■ أظن أن تأسيس الدولة الاسلامية هي مسألة أصبحت من الماضي، والحديث سيكون خلال السنوات القادمة حول نتائج قيام هذه الدولة والظروف السياسية المحيطة بها، بمعنى ان النقاش سيدور حول حدود هذه الدولة واستمرار تبدلها بحسب الظروف السياسية والعسكرية. وبالطبع أسباب ذلك متعلقة بالأسباب والظروف التي ساهمت بظهورها، فهي ظروف لا تزال قائمة ومرشحة خلال السنوات القادمة أن تخدم استمرار وجود هذه الدولة، التي من المؤكد انها لن تكون عابرة في تاريخ هذه الامة، فهذه الدولة هي نتيجة طبيعية للعقل العربي الحاكم، وللعقل الغربي الذي يتفاعل مع الواقع الإسلامي بصورة لا تناسب المنطق والعقل، في عالم أصبحت فيه الصورة حالة يومية واصبحت المشاهدة والمعلومة متوفرة بشكل دائم.
دولياً الذي أسهم في نشأة هذه الدولة، يتمثل بنتائج السياسة الامريكية في حقبة بوش، التي لونت السياسة الخارجية بمصطلحات دينية بدأت بخطاب بوش الأب ليلة حرب الكويت، واستخدامه مصطلحات بابا القرون الوسطى، في جهل أو جهالة عن قدرة العقل العربي على استحضار هذه المصطلحات من قاموس التاريخ، وهو ما شرّع عمليا وصف الحملة الامريكية بالصليبية، ثم جنون بوش الابن، وجيش المحافظين في حينها، وهي بتقديري حقبة كانت عابرة في التاريخ الامريكي، لكن قدرة العقل لدى جيش من الشباب العربي المتحمس، على استيعاب انها مرحلة ماضية هي صعبة، فالظروف المحيطة كلها تعيد تأكيد فكرة – حرب صليبية – وبمعزل عن استحضار التاريخ، فالعرب تحدثوا عن ثماني حملات صليبية، وبتقديري هما حملتان فقط، وانتهى هذا الزمن في القرون الوسطى، وبقية الحروب هي تدافع طبيعي على ادارة المنطقة لم يكن للدين فيها أكثر من دلالة رمزية عابرة.
على الرغم من محاولة امريكا اعادة تسويق نفسها في المنطقة العربية، الا انها وقفت امام حائط اسمه اسرائيل، وهنا يمكن القول ان علاقة اسرائيل بالفلسطينيين والعرب هي الصادمة باستمرار للشارع العربي، فأمريكا غير قادرة على النزول من برج الانحياز الواضح لإسرائيل، متسلحة بموقف عربي واضح من وجود اسرائيل، وهو موقف ليس وليد اللحظة للحكام العرب، لكنه موقف اصيل، منذ نشأة هذا الكيان، ومع تطور وسائل الاتصال والمعلومة، بات واضحاً للشباب العربي أن وجود اسرائيل كان إرادة عربية. ولأن اسرائيل تعمل بعقلها التوراتي العجيب، الذي ازداد حدة في السنوات الاخيرة، فأصبحت فكرة يهودية الدولة التي تطرحها اسرائيل وأمريكا، احد اهم المبررات للشباب العربي الذي بات يميل للتأمل بالفكرة الأصولية في موازاة عالم يريد دولة دينية لليهود، ولا يريد دولة بملامح اسلامية للمسلمين، كل هذا يطرح أسئلة ليس من مجيب عليها بتاتاً.
العامل الاخير في نشأة الدولة الاسلامية، هو مرحلة الربيع العربي، والخيارات الامريكية المطروحة للشارع العربي، وهي خيارات لم تقم بتاتاً على المنطق، ولا على أدنى علوم السياسة، فقد كان اختصار الموقف الامريكي من الربيع العربي هو تغطية الموقف الاسرائيلي منه، فتحولت فكرة الربيع العربي في مواجهة داخلية أرهقت الشعوب العربية، التي ترى أن الغرب بمجمله لا يريد للشعوب العربية التحرر والتقدم، ما لم تقبل اسرائيل بذلك، ويمكن أن تكون تجربة مصر هي احد المفرزات المؤثرة التي انطلقت في سيناء التي يغيب عن الاعلام مقتل اكثر من 500 جندي مصري فيها خلال عام في مواجهات دموية نتجت بعد الانقلاب.
لا شك ايضا، ما يحدث اليوم في غزة، سيحمل جملة من التداعيات على المنطقة برمتها، وكل ذلك في رصيد الدولة الاسلامية الصاعدة، التي تحصل على مزيد من القوة البشرية القادمة من الدول العربية التي لا تزال تدوس ابناءها تحت شعارات طويلة، ليس اقلها مواجهة التطرف. فعناصر القهر العربية للشعوب تتجلى هنا بامتياز أمام الشباب المحروم من فرص الحياة، فتصبح صورة دولة الخلافة هي البديل، في عالم عربي وغربي يحرم الشاب العربي أدنى حدود العيش ويسلبه الكرامة الانسانية التي يثور من اجلها، ولكنه لا يجد من يقف إلى جواره.
المستقبل القادم يعني توسع حدود هذه الدولة التي لا يهمها خسارة ميدانية وجغرافية، لآنها ذات بنية تشبه الكتلة المطاطية، قابلة للامتصاص، واذا كانت السياسة والجغرافيا السياسية حاضرة في ذهن الدولة، فنحن غدا سنكون امام رغبة الدولة بالوصول إلى المياه الاقليمية، فأي ميناء سيكون غدا بحوزة هذه الدولة، واذا كانت هذه الدولة هي الواقع القادم، فهذه الدولة التي يرفضها العرب والغرب معاً سيتعاملون مع نتائجها، وستكون هناك مساحة واسعة للدبلوماسية غير المعلنة في التعامل معها، على شاكلة جمهورية طالبان، التي فتحت حدودها الدبلوماسية وتعاملت مع الامريكان.
وأما مسألة الجهاديين فلا بد من التذكير بقصة البوسنة والهرسك، فقد حضر اليها الاف الجهاديين من مختلف الدول الاسلامية وكان ذلك في قلب اوروبا، ومع حصول البوسنيين على قدر من العدل، اختفت هذه الظاهرة ولم تؤثر في اوروبا بتاتا، من هنا يمكن القول، ان ظاهرة الجهاديين العرب صنعها الاضطهاد، ويلغيها العدل وليس تسليح العسكر الذين خلقوا اكبر اضطهاد بشري في الدنيا.
اما في ما يتعلق بنا كفلسطينيين وموقفنا من هذه الدولة، فنحن منحنا حكامنا العرب في الماضي ولاية عامة، فذبحونا ووقفوا إلى جوار اسرائيل، ونحن اليوم ومن خلال غزة، انتزعنا هذه الولاية، ونحاول بالقدر الذي نستطيع ان نبني كيانية تكون مرتكزا لفعل يبدل علاقة التاريخ والجغرافيا بهذا الكيان الغاصب. فنحن اذا شاهدنا جيوش الخليفة على أطراف بيت المقدس وتشتبك فعليا مع هذا الكيان فسيكون لنا كلمة مختلفة، أما اذا انشغلت هذه الدولة بما يشغل به العرب انفسهم فهي ستكون دولة اضافية اسمها دولة الخلافة ورئيس الجمهورية سيكون اسمه الخليفة فحسب.
٭ كاتب فلسطيني
أيمن خالد