مسرحية جبار ياسين «طرق يونس»: مروية يونس النبي في مماهاة مع الزمن المعاصر

حجم الخط
0

 

كان الجيل الستيني القصصي في العراق قد أسس لكتابة جديدة ومفارقة في الأدب العراقي، ونقل مفهوم القصة من عالم المباشرة والواقعية والعمل المكشوف، والصورة التسجيلية للوقائع، إلى عالم مختلف وشديد الحداثة والتطلع إلى أساليب وأشكال وتقنيات مستحدثة وغريبة عن الأدب العراقي، كل ذلك حدث بعد مثابرة دؤوبة من الرواد الذين سبقوا الجيل الستيني الذي جاء ليكمل ما بناه الرواد من انفتاح على تيارات القصة العالمية والعربية، ومعرفة نماذجها الحديثة، عبر حركة الترجمة التي أخذت تسطع في تلك الأزمنة، عبر التطلع إلى المعرفة المختلفة والمسنودة آنذاك بلغة أجنبية لدى بعض كتابها، فعرف الكتاب في تلك الآونة المستنيرة، أنسقة سردية غير مألوفة، وسياقات لنمط قصصي غرائبي، يحتفي بالمثير والجديد وغير العادي، فظهرت لدى هذا الجيل، والمعني الستيني، تأثراته بعالم اللامعقول وتيار اللاوعي والتداعي الباطني للنص، واستكناه عوالم العبث والاكزوتيكي، والمتسحرن والمثير للدهشة، مستغورين بذلك كتابات إدغار ألن بو وفرانسوا ساغان وكولن ولسن وفرجينيا وولف وصموئيل بيكت وبريشت وبرناردشو، فضلاً عن قصص وليم فوكنر وأعمال كل من فرانز كافكا والبير كامو وسيمون ديبوفوار وصاحبها سارتر صاحب الوجود والعدم. أجل الوجودية كانت مدرسة لهذا الجيل الذي عمل على تغيير المفاهيم القديمة للقص، حتى إذا ما انطوت حقبة الستينيات، ظهر جيل جديد من القصاصين، عُرف بالسبعيني. رغم قلة أسمائه، كان هذا الجيل قد انعطف بالقصة الجديدة إلى مطرح آخر، ألا وهو مطرح القصة المحلية التي تميل إلى أجواء الواقعية السحرية وأجوائها الأسطورية التي تغرف من الواقع السفلي للحياة ، حياة العمال والريف والفلاحة وقضايا الريف والاستغلال الإقطاعي ومشكلات الإنسان الحياتية التي يصادفها البورجوازي الصغير في المدينة، متأثرة القصة هذه المرة بالتيار الماركسي للواقعية الاشتراكية، ولكن بإضافة توابل محلية لها من الواقع المختلف للحياة في البلدان التي كانت تتمثل تجربة الأحزاب الشيوعية، في المعسكر الاشتراكي، فظهرت أسماء شابة تنادي بكتابة مفارقة للغرائبي والعبثي وللنص الهذياني، كتابة تعتمد طرق شولوخوف وتشيخوف وغوغول ومعطفه الشهير، وقصص أمريكا اللاتينية قبل شيوع ماركيز، قصص لجورجي أمادو، وكاربنتييه وكورتزار وغيرهم من كتاب القصة العالمية، ولا سيما الفرنسيين والإيطاليين من المحسوبين على اليسار العالمي .
لعل أبرز سمات تجربة كتاب القصة في فترة السبعينيات، هي توظيف البعد الإنساني في نصوصهم الجدية، واعتماد طريقة الإيصال بطرق فنية جديدة، إلى قارئ لم يستسغ الغرائبي والطليعي والاكزوتيكي، والصرعات الفوضوية التي شابت فترة الستينيات، فالمجتمع العراقي هو ذاته مجتمع قبائلي، فلاحي وأغلبيته هاجر من الريف إلى المدينة، باحثاً عن حياة أفضل من حياة الريف التي دمّر الاقطاع هيكلها وأكل ثروتها الطبيعية .
لكن هذه القلة من التجارب وقلة كتابها، سرعان ما تحولت أما إلى كتابة الرواية أو إلى الكتابات الأخرى، أو هجرها نهائياً وعدم العودة إليها، فهناك من ذهب إلى الرواية، وهناك من توقف، وآخر ذهب إلى الرسم والفن التشكيلي أو نقده، وثمة من توقف، وثمة من واصل وإن على قلة كجبار ياسين، جاعلاً من القصة هدفه الحياتي، ومن النصوص المتماهية مع نهج القصة كالمسرح وكتابة أدب الرحلة، جعلها كتابات تبارك قصصه وتمتح من أفقها، وكان آخر اصدار له هو مسرحية بعنوان» ُطرُق يونس» وهي تقع في ستة مشاهد .
تعتمد المسرحية على حكاية يونس مع الرب الذي يرسله كنبي، ليخطب في أهل نينوى الذين حادوا عن جادة الصواب في حياتهم واستهتروا بالحياة بالقيم البشرية، وأخلوا بقوانين الآلهة، وعصوا أوامر الرب، فطلب منه أن يذهب إليهم، ليرشدهم إلى الطريق القويم، علهم يطيعونه ويعودون إلى انفسهم ويستبصرون ويرون إلى الحقيقة وينشدون السبيل الذي لا يغضب الآلهة، لكن يونس يرفض طلب الرب ويعصي أوامره، كون أهل نينوى، وحسب رؤيته النبوية وحكمته الفلسفية وخبرته العميقة، لا بدَّ عائدون إلى الصراط المستوي، ولا بدَّ لهم من الإثابة والتراجع عن المهلكات واللعب بالكون وبالروح البشرية. إنها قصة مروية في التوراة، ويرجع تاريخ تدوينها، حسب البرتو مانغويل، إلى القرن الرابع قبل الميلاد، ومدوّنة في التاريخ الإسلامي، والقرآن أيضاً يعرج إلى مروية يونس الأسطورية، وكذلك الكتب السماوية الأخرى، تؤرخ لهذه المدونة التي خطها التوراة المكتوب في بلاد ما بين النهرين.
لكن يونس الذي رفض طلب الرب، وعصى أمره، سيعاقبه الرب على ذلك عاجلاً أم آجلاً، فيهرب يونس مستغلاً تأخر الرب في تنفيذ العقاب إلى ترشيش، راكباً أول سفينة سيصادفها هناك. آن امتطائه للسفينة تهب عاصفة قوية، وتدمر كل شيء، فيعترف يونس كونه نبياً وصادقاً، بأنه هو سبب البلوى، لعصيانه أمراً ربانياً. حين يُكتشف أمره من قبل البحّارة، يطلب منهم رميه في مياه البحر لكي تهدأ العاصفة، هنا سينفي الرب يونس في بطن الحوت لمدة أربعة أيام، حتى يتوب عنه ويلفظه من جديد إلى البر، عندها سيمتثل يونس إلى مشيئة الرب، وينفذ أمره بالذهاب إلى نينوى لكي يخطب فيهم، غير أن الوقت لمثل هذا الإجراء كان قد فات، كون ملك نينوى وأهلها بدأوا يسمعون بكلام الرب فعادوا ممتثلين إلى الهداية، وترك المعصية والموبقات وكل ما يثير غضب الرب، وطلبوا المغفرة، هنا يواصل يونس العودة إلى نينوى، حاملاً أمر الرب، فهناك بالقرب منها سيبني له كوخاً من القش في الصحراء شرق المدينة، فتنبت له شجرة خروع تظلله من الشمس وتحميه من البرد والمطر، فيشكر الرب على صنيعه هذا وينتظر تغير أهل المدينة .
المهم في المسرحية هو معالجتها لقضية الحياة والموت، والنفي والعقاب، ودراسة ثنائية الشر والخير، وتقصيها للمجهول في حياتنا الداخلية، وتسليط الضوء على الصراع الباطني للإنسان مع ذاته وتاريخه ووجوده الشخصي، في مونولوغ دافئ، يحسن جبار ياسين صياغته، باعتماده على تقنيات دينامية في إحياء أسطورة قديمة، وعلى معالجة تكنيكية جديدة في بعث الغابر والميثولوجي مرة أخرى إلى حياتنا المعاصرة.
تستعير المسرحية زمناً غابراً، موغلاً في القدم، ونائماً في تلافيف المخيال الشعبي للحكاية التوراتية والإسلامية، واستطاعت أن توظف الماضي والغابر والطاعن في السنين بالتماهي مع الحاضر والراهن الملتهب بالأحداث الجسيمة.
ربما لم يَدُرْ في خَلَد جبار ياسين وهو يكتب المسرحية، أنها ستقع دون وعي منه في حالتي الإيهام والاستيحاء والتمثل القريب من المماهاة مع الزمن المعاصر والمجريات المحايثة لهذا الزمن الغاطس إلى القاع في إحداثيات ووقائع اللحظة المعاصرة، زمن التطرف الإسلامي والإرهاب الذي ابتلع الموصل، أي نينوى. فمنذ أكثر من عامين ونينوى التاريخ والحضارة، نينوى البدء والعمق الأسطوري لحضارة الشرق والعالم، قد سقطت في يد همجية، غيَّرتْ إيقاع الزمان وحطمتْ بهجته الحضارية المجسدة في امبراطورية آشور بانيبال وسلالته البانية للزمان والمكان. نينوى المكان الذي سيطر على المخيلة الميثولوجية التوراتية التي سطعت في بلاد ما بين النهرين، والزمان الآشوري والأكدي اللذين منحا البشرية الأسرار الأولى للتكوين، ألواح نينوى، أسطورة الطوفان، نوح وحام، آشور بانيبال وأسر حدون، ثم التدوين الأول للبشرية، في الواح صلصالية، الشعر والموسيقى والحكمة، وكيف سُطرتْ في ملاحم وأمثلة وتصاوير، سن القانون العادل، تأسيس المعنى الأول للمدنية والإنسانية، ظهور القول بالتوحيد، وهجرة ابراهيم من أرض سومر في جنوب العراق، لغرض البحث عن المكان الجديد الذي يمثل الرؤية التوحيدية، وبدء تكوِّنها والمناداة بها، من قبل قوم جدد، كل ذلك جرى في نينوى الزمن المنصرم، في الألف الرابع قبل الميلاد، وفي المكان إياه الذي لم يزل واقفاً في وجه الغزاة الجدد، من كل الأطياف الساعية إلى تدمير حضارة «الحَضَر» و«الأربجيَّة» واللون الأول للحياة وطعمها الميثولوجي والسحري والتاريخي .
إذاً بين أمثولة الزمان والمكان جسّد جبار ياسين هذه المسرحية، زمان يونس القابع في البعيد الغابر، ومكان نينوى الراهن الماثل في مدينة الموصل التي تتعرض الآن إلى سلسلة من حروب إبادة تشارك فيها كل الأطراف المتصارعة .
المكان في المسرحية يتمثل بخلاء بري، وهناك شخصيتان بارزتان تتحاوران وتتساءلان عن معنى الوجود في هذا المكان الصامت والموحش، برية وشجرة خروع لا غير، وشخصيتان هما يونس المعني بالأمر، وجبرائيل الملاك والسفير الإلهي الذي يحمل رسالة الرب. السينوغرافيا متقشفة، والحوار شاعري ومكثف. ثمة حبال وسلم وشراع وسفينة ستظهر في فصل آخر وبحّار، ولا شيء آخر، لكن اللافت في الأمر هو انتقال يونس وفي لحظة معيَّنة بعد سفره في السفينة والتخلص من نداء الرب، إلى نيويورك، حيث يلفظه الحوت على ساحل هذه المدينة المليئة بالأنوار والزحام المعروف في مدينة مثل نيويورك، وظهور شخصية طارئة مثل شرطي المرور الذي يجد يونس واقفاً عند منعطف من المدينة وقد أخَّر حركة السير، وسؤال الشرطي ليونس عن هويته وبلده ومن هو وماذا يعمل هنا. يبدو أن المهم في الأمر أن جبار ياسين حاول أن يعطي للعمل مفهوماً رمزياً ممثلاً بأمريكا الحوت الذي ابتلع كل شيء.

جبار ياسين: «طُرُق يونس»
الهيئة المصرية العامة للكتاب/ سلسلة إبداع عربي، القاهرة 2014
89 صفحة

مسرحية جبار ياسين «طرق يونس»: مروية يونس النبي في مماهاة مع الزمن المعاصر

هاشم شفيق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية