مستقبل العملية السياسية في العراق بعد الفوضى البرلمانية

حجم الخط
1

لا يختلف اثنان على أن ما حصل في مجلس النواب العراقي يوم 26 أبريل يمثل فوضى برلمانية عارمة، بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ بعد حالة الهرج والمرج والتراشق بقناني المياه البلاستيكية وعلب المحارم الورقية…، فضلاً عن تخريب وتكسير الممتلكات العامة وغيرها من الممارسات الهمجية، فهل سيفاقم ذلك الأزمة السياسة العراقية؟ وكيف ستتفاهم الكتل في ما بينها؟ وهل سترى حكومة التكنوقراط النور؟
إن ما جرى وما تبعه من أحداث يؤكد اننا اليوم امام فريقين، المعتصمين وغير المعتصمين، او المحافظين والمتمردين وكلاهما يدعي الوصل بالشرعية فمعَ من ستكون؟ أن ما مارسه الفريقان يوم 26 أبريل يجسد حالة السوقية السياسية التي تطغى على النخب السياسية بمجملها.
فالفريق الأول (المحافظون): فريق الدكتور سليم الجبوري ومؤيديه، انتهك الدستور والنظام الداخلي ومارس سياسة الأمر الواقع، ولي الاذرع، من خلال استعمال القوات الأمنية وفرقةK9 داخل الجلسة، فضلاً عن إخراج الإعلاميين من البرلمان ومنع نواب من الدخول للقاعة الكبرى، بدون اعتبار لمقترح المحكمة الاتحادية الذي دعاه إلى تقديم طعن على قرار إقالته، وهو ما يؤكده حسن الشمري وزير العدل السابق الذي طعن بقانونية جلسة سليم الجبوري، وأكد شرعية اقالته، علماً انه (حسن الشمري) ليس من فريق المعتصمين، وانما هو وكتلته ممن حضروا جلسة 26/4، وهو رجل قانوني ومسؤول عما يقول.
أما فريق المعتصمين، فقد ارتكبوا اخطاء كثيرة، أولها مراهنتهم على عدم اكتمال نصاب جلسة الفريق الاخر، ثانيها ما مارسوه من فوضى وتكسير داخل البرلمان، فضلاً عن التعدي على شخص العبادي، وانتهاك قواعد السلوك والذوق العام، وتخريب الممتلكات العامة، الأمر الذي جعلهم محط سخرية الجميع، ولعل أكبر اخطائهم هو عدم حضورهم الجلسة لعرقلة تمرير ما يعارضونه، حسب وجهة نظرهم.
كل ما حصل يؤكد منطق اللادولة الذي يعيشه العراق الأن، فالدستور منتهك والقانون مخترق والبقاء للأقوى، ويؤكد مستوى الدهاء السياسي للفريق الأول وقلته لدى فريق المعتصمين.

رؤية مستقبلية

بعد ان فرض الأمر الواقع وتمكن فريق المحافظين من عقد الجلسة في القاعة الدستورية الكبرى، بعيداً عن فوضى المعتصمين، وتمرير تعديل وزاري جزئي شمل خمسة وزراء، أعلن النواب المعتصمون عن عزمهم تشكيل كتلة معارضة داخل البرلمان العراقي، وتعليق حضورهم جلسات مجلس النواب، فضلاً عن تقديمهم طعنا امام المحكمة الاتحادية بعدم قانونية ودستورية جلسة يوم 26/4 حسب وجهة نظرهم. ومن هنا نتوقع أن طعن كتلة المعتصمين لن يأتي على ما يشتهون وإنما سيخالف أهواءهم، فمن المتوقع جداً ان يحكم القضاء العراقي لصالح الطرف الحكومي الأقوى، وهنا لن يبقى امام المعتصمين، إلا ان يحترموا قرار المحكمة الاتحادية مع طعن بعضهم بمصداقيتها، وأن يشكلوا كتلة نيابية معارضة حقيقة وهي حالة صحية، وهذه الكتلة المعارضة بما تملكه من كثرة عددية حتماً ستشكل مصدر صداع حقيقي للكتل المتحاصصة والمشاركة في الكابينة الوزارية، وبالتالي سيكون لزاماً على الفريق الآخر (المحافظين) أن ينال رضى كتلة المعارضة ويكسب ودها، ولعل السبيل إلى ذلك هو أن يتم الاتفاق معهم على الإطاحة بهيئة رئاسة مجلس النواب مجدداً وبالأطر القانونية والدستورية، وهذه الخطوة هي ما سنشهده بعد اكمال مشروع التعديل الوزاري.
وقد تكون كتلة الاحرار مهندسة مشروع الاطاحة بسليم الجبوري ونائبيه، وما يعزز ذلك تصريح القيادي في كتلة الاحرار عقيل عبدالحسين الذي سجل امتعاض كتلته من طريقة إدارة سليم الجبوري لجلسة التعديل الوزاري وازدواجيته في احتساب الاصوات على اقالة الوزراء وتعيين بدلاء عنهم، وكيفية حرصه على احتساب النصاب أثناء محاولة تغيير وزير التربية الدكتور محمد اقبال القيادي في حزب سليم الجبوري، وسينال هذا المشروع رضى وتأييد كتلة بدر النيابية، لاسيما بعد محاولة كتلة «ديالى هويتنا» في مجلس محافظة ديالى الاطاحة بمحافظها مثنى التميمي (من كتلة بدر) عبر استجوابه أو إقالته في حال عدم حضوره جلسة الاستجواب في 5 مايو، لاسيما وان سليم الجبوري هو رئيس كتلة «ديالى هويتنا»، وعليه لا يمكن لكتلة بدر ان تحرص على تثبيت سليم الجبوري في موقعه، في الوقت الذي تطيح فيه كتلة سليم الجبوري بمحافظ ديالى مرشح كتلة بدر، وستتم المساومة على المنصبين فتقابل الاطاحة بإطاحة والبقاء ببقاء. كما نتوقع أن يتم إكمال مشروع التعديل الوزاري، ولكنه لن يكون شاملاً ولن يكون تكنوقراطا مستقلا بمجمله وإنما سيمثل خليطا من الكابينة الحالية ومرشحين تكنوقراط مستقلين وآخرين حزبيين وسياسيين، فيخرج العبادي بكابينة كوكتيل ( تكنوقراط سياسي ومستقل) . من كل ما تقدم يمكننا توقع الآتي:
ـ ستشهد العملية السياسية خلافات حادة بين الكتل المشاركة في الحكومة على المناصب والمكاسب، وسيكون للغة التهديد والوعيد حضور قوي، وسيصعب التفاهم على المغانم، وربما سيلتهب جو الخلاف بين الكتل تزامناً مع بدء حرارة الصيف الضاغط على المواطنين للتظاهر.
ـ وسيشكل النواب المعتصمون وسيلة ضغط ومصدر قلق دائم للجميع، وستزداد قوة كتلة المعتصمين المعارضة مع احتمال انضمام كتل الاحرار وبدر ومستقلون إليها، لاسيما بعد ان أطيح بحسين الشهرستاني وزير التعليم من كتلة مستقلون.
ـ لن يتمكن سليم الجبوري من الاحتفاظ بموقعه كرئيس لمجلس النواب لفترة طويلة، لاسيما بعد اتساع جبهة معارضيه (المعتصمين وكتل الاحرار وبدر ومستقلون)، وستتم الإطاحة به عاجلاً أم اجلاً، ولن تنتهي الأزمة السياسية وستتفاقم أكثر في قابل الايام وستمارس المعارضة دورها الرقابي الضاغط، وربما سنشهد جلسات استجواب واستفسار وسحب ثقة كثيرة.
ختاماً نناشد كل الكتل السياسية المعارضة والمشاركة في الحكومة إلى تغليب لغة الحوار والتفاهم على سياسات لي الأذرع وفرض الأمر الواقع، وتكثيف الجهود لحل الأزمة ومنع انعكاسها على الشارع، والعمل على مواجهة ازمات العراق الأمنية والاقتصادية والمالية والتي لها الاولوية على الأزمة السياسية والكابينة الوزارية والعمل على مكافحة الفساد واسترجاع اموال العراق المهربة.

٭ كاتب وباحث سياسي عراقي

 

مستقبل العملية السياسية في العراق بعد الفوضى البرلمانية

همام السليم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية