الناصرة ـ «القدس العربي»: تبذل إسرائيل مساعي متسارعة لاحتواء أزمة حقيقية على ما يبدو بينها وبين يهود الولايات المتحدة بعدما قررت حكومة الأولى إلغاء قرار سابق يتيح الصلاة في حائط البراق لكافة التيارات اليهودية الحديثة والإصلاحية وللنساء أيضا. ولهذا الغرض التقى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو مؤخراً مع قادة اللوبي اليهودي الأمريكي «آيباك» الذين وصلوا إلى البلاد في زيارة طارئة، على خلفية تجميد مخطط الصلاة في حائط البراق (حائط المبكى المزعوم) وتمرير قانون التهود. وشاركت في الاجتماع رئيسة «آيباك» ليليان فينوكس، والمدير العام هوارد كور. وقال مسؤول إسرائيلي رفيع لصحيفة «هآرتس» ان زيارة المسؤولين الكبار لم تكن مخططة وتقررت في اللحظة الأخيرة على خلفية الأزمة بين إسرائيل وبين أوساط واسعة جداً من يهود الولايات المتحدة المصنفين كمؤيدين للتيار الإصلاحي.
من يمثل الشعب اليهودي؟
وكان العديد من قادة التنظيمات والفدراليات اليهودية في الولايات المتحدة قد أعلنوا بأنهم سيعيدون النظر في العلاقة مع الحكومة الإسرائيلية في ضوء القرارات الأخيرة، لا بل سيفكرون بوقف تحويل التبرعات إلى إسرائيل. وقال متحدث باسم «آيباك» لصحيفة «هآرتس» ان اللوبي لن يتطرق على الملأ إلى اللقاء أو «أزمة حائط المبكى» لأن النقاش في إسرائيل يتواصل، واللوبي يؤمن بأن الإجراءات الديمقراطية فيها هي «أفضل أمل بالتوصل إلى نتائج إيجابية». في المقابل كان عضو مجلس أمناء الوكالة اليهودية، مايكل سيغل، قد قال الجمعة الماضي، أن «الوكالة ستفحص علاقاتها مع الحكومة الإسرائيلية»، مضيفا: «نحن نمثل الشعب اليهودي وليس حكومة إسرائيل. الحكومة قامت بأعمال تهدد الشعب اليهودي، ونحن نريد من الجاليات اليهودية في العالم أن تفهم ان دعم إسرائيل لا يعني بالضرورة دعم حكومتها».
رسائل احتجاج بالجملة
بين هذا وذاك تواصل أوساط واسعة لدى يهود الولايات المتحدة التعبير عن غضبها على قرار حكومة الاحتلال عدم المصادقة على مخطط «حائط البراق» والقاضي بالسماح للنساء بالصلاة على انفراد في الساحة بسبب معارضة اليهود الأورثوذوكس داخل الإئتلاف الحاكم. وكشف في إسرائيل قبل أيام أن قنصلياتها في الولايات المتحدة تكاد «تغرق» برسائل احتجاج يرسلها يهود هناك يبدون غضبهم على «خنوع» حكومة إسرائيل لليهود المتزمتين (الحريديم) وأقدمت على إلغاء الاتفاق حول الصلاة اليهودية في حائط البراق. وتستعد وزارة الخارجية وكافة إرسالياتها للمزيد من التصعيد في ظل تهديدات أوساط يهودية واسعة بوقف التضامن مع إسرائيل ورفدها بالمعونات المالية. وحتى السفير الأمريكي في إسرائيل قال إنه يتحدث ليس كسفير فحسب بل كيهودي أيضا وإنه سمع أموراً لم يتخيل أن يسمعها مرة. وتابع: «أفهم منبع الغضب والإحباط، فقد سمعت من منظمة يهودية كبرى قوله إنها ربما تعيد النظر بدعمها المالي لإسرائيل وهذا ما لم يخطر في بالي يوما في حياتي».
بقايا الهيكل المزعوم
وحذرت هذه الأوساط اليهودية من رفض اتفاق يدعى «مخطط الحائط الغربي» الذي يقضي بالموازنة بين احتياجات التيارات اليهودية المتزمتة والليبرالية في منطقة حائط البراق الذي يدعونه حائط المبكى ويعتبرونه من بقايا الهيكل الثاني المزعوم. وفيما يهيمن تيار الأرثوذكسية اليهودية في إسرائيل في أوساط اليهود المتدينين ويعتبر تياراً متشدداً، تسيطر في أوساط يهود أمريكا التيارات الأكثر ليبرالية ويدعى أتباعها باليهود المحافظين والإصلاحيين.
جريمة تدفيع الثمن
ونقلت «يديعوت أحرونوت» عن أوساط يهودية أمريكية وصفها ما حدث بـ»جريمة تدفيع الثمن» وأن قرار الحكومة يسهم في تعميق الشرخ بين اليهود في العالم وبين إسرائيل، وعليه تبحث أوساط يهودية أمريكية إمكانية التوجه بالتماس للمحكمة العليا الإسرائيلية للطعن بقرار الحكومة. وقال رئيس الحركة الإصلاحية في أمريكا، الحاخام ريتشارد جاكوبس: «يشكل القرار صفعة على وجه التيارين اليهوديين المتدينين الكبيرين في الولايات المتحدة». ووصل الحاخام جاكوبس إلى إسرائيل في زيارة طارئة للالتقاء برئيس الحكومة نتنياهو والتعبير عن معارضته. وحذرت الأوساط اليهودية الأمريكية من تداعيات عدم المصادقة على المخطط وتجميده، وهددت أوساط يهودية في واشنطن وجميع أنحاء العالم من مغبة انعكاس ذلك سلبا على العلاقات مع إسرائيل والمساس بالتبرعات السنوية من قبل اليهود في الولايات المتحدة والبالغ عددهم نحو ستة ملايين نسمة، والتي تقدر بنحو مليار دولار تحوّل سنوياً لإسرائيل. وكذلك التهديد برفع اليد عن حملات حركة المقاطعة العالمية، وعدم التدخل في جميع أنحاء العالم لمنع توسع نفوذها ضد إسرائيل.
حقوق النساء
يشار إلى أن تيارات اليهودية المحافظة والإصلاحية تحارب من أجل حقوق النساء لإقامة الصلاة وممارسة طقوس دينية وفق رغبتهن، خلافاً لرأي اليهود الأورثوذوكس. في بداية عام 2016، صادقت الحكومة الإسرائيلية على مخطط تسوية بين التيارات، حيث تقام بموجبه باحة صلاة أخرى منفصلة، في حائط البراق، يستطيع المصلون فيها تأدية الصلاة وفق تقاليد التيارات غير الأرثوذكسية. لم يقبل اليهود الأرثوذكسيون وممثلوهم في الحكومة الإسرائيلية حقيقة فوز التيار الإصلاحي، لذا مارسوا ضغطا سياسيّا على نتنياهو. وحقق الضغط السياسي أهدافه، وحتى اليوم لم يطبق المخطط الهام، الذي يدعى «مخطط الحائط الغربي». كما أن رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو أعلن خلال جلسة الحكومة يوم الأحد الماضي وبشكل رسمي عن تجميد المخطط حتى إشعار آخر.
اعتناق الديانة اليهودية
قرار آخر لا يقل أهمية اتخذته الحكومة هو المصادقة على «قانون اعتناق اليهودية»، وبموجبه سيتم الاعتراف باعتناق اليهودية الذي تتم مراسمه بإشراف الحاخامية الكبرى في إسرائيل، التابعة للتيار الأورثوذوكسي المتشدد، بخلاف مطالب جهات يهودية ليبرالية ترفض احتكار الحاخامية المتهمة بالفساد والتقادم لهذا الموضوع. في المقابل، فإن كل اعتناق لليهودية يتم في إسرائيل أو خارجها، بموجب مراسم اعتناق اليهودية الخاصة باليهود الإصلاحيين والمحافظين، لن يعترف به في إسرائيل أو لن يعترف به التيار الأرثوذكسي في أنحاء العالم الذي يعمل بموجب الحاخامية الرئيسية. وفي أعقاب هذه القرارات، ألغي، لقاء احتفالي بين نتنياهو وزعماء اليهود في العالم الذي كان من المتوقع إجراؤه برعاية الوكالة اليهودية التي قالت في بيانها: «قرارا الحكومة يخالفان الالتزامات التي قطعت على ممثلي الحركتين الإصلاحية والمحافظة، وقد يؤديان إلى شرخ عميق في أوساط يهود الشتات. تجدر الإشارة إلى أن عدد أتباع الحركة الإصلاحية اليهودية أكثر من مليوني يهودي في أنحاء العالم ومعظمهم في أمريكا الشمالية. هناك في اليهودية الإصلاحية في أمريكا الشمالية نحو 870 كنيسا يهوديا من بين 1170 كنيسا تابعا للحركة الإصلاحية في العالم.
سابقة
وفي سابقة هي الأولى من نوعها منذ النكبة، نشرت الوكالة اليهودية العالمية، في مختلف الصحف الإسرائيلية، بياناً عاماً اتهمت فيه حكومة الاحتلال ممثلة برئيسها بنيامين نتنياهو، أنها تُعرّض مستقبل الشعب اليهودي للخطر وتهدد وحدته. جاء ذلك إثر قرار الحكومة الإسرائيلية إلغاء مخطط لتخصيص ساحة لصلاة اليهود الإصلاحيين والمحافظين والليبراليين في ساحة البراق، وذلك تحت ضغط أحزاب الحريديم الأرثوذكسية، التي لا تعترف أصلاً بيهودية أبناء التيارات الإصلاحية والمحافظين، الذين يشكلون نحو 60٪ من يهود الولايات المتحدة. وتشكل هذه الخطوة تدهوراً خطيراً في العلاقات بين حكومة الاحتلال، وبين يهود الولايات المتحدة. ودعت الوكالة اليهودية في الإعلان الذي نشرته مؤخرا في الصحف الإسرائيلية المواقع الإلكترونية، وأعضاء الكنيست إلى التحرك واتخاذ كل الخطوات الممكنة لإلغاء قرار الحكومة بشأن إلغاء ساحة للصلاة في ساحة البراق، ومنع تشريع القانون الجديد.
ضرر بالغ
ويظهر تقرير آخر صدر عن وزارة شؤون الشتات الإسرائيلية أن يهود الشتات يقدمون حوالي 28 مليار دولار سنويا لإسرائيل، أي حوالي 6.35٪ من الناتج المحلي الإجمالي فيها. ويقدم اليهود الأمريكيون 5 مليار دولار لإسرائيل سنويا 90٪ من جميع التبرعات للدولة اليهودية. وبالإضافة إلى مساهماتهم عبر الاستثمارات ورؤوس الأموال الاستثمارية، الأملاك العقارية، والصادرات والسياحة، يقدر المبلغ الذي يصبه اليهود الأمريكيون في الاقتصاد الإسرائيلي بحوالي 58 مليار دولار.
وهذا يعني أن تراجعا بنسبة مئوية واحدة في مساهمات الشتات إلى الاقتصاد الإسرائيلي ستؤدي إلى خسارة 1،800 وظيفة إسرائيلية»، حسب قول خبراء محليون يوضحون أن 27٪ من السياح في إسرائيل هم من يهود الشتات، ولذا فانه في حال تراجع هذا العدد بدرجة مئوية واحدة، سنفقد 160 وظيفة إسرائيلية.
ويحذر مايكل اورن، نائب الوزير لشؤون الخارجية في ديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي من إن مساهمات واستثمارات يهود الشتات في إسرائيل تعادل تقريبا ميزانية إسرائيل المخصصة للأمن. وفي حديث للقناة العاشرة يضيف «يمكن لذلك أن يكلفنا آلاف الوظائف ويمكنه اعاقة أمننا عبر تقليص الدعم لنا من قبل ممثلي اليــهود الأمريكــيين، بما يشـــمل اليــهـــود الأمريكيين في الكــونغرس. ولا ننسى ان عشــر أعضاء الكونغرس الأمريكي هم من اليهود، وجميعهم من غير المتشددين.
ووفقاً لوثيقة مسربة من القنصلية الإسرائيلية في نيويورك، هدد غوردون هيكر، المدير التنفيذي للاتحاد اليهودي في كولومبوس، اوهايو، بوقف جميع التبرعات إلى إسرائيل احتجاجا على قرار الحكومة المذكور.
وقال رئيس الاتحاد اليهودي في نيو جيرسي الشمالية، جيسون شيمس، ان القرار سيؤثر على الأرجح على علاقة اتحاده مع دولة إسرائيل.