هناك مسرحيات كثيرة تترك أثرا أو عطرا يبقى يتضوّع في دهاليز ذاكرة مشاهديها أو قارئيها ردحا، على سبيل المثال «البطة البرية» للنرويجي هنريك إبسن و«هاملت» لشكسبير و«الأم شجاعة وأبناؤها» للألماني برتولد بريخت و«يرما» لشاعر غرناطة فيديريكو لوركا.
في مشهد دراماتيكي فجائعي وبلغة لوركية شاعرية غاضبة تنهال من فم «يرما» الموجوعة والمعذّبة، التي تعارك وحيدة من أجل التسربل بثوب الأمومة، مع زوج فاتر وجاف يكبرها سنّا ينقل لنا الشاعر لوركا (1839- 1936) في مسرحيته هذه صوت المرأة الإسبانية الريفية المقموعة، في عصور خلت إبان كتابة المسرحية عام 1934، حيث هيمنة التقاليد الذكورية الموغلة في تهميشها وإقصائها وتدجينها.
«يرما» الصبية ذات الأنوثة المتدفّقة والمتعطّشة للحب وللأمومة، رهينة الأعمال المنزلية في قفصها البيتيّ، غير قادرة على الإنجاب بسبب زوجها، وفي عيون الناس هي المتّهمة بالعقم، تصارع الزمن لأن تصبح أمّا، مع زوجها «خوان» الراعي اللاهث وراء الشغل والمال، الصائم عن مبادلتها الحب والحنان، فهو يقضي طوال وقته خارج البيت في الحقول بعيدا عنها، ويعود مساء خائر القوى وفي غربة عن عالمها المتعطّش للحب والفرح. عدا عن ذلك يشبّهها بنعجة وفي نظره «مكان النعجة الحظيرة ومكان المرأة البيت».
تشعر يرما، منذ المشهد الأول للمسرحية، حين تستيقظ على دقات الساعة وصوت أغنية مفعمة بالتفاؤل، ضعف ووهن جسد زوجها بسبب إرهاقه في العمل، فتقترح عليه أن يرتشف كأس حليب، قبل خروجه للعمل، لكنّه يرفض طلبها ويعاندها قائلا: «إنّ الرجال الضعفاء، أقوياء كما الفولاذ». لكنّها تجيبه بأنّ هذا القول لا ينطبق عليه، فحين تزوّجها كان رجلا آخر، واليوم وجهه شاحب كأنّ الشمس لا تراه، وهي تشتهي رؤيته يسبح في النهر، أو يصعد إلى سطح البيت حين يتساقط المطر. وتقول له: «مرّ عامان على زواجنا، وأنت من يوم إلى آخر تزداد كآبة وتقلّصا كأنّك تنمو إلى الوراء». يجيبها خوان بغضب: «هل قلت كل ما أردت؟»، لكنّها تجيبه: «لا تكن سيئا، فأنا قلقة عليك، وأنت لا تدعني أهتم بك»، يجيبها أنّ صحته تمام وينعت كلامها بالافتراء. تشعر «يرما» بأنّ مرور الزمن ليس لصالحهما وهي تعيش صراعا مع الزمن عدوهما اللدود، وخوفها من عدم القدرة على الإنجاب بسبب ذلك. والمثير للغرابة أنّ خوان يقول لها مبتسما: «حقا سنعيش بأمان ودعة. شغلنا يعطي ثمارا ولا أولاد لدينا، ولا شيء نصرف عليه»، هذا الكلام يسحقها ويمزق نياط قلبها، ومن ناحية ثانية يشير إلى عقم فكريّ في شخصه واستسلام لواقع كئيب.
نجح لوركا في تصوير ورسم صورة الأمومة ومشاعرها الجيّاشة الصارخة في أعماق شخصية «يرما» التواقة لطفل من زوجها تحتضنه بين ذراعيها، كي ينام قرير العين. وهي تشتهي الأمومة من زوج لا تحبّه، حتى لو كانت على علم أنّ ابنها الذي سيولد سوف يحطّمها، يكرهها، يجرها من ضفائرها، سوف تلده بفرح». هذه الصورة المفعمة بعطش الأمومة، تبوح بها امرأة تعيش حياة قاسية مع زوجها.
تعترف «يرما» بالإخلاص لزوجها خوان قائلة إنّها لم تأسف على فراقها من أمها الباكية بسبب زواجها ومغادرتها البيت، لكنّها تشتهي الإنجاب منه، وكلّ هدفها من الزواج الأمومة وإنجاب طفل منه، وفي نظرها حتى الحجارة حين يتساقط عليها المطر تلين وتنبت أعشابا. هذه الاستعارة تشير إلى الجفاف العاطفي في حياتهما وبحثها اللامتناهي عن الأمومة في كنف بيتها وزوجها الغائب عنها.
حين يخرج زوجها خوان إلى عمله تكشف يرما صراعها الداخلي، فتبدأ تخيط الملابس وتناجي نفسها وهي تتلمس بطنها وتتساءل باستعارة وباستفهام إنكاري شاعريّ، موجّهة كلامها لطفلها المتخيّل «من أين ستأتي يا بنيّ، أيّها الفتى الجميل؟ من قمّة الثلج، من الصقيع العالي». وتسترسل في مونولوغها المنساب من قلب موجوع محبط، تسفح فيه توقها واشتهاءها لأن تصبح أمّا، وتشير إلى أنّ كلّ حزنها وعذابها نابع من ذلك وتستحث طفلها على المجيء. هذا المونولوغ يفضي إلى الحقيقة الغائبة عن الناس، إنّ سبب العقم هو الزوج وليس يرما، الصحراء هو خوان وهي الأرض التي تنتظر هطول المطر. يرما سبقت فيلم «راشومون» (1950) للمخرج الياباني أكيرا كوروساوا في التأكيد على أنّ الحقيقة متماهية لا يمكن معرفتها والوصول إليها. يرما شخصية تتوسل ممارسة طقوس الحب مع زوج قاس شبيه بالجدار، يتجاهلها ولا يستجيب لتوسّلاتها، ولا ينتبه لمشاعرها وأحلامها. إنسان سلبيّ شغله الشاغل السرح بالقطيع نهارا وعد النقود ليلا.
تنهار يرما في نهاية المسرحية حين يقول لها خوان: «حياة بلا أولاد أجمل، أنا سعيد أنّ لا أولاد لدي. ونحن لسنا مذنبين بذلك». تجيبه يرما: «أنت تحبّني كحب حمامة تريد خنقها» ويطلب منها خوان أن تقبّله، لكنّها ترفض أيما رفض الآن ومستقبلا، تشد بيديها على عنقه حتى يختنق ويموت، وتصرخ صرختها المدوية أمام الناس «عاقر عاقر أنا بالتأكيد. من الآن أعرف ذلك بالتأكيد، من الآن انا وحدي…. ماذا تريدون أن تعرفوا؟ لا تقتربوا مني! قتلت ابني! بيديّ قتلت ابني».
هذه النهاية الفجائعية الغاضبة، تمرّد يرما وانهيارها وقيامها بخنق زوجها اللاهي عنها، هي بمثابة ثورة على الثابت، ورفض له ولواقع مجحف حرمها من حقّها أن تصبح أمّا. فقد آمنت يرما منذ البداية أنّ زوجها يعاني من عقم فكريّ، وهو المتّهم في كونها عاقرا وعليها أن تكشف الحقيقة والصراخ في وجه المجتمع المتّهم إياها بالعقم، فقد أرادت إسماع صوتها قبل أن تطحنها سنابك الزمن. وهي شخصية ديناميكية في تفكيرها وحياتها، لم تستسلم لمزموره الحزين القائل أنّ القدر أراد ذلك، بحثت عن الحلّ وطرق الخلاص، ووحدها عرفت الحقيقة المنحوتة على شعارها السيميائيّ الجميل «الثمرة تأتي لمن يطلبها».
إنّ النهاية التراجيدية التي لجأت إليها يرما تشحن المسرحية بالدهشة والصدمة، فالقتل أو الانتحار في الدراما هو رفض لواقع بائس وحياة جحيمية . إنّها تتقاطع مع نهاية هدفيج المأساوية في «البطة البرية» حين أطلقت الرصاص على نفسها، بدل أن تطلقه على البطة البرية، بعد أن عاشت رفضا من والدها العجوز إكدال الذي شكّ أنّها ثمرة علاقة حب بين مشغّله السابق هاكون فرينيه وزوجته جينا.
«يرما» مأساة شبيهة بالمآسي الإغريقية والشكسبيرية، و«يرما» الزوجة هي صوت المرأة الأولى الضحية، منذ الأزل وإلى الأبد. هي صوت من لا صوت لهن في ريف إسبانيا في مطلع القرن العشرين، وحياتها مع خوان جحيم لا يطاق. لقد خدعت بزواجها المظلم والقاسي، إرضاء لوالديها، فلا طفل يضيء حجرات قلبها أو دهاليز روحها، ولا زوج يتجاوب مع عطشها الجسديّ والعاطفيّ.
«يرما» مسرحية إنسانية كوزموبوليتانية مترعة بالوجع وتتكرّر في كل المجتمعات، وهي مرآة عاكسة لوجع كلّ امرأة تعيش في غربة روحية، وصرختها المدوية في نهاية المسرحية «قتلت ابني» هي بمثابة بوميرانج أو موت لها. إنّها صرخة في واد… تحمل أسئلة فكرية ووجودية كثيرة وعميقة في مجتمع لا سامع فيه!
رحل لوركا الشاعر قيثارة غرناطة وحاله يقول: كم يرما في حياتنا ستبقى صوتا صارخا في البرية؟
٭ كاتب فلسطينيّ
سمير حاجّ