يواصل عبد العزيز الهمامي رحلته الشعرية، حاملا ميلا وانتصارا للقصيدة العمودية التي تمثل النسبة الأكبر من رصيده الشعري مشرعا قصائده على مصراعيها على القيروان، متخذا منها قطب شعره مهووسا بها مثل عشرات الشعراء القيروانيين المنخرطين في كتابة ديوانها المفتوح، لذلك كنت متأكدا قبل تسلم الكتاب والاطلاع عليه أن القيروان لن تغيب عنه… وهو ما لاح من خلال تتبع السمة الأبرز في هذا العمل وهي سمة المكان التي تكمن في عتبات الكتاب وفي قصائده…
فضاء العتبات أو البهو:
تكشف عتبات الكتاب في مجملها أن الشاعر مأخوذ في هذا العمل بهاجس المكان، وتوحي بأن قصائده ستدور في هذا الفلك. وهذا ليس غريبا عن الشعر الوجداني الذي يحافظ على الصلة بين النص والواقع ويهيم في مجالات على صلة بالذات الشاعرة وعواطفها ويحلق بين الشخوص والأماكن التي تجمعه بها عاطفة خاصة… ولعل فحص هذه العتبات يمضي بنا أكثر في القول بأن هاجس المكان يستبد بالشاعر، فالعنوان الرئيسي يحمل لفظة مسافات الواردة في صيغة الجمع التي تنتمي إلى معجم المكان، وهي تحيل إلى الطول والشساعة والتشعب، ولعل النعت الذي ألحق بها يجعل علاقة الشاعر بالمكان يكتنفها الغموض والتوتر والحيرة… فالعنوان يحمل سمات علاقة مشقة ومعاناة بين الشاعر والمكان…
أما العناوين الداخلية فيحضر المكان في أغلبها، إذ تبدو نسبة مهمة منها على صلة به وتتوزع هذه العناوين المعنية بالمكان بدورها إلى ثلاثة أصناف:
عناوين مكانية يكون العنوان فيها ظرفا مكانيا: وطني- النهر- غابة الملح- المدينة -تونس
2ـ عناوين مركبة يكون المكان أحد عناصرها: ربيع في المفترق- مرثية إلى القيروان -طفل غزة- مجد قيرواني
3ـ عناوين تحيل ضمنيا على المكان وحالته:
ضياع- الرحيل- مجاديف- هروب – ضوضاء
ولعل هذا النمط الثالث من العناوين يحيل بدوره إلى أزمة الشاعر مع المكان فمفردات هذه العناوين تحيل إلى الحركة وعدم الاستقرار وتكشف عن جانب متوتر…
أما الغلاف فعلى صفحته الأخيرة قصيدة تتخذ المسافات موضوعا لها وتحمل في كلماتها إيحاء بنوعية هذه العلاقة:
وتهرب هذي المسافات مني
وتجتازني
هكذا تجمع العتبات أو بهو الكتاب مثلما يسميها بورخيس على محورية المكان في هذا العمل الشعري وتفوح منها رائحة توتر ومعاناة، فالشاعر يتخذ من المكان فضاء للروح والوجدان والنبض الشعري، ولا يتوفر هذا عادة إلا بتوفر أحاسيس حب وحنين ووفاء تخرج علاقة الشاعر بالمكان من علاقة ذهنية مجردة تتميز بالصمت والجمود إلى علاقة حية يتخللها الوصل والفصل ويبرز فيها الحب والجفاء…
فضاء القصائد:
لا تخيب القصائد ما توقعناه في البهو، فرغم تنوعها نجد الهاجس المكاني طاغيا على مجملها، ويبدو الشاعر منشغلا بالهوية المكانية في مختلف أبعادها العربية (غزة) والقطرية (تونس) والمحلية (القيروان) واللافت للانتباه أن هذه الأماكن ترد حينا باسمها المعروف وحينا بأسماء مبهمة (الوطن – البلد- المدينة) ولا يمكن حصر هاجس المكان في القصائد المعنونة بما يحيل عليه ولكنه هاجس منتشر في كافة القصائد…
إن هذا العمل كتابة يغلب عليها هاجس المكان كما أسلفنا، ويمكن تجزئة هذا الهاجس بدوره إلى هواجس أخرى مثل: هاجس الانتماء الذي يبرز في تأكيد الشاعر لانتمائه لهذه الأماكن ومحبته لها.
ـ هاجس المجد حيث يذكر بالأمجاد ويعتز بها.
هاجس القلق والشكوى حيث يعبر عن تألمه لحال هذه الأماكن وما يراوده من قلق عليها.
ولعل القيروان مدينة الشاعر تنال النصيب الأكبر من اهتمام الشاعر الذي سلك في تعامله معها منهج شعراء القيروان عبر التاريخ، إذ يعيدنا إلى ذاكرة شعر القيروان الممتد زمنيا منذ قرون، فقصيدته مرثية إلى القيروان ترحل بنا إلى الحصري وابن رشيق وزمن رثاء القيروان اثر الزحف الهلالي عليها…
إن القصائد التي اتخذت القيروان موضوعا في هذا العمل تلتقي في توجهاتها الكبرى مع الشعر الذي كتبه شعراء القيروان حول هذه المدينة التاريخية، وسأبين ذلك من وجهتين: وجهة الاحتفاء ووجهة القلق.
وجهة الاحتفاء
درج شعراء القيروان على تأكيد انتمائهم إلى هذه المدينة وإبراز حبهم وعشقهم لها واحتفائهم بتاريخها ورموزها، وهو ما نجد له حضورا في هذا العمل، حيث تقترب القيروان من روح الشاعر وتمتزج بطفولته:
منذ الطفولة كنت فوق أصابعي
مرسومة في ريشة الأطفال
ص39
فالقيروان على صلة بكيان الشاعر وطفولته وأحلامه الأولى
وهي معشوقة أبدية:
القيروان على فمي معزوفة
ستظل عاشقتي بدون جدال
ص41
ولا يخلو شعر عبدالعزيز الهمامي من تمجيد لهذه المدينة ولتاريخها ولعبقها:
هذي المدينة في أعماقنا نشبت
وذلك تاريخها يزهو به الملا
إذا وقفت على أعتابها برهة
فسوف تعلم أن الحب يبتدئ
فيا درة من خيوط الشمس هالتها
مضت قرون ولم يعلق بها الصدأ
ص79
وجهة القلق
لا يخلو شعر القيروان من نبرة قلق يحملها التاريخ عن مرثيات سقوطها والعقود الأخيرة عن تأزمها وإهمالها والإحساس بأنها لم تنل مكانتها الحقيقية وعانت الإهمال والظلم السياسي، ولعل هذه الحالة تعاود الظهور في أشعار عبدالعزيز الهمامي التي تعبر عن القلق من راهن القيروان والإحساس بما تعانيه من فراغ.
«لم يبق من الوجد سوى
فوضى الأشياء
وثرثرة في المقهى»
ص84
ولعل هذه الحالة جعلت الشاعر يعبر مرارا عن حزنه وألمه حد البكاء والرثاء
أبكي عليك إذا وقفت محدقا
فكأنما أبكي على الأطلال
ذهب الزمان بسحرها وبهائها
وعلى اللسان يبدو ألف سؤال
هذي معالمها تبات حزينة
حتى غدت في سلة الإهمال
إن دراسة هذا الجانب من مسافات غامضة تؤكد أن الشاعر يشعر بقلق واسع من الراهن فغموض المكان هو غموض اللحظة الراهنة وتداعياتها وفوضاها…
*«مسافات غامضة»: شعر- عبدالعزيز الهمامي- الشركة التونسية للنشر- تونس 2015، وقد صدر الكتاب موشى بتقديم كتبته نضار الهمامي
كاتب وناقد من تونس
رياض خليف