« ما لا يتغير في الإنسان أبدًا هو ضرورة أن يوجد في العالم، وضرورة أن يموت فيه»
سارتر
الموت لا يموت
كما في «أرض اليباب» لإليوت، وكذلك في «نهاية اللعبة» لصموئيل بيكيت الذي تحولت إليه سوداوية سوفوكليس، وكما في رواية هزاع نفسه «تراب الغريب» يحضر الموت سلطة مطلقة على العباد تفرض نفسها عليهم، فلا قدرة ولا إرادة ولا حيلة تنقذ الإنسان من انقراض في الزمن يأخذه إلى عطب حتمي. ولذلك يأتي الديالوغ وكذلك المونولوج في مسرحية الأديب الأردني هزاع البراري «زمن اليباب» منذ البداية بهذيانات مخيفة تنتهي بحالة استسلام قاهرة تعبر عن نهاية الإنسان بعد سفرة الحياة، أو بعد تحولات فاجعة تقوده نحو نهاية لا راد لها؛ لذلك ترددت عبارة «الموت لا يموت»، بإحالات إلى وجود مقفل لا يمكن تعديله، فما إن يمس الوباء شخصيات المسرحية حتى تتعطل ولا يعود هنالك ما يمكن أن ينقذها من زوالها وانطفائها. فهل تعيد المسرحية فكرة بيكيت من أن الإنسان ضحية ظلم وسادية تعامل بهما الحياة أبناءها؟ وإلى أي حد تعزز المسرحية عدمية فردية يغدو معها الفرد كما ورقة في شجرة حياة ترميه بعد أن تمتص عافيته؟
موت الأحياء
وكما في «تراب الغريب» أيضاً تأتي الأفكار في هذا النص المسرحي تباعاً حول موت يتعلق بالأحياء أنفسهم، فإن يموت الإنسان ويرسو جسده في قاع لا انحدار بعده، فذاك قد يصبح أمنية وخلاصاً من عذاب وبؤس تمتلئ بهما حياة ملتبسة مع الموت. وهو ما لم تدركه (فرح) الشخصية الأكثر حضوراً في المسرحية، في جزعها مع موت لم تتقبله وحاربته مؤثرة الهوان عليه. نستمع إليها في حوارها مع جثامين ثلاثة منغرسة داخل ثلاثة توابيت في الغرفة (أبواها وحبيب لها مات قبل أن يتزوجها) تحادثهم بما يفيد إنكاراً عليهم موتهم. «ثلاث ميتات تنهش قلبي المجفف متل حبة تين منسية، ثلاث ميتات تقضم أيامي بتمهل لا يحتمل، ثلاث ميتات تغرز أنيابها المسعورة في ليلي الطويل، حتى صرت مثل شبح أسود يحرس الموت حتى لا تسرقه الحياة.. الحياة تسرق كل الأموات.. لا تبقيهم في حياتنا». بما ينسجم وعبارة لأحد شخوص «تراب الغريب» يقول فيها: «أنا لا أخاف موتي صدقيني.. لكن فقدان من أحبهم يفوق مقدرتي على الاحتمال».
النص المسرحي عموماً يخبرنا أن القسوة ليست في الموت، وإنما فيما رأينا «فرح» عليه من اعتزال للحياة، حين جعلت ذاتها أسيرة لفكرة محاربة الموت؛ تحرس موت الجثامين من الدود والعفن، على أمل أن ينتهي موتهم، وتسجنهم داخل توابيت من معدن متجمد درءاً لذوبانهم وتلاشيهم؛ فالأبيض الذي ارتدته «شاخ.. هرم.. شرب سواد الليل البارد» وكانت تسأل بلا انقطاع: «لماذا لا يكف موتكم عني؟».
والحال أن «فرح» كانت تبحث عن راحتها بالقرب منهم، بينما كانوا هم يبحثون عن راحة أبدية بالموت، ويفضلون الإقامة في القبر، رغم كل محاولاتها العنيدة لابتداع نوع من الألفة والأنس في معايشتهم ومساكنتهم، على أمل أن تخفف من وطأة وجودها، أو من وطأة وحدة تتضاعف بيقين موت التبس بحياة مليئة بالمواجع والخوف. «كلهم ذهبوا إلى الفردوس، وتركوني في هذه الحياة الميتة».. «أنا من يعيش داخل ثلاث ميتات، ويقتات على دواخله ثلاثة أموات»، لتكون هي أكثر موتاً من الجثامين أنفسهم.
انخراط في العدمية
لا غرابة مع كل ما أسلفنا لو تمنى أبوا فرح اللذان منحاها الحياة دفناً ينقذهما من هوان يتداخل مع عدمية يتكرر ظهورها في المسرحية، لتكون في أوجها في حوار فرح مع «الحبيب» يتكشف معه أنه في حياته كان قد توهم أنه قادر على أن يقف مع فرح في محنة الوباء التي أصابت والديها، فإذا هو يموت قبلها. وما التابوت الذي ضم ثلاثتهم إلا تمثيل آخر لواقع حياة سادية بائسة، ما إن تحضر فيها السعادة حتى يأتيها يقين نهائي بعجز الإنسان، كما عبّر عن ذلك أبو فرح حين قال: «أسميتها فرح، نعم رأيت فيها الفرح المقبل، فرح يساعدني على احتمال العمر»، بل أرى في الأبوين صورة عن فرح وحبيبها كما كانا وكما سيصيران. كل هذا يسير في إطار حتمية لم يكن أي منهم قد اختارها. وهو ما عبّرت عنه عبارات من مثل: «لم نختر موتنا يا فرح، لم نختر شيئًا». «وهل نملك من أمرنا شيئاً؟ إننا مرهونون للفناء». «وأنا لا أملك سوى تجرع نهايتي البطيئة بألم قاتل». «الموتى يموتون ينتهون، يصبحون ترابًا بلا قيمة ولا ذاكرة».
الفضاء المكاني والزماني
لا يمكن الحديث عن المسرحية بعيداً عن فضاء مكاني يحضر ليكون جزءاً لا يتجزأ من مكنونات الشخصيات فيها؛ فالمسرحية تبدأ بغرفة قصية لونها رمادي، وكل ما فيها يوحي بالفراغ والوحشة والحزن. لا أثاث فيها عدا كرسيين متقابلين وآخر في الوسط، وعلى الجدار المواجه للجمهور ثلاثة توابيت، وهناك نافذة مغلقة على جدار وصور لثلاثة شخوص على جدار آخر غيّب الغبار ملامحهم. وإن كانت فرح قد عاشت ثلاث ميتات وكانت تسأل «هل أحيا حياة أم أحيا موتاً؟»، وإن كنا قد شهدناها تحفظ الجثث بالتجميد أو التعقيم، فمعنى هذا أنها كانت تريد للزمن أن يقف ولا يتحرك وتقحم نفسها في ما بدا لها توابيت أقل برودة ووحشة من قبر كبير بارد موحش تعيش فيه في الخارج. تخاطب أمها: «دعيني أدخل.. أطرد شيئًا من وحدتي وحزني». علماً أن حجرة يتمرغ في كل ركن فيها تيه وضياع، وتسكنها رائحة التحلل والعفن المستوطنين في الفراغ، كان لا بد أن تظهر معها أحداث المسرحية بلا بوصلة أو عقارب ساعة، بما يبدو منسجماً وأفكار سوداء ثابتة؛ فالزمن «يموت.. هنا يموت كل شيء.. المكان ميت.. البشر ميتون.. الذكرى تضمحل.. تجف ثم تموت، لا زمن هنا ولا تفاصيل». فلا شمس إذن ولا اتجاهات وإنما وقت داكن يمر بالتوازي مع حركة تخريب تتناول الأحياء والأشياء، أما الفرد فيغدو لا محالة محكوماً بحتمية انسحاق وانهزام تجره إليها كل قوى التدمير والهلاك في العالم.
بدت لي الحجرة كأنها تمثل العالم، أو تعبر عن وجود مصغر. أما الشخصيات فهم أبناء الحياة الذين يرمزون للإنسانية بمراحلها المختلفة. حري بنا التنبه إلى إيقاع متوحد عميق سعى النص إليه بملكات فنية متعددة. ومن هنا راقبنا اللغة وقد اندمجت مع مؤثرات عديدة من مثل الديكور الذي ظهر عنصراً تعبيرياً مهماً رغم صمته وثباته، وكذلك الثياب التي اتخذت شكل قماش أبيض على شكل ضمادات تغطي الجثث وتخفي ملامحها تماماً. وبالمثل كانت الحركة جزءاً من نسيج فني معبر، كما كان فعل غيمة يتكرر خروجها من دخان أبيض معلنة عن دخول الجثمان أو خروجه من تابوته. ويغدو من السهل ملاحظة كل حركة وكل إشارة باعتبارهما مواد تجسيدية تعبيرية، أو عضواً داخلياً منسجماً مع الإيقاع المسرحي المرتبط بإيقاع نفسي لشخوص المسرحية، التي سخّرت كل أدوات المسرح لاقتفائه، بما يضمن مخاطبة (لاوعي) المشاهد خلافاً للغة ما فتئت تخاطب (وعيه). وبالمثل تحضر الريح، كما في أرض اليباب عند إليوت رديفاً للبؤس والخراب «وحدها الريح الصفراء المشبعة برائحة الجثث تعبق بالمكان»، ومع الريح « تصحو فرح صارخة بالتزامن مع تعتيم كامل للحظات، ثم يضاء المكان من جديد وقد عمّ الهدوء التام». وهي لعبة الإضاءة والتعتيم التي واكبت حركة الشخوص من وإلى التوابيت تباعاً.
في النهايات
وحين يأتي رجل من الخارج يعمل بأمر من رئيس البلدية، وينفذ قراره بمصادرة التوابيت، تتعمق عدمية تلاشت معها كل محاولات فرح عبر سنين طويلة في العيش مع جثامين فعلت المستحيل كي تحول بينها وبين الذوبان والتلاشي. وتترسخ فكرة الحي الميت، حين تترك فرح لتعيش وحيدة وتموت وحيدة في فراغ، حيث لا أحد لا أحد.. وكأننا نحن البشر، كما فرح وكما الباب، لا ندخل البيت ولا نغادره. ومما سبق ننهي بأن «زمن اليباب» مسرحية تتناول الحياة بأعماقها كأنما تعالج حياة أخرى لا نعرفها، أو تبدو مستحيلة بالنسبة إلى الواقع. تستحضر شيئاً من عناصرها لتفككه وتعيد تركيبه من جديد، في إطار متخيل لا يبقي من حياة الإنسان إلا يقين الموت الذي يحاصره، ماسحاً كل سبيل لتفاخر الإنسان بإنسانيته، فالنص يظهر الإنسان بطلاً للعجز والهوان، في عالم مثقل بالذعر والخوف والعقم. ولا سبيل أمامه سوى الاستسلام لقبضة الموت، مع إحساس قاس بالهزيمة وبلا جدوى العمر حين يستحيل القبض عليه.
٭ كاتبة أردنية
رزان إبراهيم