختاراً خالصاً من الدنس، والمُخْلِص: الذي وحّد اللّه تعالى خالصاً فالمُخْلَصُون المُخْتارون، والمُخْلِصون المُوَحِّدُون.
الإنسان المُخِلص، والإنسان المُخَلّص، كلاهما من المختارين، المخلّص يظهر حين يستشري الفساد والشرور والآثام.. أما المخلّصون فهم الذين يعرفون مذاق الخلاص الفردي على طريقتهم، وسيعبرون بالمُطَهر بكل صبر وجسارة، وسيجدون الطريق تلك كانت حياة هوشع».
بعد مرحلة من العذابات أدركت هوشع أن اليتم والفقر والحرمان والمعاناة هي المخلّص الحقيقي وأنه هو الباب الذي سيفتح لها لتعبر إلى الأبدية المُخلّصة».
حاول الجد أن يضع النهاية لهذه العذابات من خلال قاعدة تروض هذه النفس الجامحة عند هوشع، حيث بين لها أن «ظروف الحياة ليست من اختيارنا، ولكن ما سنفعله بها حين نمر بها هو اختيارنا بالكامل، فأفعالنا في الحياة، هي من اختيارنا لكن مسار حياتنا ليس من اختيارنا أو تصميمنا»، بمعنى لو كنت يتيما في حياتك، يجب أن تتوفر بك ولك كل الوسائل التي ستجعلك تسلك طريق اليتم.. ابتداء من أنواع الطبائع والأخلاق التي سيتم غرزها بك، مرورا بدرجة ذكائك وقوة وعيك وثقافتك وشخصيتك».
حينها لن تشعر بالنقص حين يقال عنك يتيم مثلا، بل ستشعر بالراحة النفسية والسلام الداخلي، لا بل لو أنك حاولت أن تخرج عن نطاقك الذي حدد لك، فإن الأبواب ستجدها مغلقة في وجهك بمجرد الاقتراب منها للخروج من واقعك .
ويثبت هذه القاعدة بعقيدة الكارم التي ترى تناسخ الأرواح، مفادها أن ما يعانيه طفل الشوارع من الفقر والتشرد هو نتاج وحصاد مباشر لما اقترفته يداه في حياة سابقة تجسد فيها بشكل مختلف، وأن هذه الروح متى ما قبلت بواقعها بشرف، وصدق، وتحمل، فإنه يحول بوصلة الكارما إلى الأفضل وللإيجابية.
ولذا يقول الجد: «تذكري أن ظروف حياتك الحالية هي جزاء لك على أعمالك في حياتك السابقة.. لا توجد أي صدفة أو أي عبثية في أحداث هذه الحياة على الإطلاق، سواء أكانت تلك الأحداث أحداثا كبيرة، أم صغيرة.. فإن قاومت قدرك وعشت صراعا لتكون كيانا غير الذي يجب أن تكونه، وسلكت طريقا غير الذي خلقت من أجله، قد تنجح بالفعل بالانتصار، لكن سيتم بعث هذه الروح في جسد جديد في كرتك المقبلة لكي تسلك بها هذا الطريق نفسه، الذي قدر لك في هذه الكرة».
ولأجل أن ترضى هوشع بواقعها قال لها: «ليس كل إنسان يدرك الكنه البعيد لحياة الألم والسقوط في عتمة دروب الحياة، لكنك الآن ممن يدركه، أنت من المختارين.. هذا كاف لأن تغفري لكل من مروا بك، ولكل ما مررت به.
هنا جاء صوت في رأس هوشع «أنقذ كل المتألمين، اليتامى، الوحيدين، كل الذين لا يصلي لهم أحد، ولا يسمع صوت أنينهم أحد. يا الله
مجد..
تقول مجد: «هذا الإنسان هو أنا- قد بات غير متصالح مع كل حياته التي وجهت له الضربات المتتالية، الموجعة حد الانهيار.. لست سوى كائن بائس، تفشت العزلة، والكآبة، والرغبات الميتة في كل عروقه»، لقد تحول غيث إلى النمط الثالث من أنماط الوجوديين وهو رجل الدين ورأى بأن هذه العلاقة كانت على غير هدى ولا يطهرها إلا بالعودة والاستغفار من كل ذنوبه:
أتريد أن تعرف ماذا أبقيت لي وأنت اليوم تلملم أيامك معي لتقول لي سأعود إلى ربي، هذا الحب كان خطيئة، صراعا بين ضميري، وبين قلبي وعقلي».
لقد تبت، ضميري يعذبني»
إن الخلاص في أفق كل الأشياء الموجعة… قد يكون التمزق في جوهره هو الخلاص، وقد تكون العزلة والكتب والموسيقى والحنين والحب اللامشروط لكل من آلمنا قادر على إرجاع شيئا من العافية للروح كما ترى مجد.
لقد طارت كل الأمنيات التي حطت يوما في حديقة مجد لم تعد هناك دروب تسلك، ولا ملائكة تحدس، ولا حياة تحط على شجرة العمر التي نمت في أرض ليست أرضها، وتحت سماء ليست سماءها.. حينها قالت لتختم أوجاعها بالطريقة ذاتها التي صنعتها لبطلة الرواية:
«طوبى للمحرومين الذين ذهبوا للحب عراة متجردين صادقين، وخلصهم الألم والفراق، طوبى لليتم واليتامى الذين أرادوا شرفة صغيرة يطلون منها على السماء وخلّصهم اليتم».
الختام:
كانت الساردة مبدعة حين وضعت نفسها في الخط الموازي لقصة هوشع في ما يخص القلق الوجودي، ولكنها أبعدت النجعة حين حاولت أن تتلاءم معها في النهايات لأن مدى الألم لم يكن متقاربا بين الشخصيتين. وفيما يتعلق بالعنوان الذي اختارته الكاتبة سالمة الموشي «يهودية مخلّصَة» فإن الكاتبة نجحت في أن تسترعي انتباه القارئ من خلال غواية العنوان، وبجدارة تخلصت من مطب الميل للجانب اليهودي إن صح التعبير، وإن كان سيحسب لها إن فعلت بخروجها عن طور الاتجاه الذي ألفناه من معاداة كل ما يمت إلى اليهود بصلة، بل قد تحسب من الأوائل الذين أقدموا على إحراق كل التابوهات التي تحيط بمسمى اليهود.
كل هذا لم يحدث، مجرد سرد حكاية بسيطة عن شخصية بسيطة تعرضت لأحداث جسام في حياتها تشاركها الكاتبة الساردة 37٪ من مساحة الرواية.
مما يبعث الملل في بعض ثنايا الرواية تكرار المفردات والأسئلة كمفردة الموت (43) والخلاص والمخلص (14) كذلك الأسئلة الوجودية، مثلا: لفظة (مغادرة) تكررت في فقرة واحدة (11) مرة، وهذا يقبل حين يأتي للتأكيد، ولكن ليس هذا مكانه إذ أن الرواية أتت لجذب القارئ لأمر ما، فلا بد إذن من البعد عما يقترب من الملل.
التطرق إلى المصطلح المسيحي من الصلب والخلاص وغيرها من المصطلحات وكأن هوشع في دير مسيحي.. ماذا لو أننا اكتفينا بوصايا الدير وقراءة الإنجيل كل يوم؟ وكان يجب استبدالها بمدلولات يهودية إذا كنا نتحدث عن يهودية من السفارديم الأرثوذكس.
٭ أكاديمي من سلطنة عمان
محمد المهري