ينشط راهناً حراك أمريكي – إسرائيلي يحمل محذور «التطبيع» قبل حل «قضايا المرحلة النهائية»، للمفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، المفترضة، بالضغط على الدول العربية الإسلامية لتعزيز آمال الثقة في المنطقة، والتقدم بمبادرات ملموسة تجاه إنهاء عزلة الكيان الإسرائيلي وإقامة علاقات طبيعية معه، تمهيدا «معكوسا» لإحلال السلام.
وتمتد مفاصل هذا الجهد «التسووي» عبر تقديم «صكوك» حسن النوايا، بقيام دول المنطقة بمعاملة الاحتلال الإسرائيلي بشكل طبيعي، وإنهاء المقاطعة، من دون استبعاد الخروج بصيغة (ما) يتصدر التطبيع فيها حل قضايا الوضع النهائي، (اللاجئين والقدس والاستيطان والحدود والأمن والمياه)، بما يشكل محذورا خطيرا يحقق الأهداف الإسرائيلية في المنطقة، ويجب الحقوق الفلسطينية العربية المشروعة، ويقلب عكسيا مضمون المبادرة العربية للسلام، الصادرة عام 2002، والتي تشترط الانسحاب الإسرائيلي إلى حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967 والتوصل إلى حل عادل متفق عليه بشأن قضية اللاجئين الفلسطينيين وفق القرار الدولي 194، مقابل التطبيع، بمعنى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي عن الأراضي العربية والفلسطينية، أولا، وصولا، في الخطوة النهائية، إلى «التطبيع».
ويستقيم محذور هذا الحراك مع مساعي تنفيذ «حل الدولتين» قبل قضايا الوضع النهائي، وذلك عند الحديث عن الدولة الفلسطينية بلغة الوضع النهائي، بمعنى الدولة قبل الحل، بما يطوي معه تصفية للحقوق الوطنية الفلسطينية، فضلاً عن تناقضه البنيوي مع حق عودة اللاجئين إلى ديارهم وأراضيهم التي تهجروا منها بفعل العدوان الإسرائيلي عام 1948، خاصة في ظل الاشتراط الإسرائيلي بالاعتراف الفلسطيني «بيهودية الدولة»، والذي يستهدف شطب حق العودة وحرمان المواطنين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948 من حقهم في بلادهم.
لا يوجد ما يشي بقرب التوصل إلى حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية خلف المنعطف المقبل، على الأقل، وربما البعيد، حيث يتعارض مفهوم السلام مع الركائز الأيديولوجية للكيان الإسرائيلي القائمة على العنصرية والتوسع، وسط بحث دائم عن أمن وحماية مفقودين في ظل الوجود والمقاومة الفلسطينية في الأراضي المحتلة. وقد فرض انطلاق مسار العملية السلمية في مدريد، عام 1991، على الاحتلال إعادة البحث عن هوية الكيان الإسرائيلي، وسط تحولات حدثت في العقد الأخير من القرن العشرين، لم يكن الكيان المحتل بمنأى عنها، في ظل بروز مقولات «ما بعد الصهيونية» حول المأزق الإسرائيلي ودور الفكرة الصهيونية في قيادة الدولة، وسبل التعامل مع حقيقة وجود شعبين فلسطيني وإسرائيلي يعيشان على الأرض نفسها، في ظل عجز الفكر الصهيوني عن إيجاد حل لاشكالية العلاقة بالسكان الفلسطينيين في المناطق المحتلة، وعن حل معضلة هوية الدولة. ومنذ توقيع المعاهدة المصرية-الإسرائيلية، عام 1979، ظهرت في دوائر السجال الفكري الإسرائيلي بدايات التناقض بين الثوابت الأيديولوجية وآليات العمل السياسي، أخذت مداها عند نعت حكومة بيغن بوصمة التخلي عن «أرض إسرائيل الكاملة»، التي تشكل جزءاً من المقولة الأيديولوجية الصهيونية وامتدادا حيويا للأمن القومي الإسرائيلي، كما فتحت المشاركة الإسرائيلية في مؤتمر مدريد للسلام سجالا مشابها، ولكنه أكثر حدة واتساعا بمشاركة تيارات المجتمع الإسرائيلي.
وثمة من يعتقد بأن العملية السلمية أسست لملامح مرحلة إسرائيلية جديدة تتكثف فيها المساءلات حول وظيفة الدولة ودورها وهويتها ومستقبلها وعلاقتها بالصهيونية، فيما أحيطت الشكوك بجدوى مقولات صهيونية مثل «إسرائيل الكبرى» أو «أرض الميعاد» التي تشكل أس الدعاوى الصهيونية التاريخية والدينية والأيديولوجية التي تنظر إلى الضفة الغربية بصفتها جزءاً من «أرض إسرائيل»، من دون أن يعني ذلك استبعادهما كليا، بخاصة في ظل وجود الحركات الدينية السياسية التي تتغذى من تلك المقولات وتستمد دورها الفاعل من الإبقاء عليها، أو عند الحديث عن الضرورات الأمنية والأمن الإسرائيلي، باعتبارها مبررات تسمح بالتفاوض حول وجود إسرائيلي ما بشكل دائم أو مؤقت في تلك المناطق.
ولكن الكيان الإسرائيلي غير مستعد لتبديل طبيعته وخطابه الأيديولوجي على الرغم من محاولاته للتكيف مع المتغيرات الدولية والإقليمية، فهو يبحث عن صيغة (ما) تمكنه من تحقيق السيطرة والأمن من دون أن تؤدي إلى اهتزاز الداخل الإسرائيلي وفقدان مصداقية المشروع الصهيوني، سواء بالنسبة للمستوطنين أو للمركز الإمبريالي الذي تتبع له، وهو أحد أهم التناقضات التي تكتنف مسيرة التسوية السلمية. كما أنه، أيضا، ليس مضطرا اليوم إلى تسوية تشمل حلا وسطا بخصوص الأراضي المحتلة وإضعاف قدرته الرادعة، لأن موازين القوى تصب في صالحه، في ظل المشهد الإقليمي العربي المضطرب.
وتدرك القوى المعارضة للسلام في الداخل الإسرائيلي مسألة التناقض القائم بين الصهيونية بفكرها التقليدي، والسلام والتعايش، مثلما تعي العلاقة الطردية بين تقدم السلام وتفاعل الثقافات وتحلل الفكر الصهيوني التقليدي، مما يفسر سبب معارضة قوى التطرف الإسرائيلي للسلام، باعتبار الأخير يعد احتضارا للفكر الصهيوني التقليدي ونهاية له كثقافة عفا عليها الزمن.
ومن هنا يأتي الرفض الإسرائيلي لتقسيم القدس ووقف الاستيطان وحق العودة، مصحوبا بسياسة العدوان والقوة ضد الفلسطينيين، التي وظفتها الحركة الصهيونية منذ بداياتها من أجل تحقيق مشروعها الاستعماري في فلسطين. حيث لم يخرج الموقف الإسرائيلي من الكيان الفلسطيني المستقبلي عن إطار حكم ذاتي تنحصر حدود صلاحياته ضمن الشؤون الحياتية للسكان، فيما الأمن والسيادة موكولتان للاحتلال. وعلى الرغم من أن بعض اليسار الإسرائيلي يزعم علنا تصالحه مع فكرة إقامة دولة فلسطينية، إلا أنه يرفض تقديم تنازلات تتعلق بالأراضي المحتلة اللازمة لإقامة الدولة، وسط تغييرات مستحدثة فيها لا يمكن أن تؤدي معها إلى دولة.
وقد سمح الوضع العربي الإقليمي والدولي للاحتلال بالمضي في مخطط منع إقامة دولة فلسطينية متصلة، عبر إغراق المساحة المخصصة لكيانها بالمستوطنات والطرق الالتفافية والحواجز العسكرية، ما تسبب في قضم 80% من مساحة الضفة الغربية، مقابل أقل من 20% للفلسطينيين، تشكل 12% من فلسطين التاريخية، ضمن «كانتونات» غير متصلة جغرافياً، وتضم زهاء نصف مليون مستعمر في 180 مستوطنة.
إن أي تسوية قد يتم التوصل إليها لن تنهي الصراع العربي-الإسرائيلي، حيث ستبقى قضايا جوهرية عالقة، مثل حق عودة اللاجئين الفلسطينيين والقدس، في ظل شكوك بالتزام إسرائيل بأي اتفاق تسوية يتم التوصل إليه، قياساً بتجارب سابقة.
كاتبة صحافية وباحثة من الأردن
د. نادية سعد الدين