بعيدا عن نظرية المؤامرة التي تؤطر العديد من التحليلات السائدة في العالم العربي حول الاتفاق النووي الإيراني مع الغرب، فإن الاتفاق الأخير يعتبر نتاجا للبراغماتية السياسية التي تنهجها إيران في سياستها الخارجية والتي تجعل المصالح الاستراتيجية لبلدها هو المحدد الرئيسي في سياساتها الخارجية..في العلاقات الدولية ليست هناك عداوات دائمة ولا صداقات دائمة ولكن هناك مصالح دائمة. فهم الطرفان بأن سياسة الحوار والمفاوضات يمكن أن تجد مساحات للتفاهم ولتبادل المنافع عِوَض سياسة الاحتواء والصراع.
الاتفاق الذي ضم 159 صفحة ما بين وثيقة الاتفاق الأساس وخمسة ملاحق تقنية هو تسوية سياسية براغماتية بجميع المقاييس، تنازلت فيه إيران عن جزء من سيادتها النووية والوطنية وقبلت بالخضوع للرقابة الأجنبية وأقرت بمشروعية دخول فرق التفتيش لأي مرفق نووي إيراني وفق شروط وكيفيات تقنية محددة، بالمقابل استفادت إيران من رفع العقوبات الاقتصادية والمالية المفروضة عليها من طرف الغرب وهو ما سيمكنها من فك العزلة عن الاقتصاد الإيراني واسترجاع أكثر من 100 مليار دولار من الودائع المجمدة في الخارج بالإضافة إلى حجم الاستثمارات الأجنبية التي من المتوقع أن تتهاطل على إيران من الدول الأوروبية.
الاتفاق الذي تحول إلى قرار أممي بعد مصادقة مجلس الأمن عليه بالإجماع، ليدخل حيز التطبيق، إلا بعد مصادقة الوكالة الدولية للطاقة الذرية على وفاء إيران بالتزاماتها الواردة في الاتفاق كافة، وخصوصا ما يتعلق بتطبيق الرقابة على منشآتها النووية، بما فيها بعض المنشآت العسكرية، وهو ما يعني منع إيران من السيطرة على قدراتها النووية من الناحية الاستراتيجية.
الاتفاق لقي ترحيبا كبيرا من غالبية قطاعات وفئات الشعب الإيراني التي استقبلته بالنزول إلى الشوارع للتعبير عن الفرحة وهو ما يعكس تعطش فئات واسعة من الشباب والنساء إلى جرعات قوية من الانفتاح والتحرر من نمطية السلوك الاجتماعي السائد والمفروض منذ قيام ثورة الخميني سنة 1969.
بالمقابل خلف الاتفاق استياء ملحوظا في تل أبيب ووصفه نتنياهو بـ «الخطأ التاريخي»، وهو نوع من الابتزاز الذي تتقنه إسرائيل في علاقتها بالولايات المتحدة الأمريكية والذي ستتبعه محاولات الإرضاء من طرف أوباما متمثلة في المزيد من الدعم المالي والضغط السياسي على الفلسطينيين.
رسميا، عبرت مندوبة الأردن ممثلة المجموعة العربية في مجلس الأمن عن ترحيبها بالاتفاق، لكن على المستوى العملي عبرت العديد من الدول العربية عن مواقف أحادية من الاتفاق، استبطنت تخوفات حقيقية من التمدد الإيراني في المنطقة. إيران التي أتقنت اللعب على التناقضات الطائفية في المنطقة، «نجحت» في إيجاد موطئ قدم مؤثر في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين في مقابل انشغال الأنظمة العربية بمواجهة تفاعلات الربيع العربي وتغذية الصراعات الطائفية المؤدية إلى المزيد من التفكك والتجزئة.
الأنظمة العربية التي نجحت في صياغة المبادرة العربية من أجل السلام وتقدمت بها تجاه إسرائيل، لازالت تعول على الفاعل الأمريكي لينوب عنها في الحد من النفوذ الإيراني في المنطقة، بينما المطلوب هو صياغة مبادرة عربية موحدة تجاه الجار الإيراني من أجل تسوية تاريخية حقيقية للخلافات السياسية التي يتم تغليفها بشعارات مذهبية وطائفية..الشجاعة السياسية تقتضي من العرب استخلاص الدروس من هذا الاتفاق الذي يعكس الاعتراف بإيران كقوة إقليمية غير قابلة للتجاوز. لقد جرب الغرب سلاح العزل السياسي والحصار الاقتصادي ولم يفلح في إيقاف المشروع النووي الإيراني، كما خاضت دول الخليج وبعض الأنظمة العربية مواجهات حربية وأخرى كلامية ولم تستطع الحد من النفوذ الإيراني في المنطقة، كما فشلت في بناء الدولة القطرية الموحدة على قاعدة الولاء لمؤسسات الدولة انطلاقا من مبدأ المواطنة، بل ساهمت سياستها في تعميق التوترات المذهبية والطائفية بين أبناء البلد الواحد. لا خيار أمامنا إلا الاعتراف بالأمر الواقع وإعادة النظر في سياسة المحاور على أساس طائفي والتفكير في رؤية جديدة لجعل إيران جزءا من الحل لمشاكل المنطقة على أرضية البحث في المصالح المشتركة وتجاوز سياسة الاستقطاب والاحتراب المذهبي والطائفي التي لم تنتج سوى الدمار والإحباط لشعوب المنطقة.
وصدق من قال: نمر مُفترس أمامك.. خير من ذئب خائن وراءك.
٭ كاتب من المغرب
د. عبد العلي حامي الدين